التتبيع العربي إلى إسرائيل

0
85

كتب / نادية عصام حرحش…

في جلسة، ضمن مؤتمر تقيمه مؤسسة الدراسات الفلسطينية، تحت عنوان “المشروع الوطني الفلسطيني إعادة بناء ام تجديد؟” تكلم الاديب اللبناني الكبير الياس خوري عن التطبيع بجلسة حملت عنوان “التطبيع والتتبيع نهاية مرحلة”

الحقيقة انّ مقال الياس خوري في تتبيع التطبيع يفصل كل مقال بشأن التطبيع ويصوّب الحال بوصف واقع دقيق.

ما يحصل اليوم من تتابع بالتطبيع العربي لا يمكن وصفه الا بالتتبيع العربي الى إسرائيل. فالتطبيع ينجم عن علاقات تبادلية بين كيانات متنازعة متضاربة المصالح ومليئة بالتوترات. وما يجري من تتابع في سباق التبعية العربية نحو إسرائيل يضعنا في لحظة فارقة ربما بالتاريخ، تجعلنا كذلك نعيد النظر في الصياغات المستخدمة وتصويبها.

فنحن نعيش في زمن التتبيع لا التطبيع.

او ربما لأجل التوضيح نعيش في زمن التتبيع العربي الى إسرائيل وتطبيع إسرائيل نحو العرب (مؤقتاً).

فإسرائيل تسعى الى التطبيع من اجل الحصول على شرعية ما لوجودها من جهة، والى سوق استهلاكي يمكن ان تستغله الى اقصى الدرجات بأعلى الأرباح.

اأّا العرب، فعلى ما يبدو يحتاجوا من اجل تثبيت وجودهم اليوم على الساحة الدولية التي تتزعمها أمريكا بالنسبة لهم الى التتبيع التي تفرضه الأخيرة عليهم.

قد يبدو المشهد الفلسطيني المراوح نحو التطبيع مشهدا مشرقا بالمقارنة. فبالمحصلة، نحن نعيش تحت الاحتلال ولا يمكن عدم تطبيع العلاقات التي تنطوي على التطويع لا التطبيع في حالتنا. فنحن بالنسبة الى إسرائيل عناصر استهلاكية، تستهلك ما تصنعه إسرائيل على ايدي عمال فلسطينيين. وعليه، تنسق السلطة الفلسطينية هذه العلاقة عن طريق التنسيق الأمني. وتتراوح ادوارنا من عمال مصانع الى تجار الى مستثمرين تطبع العلاقة من خلالهم وتطوع على حسب الضرورة.

فما يجري من احتفاء غير مبرر ولا مفهوم من حيث المبالغة والهرولة الإماراتية نحو تطبيعها مع إسرائيل، لا يمكن كذلك فهمه الا من خلال رؤية الامارات على ما يبدو للتطبيع على انه مرتبط بمفاهيمه بالتتبيع. وكأنهم يتفاخرون بوصمهم بأنفسهم هذه العلاقة. علاقة تبعية الشرقي الجاهل الى الغربي المتنور. وكأنها مسألة جينية. عقدة نقص متأصلة لم تكن وليدة الصدفة عندما استخدمها لورنس العرب في تحضيره لإنجازه الأعظم “الثورة العربية” التي ساعدت بالإطاحة بالإمبراطورية العثمانية في بدايات القرن العشرين.

ولكن ما الذي يغري العربي في الخليج اليوم بالهرولة الى إسرائيل؟ فلقد غزت أموال البترول العالم واستطاع امراء الخليج شراء كل ما يخطر ولا يخطر في بال البشر الطبيعيين. هي نفسها عقدة الأجنبي التي استطاع ان يستخدمها ترامب عندما زار السعودية والخليج بصحبة ابنته وزوجته وعاد بعدها بالمليارات الى أمريكا؟ كل ما احتاج اليه ترامب من اجل فهم العقلية العربية كان ربما مشاهدة فيلم لورنس العرب او تلخيص لمستشاريه بإيجاز لأحكام الموعظة السبعة التي استخدمها لورنس من اجل التحكم المطلق بأمراء الصحراء.

ويأتي إعلان التطبيع السوداني مع إسرائيل اليوم وكأن اعلان استسلام، اعلان تتبيع فعليّ.

تبدو إسرائيل وكأنها في حالة نشوة متعددة التبعات مما يحدث معها من تتبيع عربي متلاحق. ستقوم باختيار من سيهرول اليها قريباً بلا شك، وستبدأ بوضع شروط للتبعية. بالضبط كما يحدث على غرار اخر ولكن ليس منفصلا بحياتنا تحت الاحتلال.

فقبل أعوام ليست ببعيدة ولا كثيرة، كانت الحكومة الإسرائيلية تستجدي المواطنين الفلسطينيين بالقدس من اجل الحصول على جنسية. قد تبدو كلمة استجداء مبالغا بها بالمقارنة بما يجري اليوم. ولكنها بالفعل كانت كذلك، فكان انجازاً ان يزداد اعداد المتقدمين للجنسية على مدار السنوات. واليوم يبدو الحصول على الجنسية الإسرائيلية من قبل سكان المدينة الذين يريدون تلك الجنسية امرا بعيد المنال واستثنائي للغاية. فلقد اكتفت إسرائيل بالأعداد التي حصلت عليها، وكالعادة، فاقت اعداد المتقدمين المهرولين اليها توقعاتها وحاجتها.

والتتابع الحاصل في التتبيع العربي الى إسرائيل، لا يمكن رؤيته خارج السياق الفلسطيني السلطوي الذي بدأ منذ أوسلو. منذ ان تم استبدال الوطن بالسلطة، والقضية بتفاوضيات من اجل نظام زبائني تحكمه مصالح افراده. وقد يكون الانهيار هذا ابعد من أوسلو، على حد تعبير الاديب الياس خوري الذي يعود بنا الى “هزيمة حزيران ١٩٦٧ والتي حدث بعدها ان استبدلت القضية بالنظام واستبدلت الأرض بالقمع”. وها نحن نحارب اليوم من اجل بقاء نظام ما تحكمه سلطة ما تحت شعارات وخطابات قومجية او دينية نرددها كل على حسب ميوله ومصالحه.

ختاما، قد تكون العبارة التي استخدمها الياس خوري في نهاية جلسته لعبد الرحمن الكواكبي من كتاب طبائع الاستبداد هي الأفضل تعبيرا هنا كذلك: ” لو كان الاستبداد رجلاً، واراد ان ينتسب، لقال: أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضر، وخالي الذل، وابني الفقر، وابنتي البطالة، ووطني الخراب، وعشيرتي الجهالة.”