أمريكا..جثة متروكة في قبو رطب..!

0
92

كتب / قاسم العجرش …

ثمة أسئلة تبدأ ولا تنتهي، حول ما حدث ويحدث في الولايات المتحدة الأمريكية، وما ستؤول اليه التطورات.

معظم الأسئلة قد بنيت على إفتراض خاطيء، وهو أن هذا البلد الذي يخلو من عمق تاريخي، يمثل واحة للديمقراطية، وان “ديمقراطيته” تمثل نموذجا صالحا للإقتداء به من قبل الشعوب الأخرى، بل أن كثير من أصحاب هذا الإفتراضات، يذهبون الى “وجوب” نشر التجربة الأمريكية على العالم، بعنوان الحلم الأمريكي.

قسم كبير من أصحاب نظرية “نشر” التجربة الأمريكية عالميا، يذهبون في أسلوب النشر الى أبعد من وسائل التبشير المتعارف عليها إنسانيا، فهؤلاء يرون وجوب”فرض” الرؤية الأمريكية على الشعوب الأخرى، بمختلف السبل والوسائل، وطبعا يعتبرون “القوة” من بين أهم تلك الوسائل، لأن مفهوم “القوة” راسخ أولا في العقيدة الأمريكية، إذ أن “الكيان” الأمريكي كيان أنشيء بالقوة، حيث قام على إبادة شعب موجود في تلك الأرض من أزمنة سحيقة إبادة تامة، ولم يتبق من هذا الشعب إلا نماذج قليلة، تشبه تلك التي توضع في متاحف التاريخ الطبيعي.

في جانب البناء الفكري للعقيدة الأمريكية، كانت عقول واصابع اليهود تعمل بنشاط كبير، لنسج تلك العقيدة وفقا للتصورات الصهيونية، التي بموجبها تتحقق الهيمنة اليهودية على العالم إقتصاديا، وهذا مسار نافذ بعمق في التركيبة الأمريكية، الى حد تحول فيه الى أن يكون الركن الأعظم في تلك التركيبة.

هكذا فان هنالك معنى يهودي خاص لأمريكا، يقوم على عقيدة التفوق الالهي، وتفوق النوع والثقافة، ويقود هذا التفوق الى معتقد اشد خطورة، وهو أن للأمريكي مهمة أكبر، هي تحقق”الخلاص” للعالم على يدهم، وبما يفضي الى أن يكون التوسع ألأمريكي في العالم “حقا” طبيعيا لا نزاع فيه، على اساس أنه قدر إلهي لا مراء في صحته، وطبعا من البديهي أن تكون القوة والقضاء على المخالفين “حقا” أمريكيا خالصا، وهذا هو المعنى الفكري لمصطلح الإستكبار..!

هذا المعتقد الذي بناه اليهود الصهاينة في المجتمع الأمريكي؛ تحول الى تيار جارف وعقيدة دينية، أنتشرت بشكل كبير وواسع وعميق في المجتمع الأمريكي، الأمر الذي يفسر الملايين الخمسة والسبعين التي أنتخبت ترامب على الرغم من مساوئه التي لا تعد.

ملاحظة هنا لابد من إيضاحها، وهي أن الأحزاب في امريكا ليست أحزابا بالمعنى التنظيمي السياسي المتعارف عليه للأحزاب، بل هي “مجتمعات” منظمة إجتماعيا وسياسيا وأداريا وعقيديا وأقتصاديا، ولكل من الحزبين الرئيسيين في امريكا دولته العميقة، ولذلك تحصل عمليات التغيير الكلي للأدارات الفيدرالية، مع مجيء أي رئيس أمريكي جديد..الولايات المتحدة إذَا ليست دولة مؤسسات، بل هي عبارة عن دولتين تتبادلان الأدوار..!

فيما يتعلق بمنطقتنا وبنا كمسلمين، فإن”الإنجيليين” الذين يشكلون العمود الفقري لهؤلاء الذين يؤمنون ما يطلق عليه الحلم الأمريكي، وهم عموما اتباع الحزب الجمهوري، الذي ينتمي اليه ترامب، يؤمنون بأن قيام دولة إسرائيل، يأتي “وفقًا لتعاليم الإنجيل”، وأن “المسيح” سيعود للحياة، بعد تجمع كل اليهود في تلك الأرض، واكتمال حدودها، أي على كامل تراب فلسطين التاريخية حسب زعمهم من الفرات الى النيل.!.

الأنتخابات الأمريكية الأخيرة، وما أسفرت عنه من نتيجة بخسارة نرامب أيقونة العقيدة الصهيو مسيحية (الأنجيلية) التي أشرنا اليها، أحدثت اكثر من شرخ في المجتمع الأمريكي، بل هي بالمحصلة إنقسام عمودي كبير وخطير وعميق، ستكون له تداعياته التي ليس لها حدود على مستقبل ألولايات المتحدة الأمريكية كدولة موحدة..

على مستوى النظر التاريخي، من المؤكد أن تتشظى الولايات المتحدة الى دول عديدة، تلك الدولة التي قامت أثر حرب أهلية تعد الأكثر دموية في تاريخ الولايات المتحدة الذي لا يزيد عن 270 سنة فقط..حرب طاحنة بين ولاياتها الخمسين، إستمرت من عام 1861 إلى 1866..

هذا النظر بات قريب الوقوع، ولن ننتظر طويلا لنراه، فأثناء فترة تسليم السلطة من ترامب الى بايدن، كانت الميليشيات الأمريكية تملأ شوارع المدن الأمريكية، والكابيتول هول تحول الى منطقة خضراء كتلك التي عندنا في بغداد، وفي واشنطن وحدها اكثر من 25000 نقطة تفتيش، وقوات خاصة أمريكية تقوم بتفتيش الحرس الوطني الأمريكي الذي يحمي مراسم تنصيب بايدن..!

لقد فقدوا الثقة ببعضهم بعض، وامريكا في طريقها الى التفسخ، كجثة تركت في قبو رطب..!