الإعلام العربي سلطة رابعة للتضليل والتمييع

0
92

كتب / د. طارق ليساوي

أذكر قبل نحو سبع سنوات و نيف كتبت مقالا بعنوان “الإعلام سلطة لازالت مغتصبة…” و ذلك بمناسبة استقالة الزميل و الأستاذ “عبد الباري عطوان” رئيس تحرير القدس العربي من منصبه ، و أيضا المتابعة القضائية للزميل “علي أنوزلا” مدير نشر موقع لكم بتهمة نشر خبر صحفي يتضمن فيديو لمنظمة إرهابية ، و خلال هذه الفترة أذكر أني كنت أشرف على إدارة  مؤسسة إعلامية لها وزنها، و إستطعت أن أدخل في شراكة دولية مع مؤسسات إعلامية في  لندن و مع إدارة القمر الصناعي “الياه لايف” بأبوظبي، بهدف الحصول على سبع ترددات على هذا القمر لإطلاق باقة قنوات تلفزية، بعد أن أطلقت و شركائي قناة فضائية منذ 2011 إلى 2015 على القمر الصناعي “نايل سات”، غير أن الكلفة المرتفعة لإيجار التردد ، دفعتني إلى تغيير القمر باتجاه “ياه سات” الذي منحنا امتيازات معتبرة على إعتبار أن المؤسسة التي أتولى إدارتها كانت سباقة للتعاقد مع إدارة القمر ، غير أن الميول السياسية التي عبرت عنها الإمارات العربية بعد دعمها للانقلاب على الرئيس مرسي و دعمها للثورات المضادة ، دفعني شخصيا إلى إعادة النظر في هذه الشراكة، لأني لا أريد أن أكون يدا لخدمة أجندات مشبوهة ..فقد تعلمت على يد أساتذتي أن الصحافة رسالة و أداة للدفاع عن الحق و كشف الحقيقة و تنوير الرأي العام و كشف الزيف و التضليل بغرض مساعدة القارئ أو المشاهد أو المستمع على إتخاد الموقف السليم،  .. و هذه المقدمة أردت بها أن أجيب على أسئلة بعض القراء ، الذين يعتقدون أني كاتب رأي أو متطفل على السلطة الرابعة ، و الواقع أني منتمي لهذه السلطة قلبا و قالبا و دفعت ثمن هذا الانتماء غاليا ، فالصحافة تمثل إلى جانب التدريس بالجامعة الهواء الذي أتنفسه ، لأني على قناعة أن كلا المهنتين هي منبع للنضال من أجل الحق و التنوير، و ليست منبرا للتطبيل للظالم و الفاسد و المستبد بغرض تحقيق مكاسب مادية أو معنوية.. فالصحافة في الدول الديمقراطية سلطة لها أهميتها البالغة…

لذلك،  يستخدم مصطلح السلطة الرابعة   Fourth Estate للدلالة على وسائل الإعلام بشكل عام، وعلى الصحافة بشكل خاص. ويستعمل  المصطلح في الوقت الراهن لإبراز الدور المؤثر لوسائل الإعلام ليس في نشر الخبر و تعميم المعلومة والتوعية والتنوير فحسب، بل في تشكيل  وتوجيه الرأي العام، وخلق القضايا وتعبئة الناس حولها فهي تتولى تشكل أولويات اهتمامات  الرأي العام، ومن تمت فهي تلعب دور الوسيط بين  الحكومة و الشعب، و الأمم لدى بعضها البعض…و غالبا ما يتم ربط مفهوم “السلطة الرابعة” بباقي السلطات  الدستورية الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، باعتبار أن الصحافة   و سائل الإعلام  هي سلطة رابعة مدسترة  لها نفس  تأثير باقي السلط؛ إلا أن السلطة المعنية في المصطلح، تبعاً لتاريخانية هدا المصطلح تدل على  القوة المؤثرة للصحافة ووسائل الإعلام  في الشعب.

و أنا في هذا المقال لا أريد التقعيد أو التأريخ لهذا المصطلح، وإنما أريد أن أعري واقع الاستبداد والطغيان الممارس على هذه السلطة و أهلها…فنحن عندما نتابع محتوى مختلف وسائل الإعلام العمومية أو شبه العمومية، نلاحظ في الغالب طيف هائل من التضليل و التمييع ، و التلميع للمطبيل و سدنة الأنظمة الحاكمة، و غياب شبه تام للتعددية و الموضوعية في تناول الأحداث و الأخبار المختلفة…و بالأحرى انتقاد السياسات العامة، فساعة واحدة أمام شاشة التلفاز كافية لفهم سبب ما تعيشه بلداننا العربية من مأسي و من تدهور و نزول غير مسبوق إلى قاع القاع .. غياب شبه تام للإعلام الهادف الذي يحمل رسالة تنويرية ، فأموال هائلة تنفق في برامج تافهة لا غاية لها اللهم تضليل المواطن و التغطية عن السياسات الفاسدة التي يتم تبنيها من قبل النظم الحاكمة…ساعات من البث يتم إهذارها في برامج أو مسلسلات أقل ما يقال عنها أنها تافهة مضيعة للوقت و المال …و تضر بجمهور الناشئين أشد الضرر،  و الغريب أن من يتحمل تكلفتها هو المواطن المتلقي دافع الضرائب ..

و الواقع لو أن المشرفين على الإعلام العمومي أو “شبه الخاص” يدركون خطورة ما يقومون به لأحجموا عن نشر هذه التفاهة و الرسائل السمعية البصرية السامة و المدمرة، فما الغاية من شراء مسلسلات هندية أو تركية لا صلة لها بالواقع ، مجرد “فانتازية” مبالغ فيها من مشاهد “شبه إباحية ” و ترويج لقيم خليعة و قيم استهلاكية و تمجيد الغنى السريع و الترويج لقيم الخيانة و الفساد و الشذوذ و الانحلال، و كلها قيم تضر بمستقبل هذه الأوطان بل تهدد مستقبل الحكام على المدى المتوسط…لأنها تشجع على قيم استهلاكية يصعب الاستجابة لها على أرض الواقع… بل الخطير هو الحرص على ترجمة هذه القيم بلهجات محلية  و الغاية ضرب القيم و الأخلاق المحلية لدى المتلقي…

لسنا ضد الفن الهادف و لسنا ضد الإنتاجات المحلية أو الأجنبية ، و لكن نحن ضد التفاهة و الإفساد الممنهج للعقول و الأخلاق، فإذا كانت رغبة القائمين على المؤسسات الإعلامية، ملء ساعات البث فلما لا يتم التعاقد على مسلسلات و برامج تضمن الترفيه و التوعية، فمسلسلات ك”أرطغرل ” أو “كوت العمارة” أو “واد الذئاب” التي تابعتها شخصيا، تضمن قدرا كبيرا من المعلومات التاريخية و أيضا تضمن جمالية في التصوير و الأداء و احترام عقل و قيم و أخلاق المتلقي…

والخطير في الأمر أن  ما يتم تمريره من إنتاجات تحت مسمى الانفتاح على الانتاجات الفنية المختلفة ، هو مجرد تمرير ممنهج  لرسائل سامة مشفرة، لها تأثير بعيد المدى في وعي المشاهد و المتلقي، هذه الرسائل تسهم بشكل مباشر في إنتاج أجيال فارغة المضمون و المحتوى، فاقدة للبوصلة و للهدف… ، أجيال ليس لها صلة بالواقع و غير مؤهلة لحماية حقوقها الشخصية أولا، و بالأحرى حقوق أوطانها و شعوبها..خاصة و أن بلداننا في قلب هجمة شرسة عنوانها الأبرز تمييع الدين الإسلامي و تشويهه في العقول.. و هذه الأمة لايمكنها أن تحقق نهضة حضارية أو الخروج من دائرة التيه و التخلف و الغثائية إلا بالوعي بذاتها أولا، و فهم رسالتها الحضارية ثانيا، و معرفة أعداءها الحقيقيين و الأجندات السرية و العلنية التي تحاك ضدها لضمان حالة التفتت و الفقر و التخلف و الجهل.. ولوسائل الإعلام دور كبير في ديمومة الوضع القائم، فخطورة الإعلام الفاسد أشد و أخطر من مختلف وسائل التخدير و الإدمان …

فالبلدان العربية لازالت  تعاني من غياب إعلام حر موضوعي و نزيه  ينحاز لإرادة الشعب،  مع حرصه الشديد على ضمان قدر نسبي من التنوع و التعددية في طرح الرأي و الرأي الأخر، و الجهود التي يبذلها بعض الأفراد و المؤسسات غير قادرة على المنافسة و التوسع و خلق دورة حميدة،  في بيئة فاسدة مدعومة من قبل الحكومات و من قبل جهات خفية نافدة…

للأسف ليس لدينا إعلام هادف يحمل رسالة توعوية ، و السبب يكمن إرجاعه إلى عدة عوامل،  فمجتمعاتنا العربية لازالت تعاني من أمراض التخلف: كالفقر و الأمية و غياب مفهوم الرأي و الرأي الأخر، فقاعدة المقروئية و التأييد لازالت جد ضعيفة و بالتالي فالصحافة لازالت مرتبطة بأجندات خاصة و لم تنخرط بعد في أداء دورها الأساسي في  توجيه وصناعة الرأي العام، فهي لازالت في الغالب مجرد أداة في يد الأنظمة الحاكمة ومن يدور في فلكها..

كما أن حرية الإعلام وحرية الصحافة لازالت شبه غائبة، فحرية الإعلام لا يمكن فصلها عن الحريات العامة للشعوب، و الشعوب لازالت مكبلة بقيود الاستبداد و الطغيان المحلي و الأجنبي ، فالسلطة مازالت تتعامل مع مجال الصحافة والإعلام، كأداة أساسية في تمرير مخططاتها السياسية، وإستراتجيتها في المجتمع، تارة عن طريق التحكم في عدد من الصحف وفي وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وتارة أخرى في التضييق على حرية التعبير وفي العديد من الأحيان، تلجأ إلى افتعال مشاكل ونزاعات، بل وتخلق توترات في المجال السياسي، عبر قمعها لحرية الصحافة وتعريض بعض المؤسسات الصحفية إلى المحاكمة أو الرقابة أو الحجز والمنع…وتحاول السلطة أن تستعمل عدة مبررات سياسية ودينية وأخلاقية و اقتصادية لتمرير هذه الإجراءات. و ينبغي هنا التركير على دور العنصر الاقتصادي في نجاح المؤسسات الإعلامية ، فالإعلام يتطلب أموال هائلة ، و المؤسسة الإعلامية من المفروض أنها تسعى إلى تمويل إحتياجاتها عبر المستشهرين و المعلنين و هذه قصة أخرى…

و عموما، لا مجال للحديث عن الديمقراطية و باقي مرادفاتها طالما أن سلطة الإعلام لازالت مغتصبة من قبل  حكام مستبدين من جهة و أباطرة الفساد من جهة أخرى..و هؤلاء جميعا  انتماءهم و أجنداتهم الخاصة  في الغالب تكون ضد  مصالح شعوبهم و هذا ما إتضحت معالمه بشكل بين بعد ثورات الربيع العربي و بعد اتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني … والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون…

إعلامي و أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني و الشرق ٱسيوي. أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة…