التطبيع والاحتلال موسمان لا يجتمعان على سطح واحد

0
108

كتب / د. عامر خياط

في رسالتها بمناسبة فوز الرئيس المنتخب جو بايدن على منافسه دونالد ترامب، غردت نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأمريكي، مشيدةً بإنتصار حزبها الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية بما يشكل مدخلاً ” للحفاظ على الجمهورية وإعادة الأمل ببزوغ فجر جديد لتغيير الواقع “. وختمت تغريدتها منوهةً بهذا الانتصار بتعبير سطرته باللغة اللاتينية Pluribus Unum” “E وترجمته ” الأول من أحداث لاحقة”.

تتميز تغريدة بيلوسي بدقة سياسية.  فهي أولاً أوحتْ بما عاناه الحزب الديمقراطي خلال أربع سنوات من حكم ترامب من سياسات غوغائية وابتعاد عن القواعد الإجرائية الدبلوماسية التي تتبعها وزارة الخارجية الأمريكية، والتي كانت تسلك مساراً بعيداً عن التجاذبات الحزبية الداخلية.  كما عبرت بيلوسي عما عانته شخصياً بحكم كونها رئيسة مجلس النواب خلال ولاية ترامب، من صفاقة وحماقة في تعامله معها. وأخيراً أرادت عبر تغريدتها، أن تمرر رسالة محورية، تفيد بأن على الإدارة الجديدة ليس فقط استعادة الجمهورية، وإنما عليها أيضاً، تفكيك جميع المفاصل والمعوقات التي حاول ترامب بطرقه الفجّة أن يثيرها خلال ولايته مع دول كثيرة في العالم.

ما يهمنا من الملفات الشائكة التي تناطحَ بها مع أعدائه كما حلفائه، هو النهج المبتذل الذي سلكه ترامب في انحيازه الواضح للكيان الصهيوني عند طرحه الملف الفلسطيني العربي، ومحاولته الوصول إلى سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.  كان ذلك واضحاً باعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، ودعمه عمليات ضم الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، وإقامة المستعمرات اليهودية غصباً من إرادة السكان العرب، وصولاً لطرحه مشروعه المسرحي “صفقة القرن” دون تفاوض مع الفلسطينيين.  تاركاً لهم كانتونات يقبعون فيها وهم أصحاب الأرض والحق.  وفي الوقت عينه، لا تزال أراض عربية، كمزارع شبعا وتلال كفرشوبا في لبنان مثلاً، محتلة من قبل إسرائيل، بالإضافة إلى أراضي الجولان المحتل، والتي اعترف ترامب بشرعية ضمها إلى إسرائيل، منافياً بذلك القرارات الأممية في هذا الشأن.  وآخر نهفات هذا المسلسل الهزلي لترامب، يتمثل في رعايته لعملية “التطبيع” بين الدول العربية وإسرائيل، مستخدماً الترغيب والتشجيع لبعض الحكام العرب، والترهيب والتهديد لبعضهم الآخر.

ولابد من التوضيح، أننا لسنا في معرض الترحيب بفوز الرئيس بايدن أو حزبه الديمقراطي، أو الدفاع عن توجهاته المُرتقبة في معالجته لملف النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.  فالسياسة الخارجية الأمريكية كانت، ومنذ خمسينيات القرن الماضي داعمةً للطروحات الإسرائيلية، بغض النظر إن كانت الإدارة للجمهوريين أم للديمقراطيين.  ثم أخذ هذا الدعم منحى جديداً بعد النكبة الكبرى عام 1967 فأصبحت الولايات المتحدة الراعية الحصرية للملف الفلسطيني بأجنداته الإسرائيلية.  ولم يتغير هذا الأمر بتناوب العهود والإدارات.  بطبيعة الحال لم تعد معطيات النزاع متكافئة، وهي أصلاً لم تكن كذلك، إن كان على صعيد القيادات السياسية والعسكرية أو على صعيد التعبئة الشعبية.  وإذا كانت، في مرحلة ما، العلاقة مع فلسطين هي المعيار الذي يحدد شرعية الدول، فقد فقدت “القضية” هذا التمايز.  وأصبح اليوم التعامل مع إسرائيل هو المدخل إلى الشرعية.  لا نستغرب إذن عندما نرى اليوم، وعلى إثر التطبيع، توجهاً لدى بعض النخب العربية – وخاصة التي كانت رائدة في التزامها القومي العربي وأحياناً الثوري اليساري – لتفسير المفسر في تبرير تطبيع العلاقات الخليجية والعربية مع إسرائيل.  وهذا ما سيساعد إدارة بايدن على الاستمرار في هذا التوجه.

ولكن، لابد من كلمةٍ لإقفال هذا الملف ولو لوهلة. لقد كنا وما نزال نتلقى ظلم أنظمة استبدادية وتعسفية؛ ومحرومين باسم السيادة والاستقلال وغيرها من الشعارات المُملة من أبسط حقوقنا الإنسانية؛ ومكبوتين عن استخدام الكلمة، أو حتى التفكير فيها.  ومهددين في حياتنا إن لجئنا إلى ضمائرنا للتعبير عن مشاعرنا.  لقد طالبنا بالحرية والعدالة والديمقراطية ولم نتذوق حلاوة أياً منها.

علينا، وبغض النظر عن مواقعنا من هذا السرد القائم، إبداء موقفٍ مغاير إزاء ما هو متوقع من صفقات مستمرة في التطبيع وفي انتهاك الحقوق الفلسطينية والعربية.  وواقع الأمر، أن خيارات ما يُعرف بمحور المقاومة تزداد ثباتاً كلما ازدادت محاولات كسره.  وأمام أحداث قادمة تنبئ بمخاطر جّمة وغير مسبوقة، لا بديل عن المحافظة على الحد الأدنى من منظومة أمن شعبية في غياب قدرة الدول الفاشلة من تأمين أمن وسلامة الإقليم العربي.

وبالعودة إلى الانتخابات الأمريكية.  فما تعلمناه خلال الأيام التي تلتها، أن الانقسامات في المجتمع الأمريكي محفورة بشكل أعمق بكثير مما كان يبدو على السطح.  وما يؤكد ذلك، أن الرئيس ترامب أضاف عشرة ملايين صوت انتخابي على ما أحرزه في انتخابات الرئاسة عام 2016.  أي أنه لم يحافظ على كتلته الانتخابية التي أتت به إلى سدة الرئاسة فحسب، بل أضاف إليها ناخبين جدد. ما دعا الحزب الجمهوري إلى دعم ترامب وتغطية ادعاء فوزه في الانتخابات الرئاسية قبل وبعد إعلان النتائج، والذهاب إلى الطعن بنتائجها بادعاء التزوير بدون إبراز القرائن.  هذه القناعة سمحت له أن يقوم بابتداع كل ما يعيق وصول الرئيس المنتخب للبيت الأبيض. أمام هذا المشهد القلق، واجهت البلاد، ولا تزال، أزمة دستورية غير مسبوقة ستُعقّد عملية التسليم والاستلام بين الإدارتين، وتعيق وتربك عمل الإدارة الجديدة للأشهر العديدة القادمة.

وإذ لجأ الرئيس المنتخب بالدعوة لوحدة الصف الداخلي، بدأ ترامب باتخاذ سلسلة قرارات رئاسية لتكريس نهجه المخالف. ومنها سحب القوات الأمريكية من أفغانستان والعراق.  كما أرسل وزير خارجيته بومبيو في زيارة إلى إسرائيل وبعض الدول العربية، تحمل في طياتها رسائل مربكة لإدارة بايدن.  حيث قام بومبيو بزيارة الجولان المحتل والمستعمرات اللاشرعية التي أقامتها إسرائيل هناك تأكيداً لفرض سياسة “ضم الأراضي وتطبيع العلاقات” بمعزل عن قرارات “الشرعية الدولية”.  يسري ذلك على أهداف زيارته إلى السعودية برفقة “مشبوهة”،  كما الزيارة المتوقعة للبحرين، وقد يكون لغيرها في الأيام القادمة. وبشكل عام، إن ما يريده ترامب، ليس تكبيل عهد بايدن بإرث ثقيل فحسب، وإنما توجيه سياسة العهد باتجاه “تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل”، وما سبقها من صفقة القرن ومشروعه الاقتصادي التنموي للإقليم، والسماح لإسرائيل بضم ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، تهيئة لاستعادة انتخابه مرة أخرى سنة 2024.  هذا هو تحديداً ما يراه ترامب وزمرته من “بداية فجر جديد” في منطقة الشرق الأوسط، والتي تكلم عنها بقوة إبان حملته الانتخابية.

إن ولاية بايدن مقدمةٌ إذن، على طريق طويل ومعقد لا يبشر “بالتعافي والنضوج” الذي بشرت به بيلوسي كوسيلة لتغيير الواقع الذي لا يزال ترامب ومن موقعه المهزوم يحرك معطياته. ولحين تخليه عن منصبه.

أمام بايدن طريق محفوف بالمخاطر يفرض عليه انتقاء الملفات الأسهل إنجازاً، مثال ذلك ملف اتفاق باريس للانحسار المناخي، أو تحسين العلاقة الخاصة والتاريخية مع المملكة المتحدة، واحتواء بريكست بما يرضي كافة الأطراف، كما سيجري العمل لاستعادة تفعيل الحلف الأطلسي. إضافة إلى تحسين العلاقات الثنائية مع عدد من أقطار العالم، والتي أساء لها ترامب خلال ولايته.

وإنما يبقى ملفين بالغي التعقيد، كان ترامب يأمل بإنهائهما خلال ولايته ولم يفلح حتى الآن، لربما بسبب ترابطهما. الأول هو الملف الإيراني ويشمل في جزئياته الاتفاق النووي المعطل.  ومع أن استعادة تفعيل هذا الاتفاق تقنياً من الأمور المتاحة، خاصة لاعتماد بايدن على فريق عمل يشمل العديد ممن فاوض وشارك في إعداد هذا الاتفاق الذي تم التوصل إليه في فيينا في 14 يوليو 2015.

غير أن المشكلة الأكثر تعقيداً، هي قناعة إدارة ترامب (وبدون شك بدفع من إسرائيل) ترويج مقولة أن تخفيف العقوبات على نظام طهران (كنتيجة لهذا الاتفاق) شجع على مضاعفة عدائه للسياسة الأمريكية وحلفائها في المنطقة.  فدخلت الحرب في سوريا دعماً للنظام وسلّحت الحوثيين في اليمن ودعمت حزب الله في لبنان وفي غيره من المناطق.  وانتهكت الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على تهريب الأسلحة وأنشطة الصواريخ الباليستية.  قائمة طويلة من الاتهامات التي أدخلتها إدارة ترامب في عقل المواطن الأمريكي بتشجيع وتفعيل إسرائيلي، معزز بخوف غير مبرر لدى الحكام العرب في الخليج والجزيرة العربية من أن إيران تهدد وجودهم وأنظمتهم. ما ولد قناعة بكون إسرائيل هي حليفتهم الأهم للوقوف في وجه إيران.

الملف الأخر الذي يزداد تعقيداً يتعلق بالقضية الفلسطينية.  فتوجهات الإدارة الأمريكية الجديدة تنبئ ببقاء السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي على حالها.  مع فرض سياسة الأمر الواقع، وأن لا خيار أمام الفلسطينيين والعرب سوى الانصياع والخضوع للإرادة الأمريكية والإرهاب الإسرائيلي لحل هذا النزاع.  إن فرض التطبيع على بعض الحكام العرب والاستمرار بزخم دفعه لِجَر بقية الحكومات العربية لقبوله، يمثل أخطر بادرة تمر على الصراع الإسرائيلي العربي منذ بدايته، منذ ما يقرب القرن.  لا يعني هذا دفعنا لإبقاء هذه الصراع العميق، ولكن يجب  إعادة الإصرار والتأكيد على ضرورة الحل الشامل والدائم له، بما يحقق العدالة والحق والسلام والأمن لشعب فلسطين.    فعملية التطبيع، بما تحتويه من فجور في التعامل مع الحقوق الفلسطينية والعربية، ستؤدي إلى إطالة أمد هذا الصراع، وأول بوادر هذه الفوالق الشرخة ما سيؤول اليه التطبيع الإماراتي من محاولة رسم “شرق أوسط إسرائيلي جديد” تكون هي فيه الدولة الأكثر فاعلية. وهذا ما فشلت إسرائيل في تحقيقه عبر حروبها المتتالية منذ سنة 1948.

لقد استطاعت إسرائيل أن تحقق “السلام” مع كل من مصر والأردن، غير أنها تعلم جيداً ومن ورائها أمريكا، أن سلامها هذا عزز موقف اللا-تطبيع شكلاً ومضموناً مع شعب مصر والأردن.  السلام بهذا المعنى هو إنهاءٌ للحرب وربطٌ للنزاع، ويختلف في تبعاته عن فرض “التطبيع” بالقوة والإرهاب والترغيب وبقية آليات الفجور الإسرائيلي – الأمريكي.

أمام الإدارة الأمريكية الجديدة إذن، بعض الإشكالات التي ستتفجر أمامها وأمام اللاعبين المحليين المُطبّعين، الذين راهنوا على فوز ترامب وحليفه نتانياهو وساروا انصياعاً في مخططهما من أجل ذلك.  وما تجدر الإشارة إليه من هذه المطبّات:

أولاً – فيما يتعلق بمسار التطبيع، ستُجابَه إدارة بايدن بوجود سردين متنافسين حول عملية التطبيع، يدفع أولهما باتجاه اعتباره أداة لإحلال السلام. يُقابله سردٌ آخر يرى أن تجربة الفترة الماضية لا تنبئ إطلاقاً بالسلام المرتقب.  وإن غضب أصحاب المصالح والحقوق أصبح مكثفاً ودفيناً ومستقراً في النفوس.

هذه التوجهات المختلفة حول موضوع أساس، مطروح على أساس أن التطبيع هو المدخل إلى السلام الشامل والعادل، يفرض إرباكاً كبيراً على الإدارة الأمريكية الجديدة في سعيها لتحديد اتجاهات سياساتها.  وليس بالإمكان إهمال مواقف بعض الدول غير العربية المطلة على أطراف الإقليم ( إيران وتركيا)، أو تلك التي لها وجود أساس في الإقليم (روسيا) والتي ستتأثر بهذه الطروحات المتنافسة.

ثانياً – من المفيد استقراء مآلات اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية.  وما هو واضح أن حكومات هذه الدول قبلت أن يقترن هذا التطبيع مع وجود الاحتلال الإسرائيلي على أراض عربية وفلسطينية، انتهاكاً للقانون الدولي وللقرارات الأممية ذات العلاقة.

هذه الحالة المريبة تتطلب إعادة النظر من قبل إدارة بايدن في هذا الملف المهم، في سعيها لإزالة مخلفات عهد ترامب “وإعادة الأمل ببزوغ فجر جديد لتغيير الواقع” على نحو ما وصفت السيدة بيلوسي في افتتاحها العهد الجديد.

فمنظمة التحرير الفلسطينية ما تزالعلى قائمة الإرهاب، بينما تُنسق دوائرها أمنياً مع إسرائيل.

وفي السرد المتناقض بين طرفي النزاع يتم طرح تساؤلات أساسية، تقع في صلب عملية التطبيع، عمّن هو الذي يُرهب غزة ويُرعب سكان الضفة الغربية، ويعرقل حركة المواطنين الفلسطينيين بين قراهم وأماكن عملهم ومدارس أطفالهم. ومن يقيم الحواجز الكونكريتية، بهدف الفصل العنصري، بين الشوارع والحدائق والأحياء.

يتساءل الفلسطينيون والعرب والأجانب عن الذي يُبقي آلاف المساجين الفلسطينيين في السجون بأحكام تعسفية أو باعتقالات قسرية. ومن الذي يتسبب بقتل الأطفال والنساء والرجال العُزل.

وأخيراً، ومن أجل يكون التطبيع “طبيعياً” على الراعي الأمريكي أن يجد إجابةًعن هذه الأسئلة وأن يحدد من هو الإرهابي، كما عليه أن يحدد وسائل إيقاف إرهابه، إن تمكن من ذلك.

ثالثاً – أثبتت تجربة التطبيع هذه عدم كفاءتها عندما تخطت الفلسطينيين باتفاقات تحويلية، بمعنى تجاوز المشكلة الفلسطينية بعمقها الإنساني والأخلاقي، وبالتالي ببعدها الدولي.  وفي حالٍ كهذه، لن يؤدي التغافل إلى طمر المأساة.

رابعاً – وفي هذا المجال، يتوجب الانتباه إلى الدول العربية الموقعة على اتفاقيات سلام مع إسرائيل.  فمصر والأردن قلقتين من مسار التطبيع.  ومصالح الدول الخليجية في مكان آخر تتأثر بالجوار الإيراني والتأثير التركي والتواجد “الإسلامي الأصولي والداعشي” في ذلك المكان.  وما يجب أن يثير قلق مصر والأردن هي الحال الحرجة التي تسود جوارهم العراقي والسوري واللبناني.  هذا وبالإضافة إلى حال اللاجئين الفلسطينيين ومصيرهم.

خامساً – احتوت اتفاقيات التطبيع بنوداً تتعلق بتعليق تأشيرات الدخول لمسافري البلدين، والطيران والنقل، كما على مراسيم تجارية وصناعية واستثمارية، وجميعها لا ترقى، في الوقت الحاضر على الأقل، لاعتبارات التطبيع العملي والمتجانس.  فالتطبيع يتطلب التوازن والمساواة بين الطرفين، وهو الأمر الغائب.  وللاستزادة بالعلم، فقد أغلقت دولة الإمارات العربية المتحدة أبوابها لمواطني ثلاثة عشر دولة عربية وإسلامية، وفتحتها دون قيود أو شروط لإسرائيل.

غير أن ما هو جدير بالانتباه، هو أن تُقدِم دولة الإمارات العربية المتحدة فور توقيع اتفاقية التطبيع مع إسرائيل على عقد صفقة سلاح مع الولايات المتحدة بقيمة 23 مليار دولار، وتشمل تجهيز مقاتلات F35 المتطورة وطائرات مُسّيرة مسلحة وتجهيزات أخرى. هذه الصفقة كان قد تقدم ترامب إلى مجلس الشيوخ بطلب الموافقة عليها قبل أيام، وتتعرض حالياً إلى معارضة شديدة يقودها أعضاء جمهوريون وديموقراطيون بهدف إلغائها.

بطبيعة الحال، لم تتم هذه الصفقة بمعزل عن الكيان الإسرائيلي، إذ تذكر صحيفة “هآرتس” تبريراً لسكوت إسرائيل عن صفقات التسليح أن “على الولايات المتحدة إجراء مشاورات مع إسرائيل قبل توقيع صفقات بيع السلاح في الشرق الأوسط”، ما يعني أن “لإسرائيل ما يشبه حق النقض” على أمريكا في موضوع بيع السلاح في المنطقة”.

من الواضح إذن، أن إدارة ترامب تريد خلق أمر واقع جديد في الشرق الأوسط من خلال سلسلة من قرارات تشبه إطلاق نار سريع (عشوائي وفي كل الاتجاهات) التي تعتقد أنه سيكون من المستحيل على إدارة بايدن أن تنقضها.  هذا هو التطبيق الفعلي لسياسة “الفوضى الخلاّقة” التي اعتمدتها إدارة بوش (الجمهوري أيضاً) أيام حرب الخليج.

سادساً – على الإدارة الجديدة أن تعي، وإنْ متأخراً، أن اتفاقية أبرهام ليست اتفاقية سلام ولا يمكن أن تؤدي إلى سلام.  فهي صفقة بين حكم إسرائيلي استبدادي وتعسفي يمارس التمييز العنصري وبين طبقة من الحكام العرب لهم ما يقارب صفات هذا الحكم ويتجانس معه.  وهذه عناصر لا تصنع سلاماً.

وأخيراً، إن جردة الحساب مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة تطول.  وإذ نذكرها، فمن باب التذكير بأن الشعوب قد تغفر في تطلعها نحو عالم أفضل، ولكنها لا تنسى.  لقد ورثت أمريكا مخلفات الاستعمار القديم وأضافت إليها أساليب متطورة في إفساد الأنظمة الناشئة بعد الحرب الكونية الثانية، فإن عارضت “انقلبت” عليها، والأمثلة على ذلك كثيرة بدءاً بإيران مصدق عام 1950، ومحاولة رشوة الزعيم الوطني الراحل جمال عبد الناصرعام 1952 وترغيبه ثم ترهيبه ومحاولات إسقاطه عدة مرات.  هي نفس التوجهات الأمريكية لفرض الحصار على كوبا بذريعة حماية الأمن القومي الأمريكي من هذه الجزيرة الصغيرة.  وتطول أمثلة التدخل الأمريكي في الشؤون الأمنية في مختلف دول العالم ومن ضمنها الدول العربية، حيث أخذت منحىً تدميرياً شاملاً (بحجج كاذبة باعتراف كولن بول كما في حرب الخليج على العراق)، أو في الحرب على سوريا وليبيا واليمن.  وغيرها من الدول اللاتينية والأفريقية والآسيوية.  هذا هو المسار الأمريكي منذ سبعة عقود ولا يزال.  بدأ خفوراً ثم تصاعد تتالياً إلى أن بلغ أوجه في عهد الرئيس الراسب ترامب: فساداً وإفساداً، كرهاً وإكراهاً، رشوة وإرشاء.  لقد شهدنا خلال السنوات الأربع الأخيرة من عهد الإدارة الأمريكية الراحلة تعزيزاً للّا-أخلاقيات وعدم النزاهة، والتعامل المريب مع أفسد الأنظمة وأكثرها عتواً وشراسة، وعلى رأسها حكومة نتانياهو الموصوف حكماً بالفساد.

قد تغفر الشعوب جرائم أعدائها، لشعورها أن عالمنا اليوم يمر بظروف حالكة وغير مسبوقة.  نحن نعيش تحت غمامة جائحة سوداء تفتك بنا دون تفريق بين كائن وآخر.  وإن السبب الرئيس لفشل الإنسانية في التصدي لهذه الجائحة هو نزوعها الدائم للصراع فيما بينها.  تفشل الإنسانية عندما تَحيدُ عن مبادئها وتجنح نحو المكاسب المادية.  فقد حصد فايروس كورونا روح ما يقرب من 1.5 مليون إنسان من سكان العالم، من أصل حوالي 56 مليون نسمة أُصيبوا بهذا المرض الفتاك.  أما الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، فقد حصدت ما يقرب من 275 ألف وفاة من أصل حوالي 13 مليون مواطن أصابتهم هذه الآفة.  ألم يحن الوقت أن تتكاتف الإنسانية في كل مكان لاستعادة ذاتها وحسّها، والتزامها بالحفاظ على هذا الكون المهدد بالوباء وبالتغيّرات الطبيعية والمناخية، والصراعات بين الدول على حساب شعوبها التواقة للعدالة والمسواة والعيش الكريم!!!

إن الولايات المتحدة الأمريكية تتحمل القسط الأكبر من هذه المسؤولية لكونها الدولة الأعظم. ومن هذا المنطلق أيضاً، نحملها مسؤولية التهاون في تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني، كما نحملها مسؤولية الأوضاع القلقة والحرجة في دول إقليمنا العربي ودول المشرق كافة.  فإذا كانت الإدارة الأمريكية الجديدة، وبلسان رئيسة البرلمان نانسي بيليسي، تتطلع إلى “بزوغ فجر جديد” لتغيّر الواقع عن طريق “التعافي والنضوج”، فما عليها سوى إعادة تقويم جدي لجميع سياسات أمريكا السقيمة خلال قرن من الزمان.  وليس لنا سوى أن نترقب ما سيألوا إليه وصفها للإدارة الأمريكية الجديدة، حيث “بدأت بالحدث الأول من أحداث لاحقة”، متذكرين أن التطبيع والاحتلال موسمان لا يجتمعان على سطح واحد بالرغم ما يتمناه الأخرون. وأقتباسا من اللغة اللاتينية التي تفضلها أذكرها بتعبير دال “Ratibus ventos volunt contraria” وترجمته العربية: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

ومهما كان القبطان بارعاً ومستبداً.