أمريكا وأوروبا.. 4 سنوات على جهاز الإنعاش

0
112

كتب/ د. خالد رمضان عبد اللطيف

بأي أعصاب ملتهبة سيتابع الأوروبيون الانتخابات الأمريكية المقبلة؟، يبدو أن الأمر لن يكون مثلما تعودوا في السابق، فهذه المرة ليست ككل مرة، إذ يشبه ضربات الجزاء الترجيحية التي تحدد مصير الفريق إما بالفوز أو الخسارة، ولكن لماذا كل هذا؟، والإجابة ببساطة لأن الحدث الطاغي يتزامن مع انقسام أوروبي حاد، وخروج بريطاني حزين ومؤسف من التكتل، وسط تعاظم النفوذ الصيني والتهديد الروسي في الشرق والغرب، وانكفاء أمريكي غير معهود على الذات، وكساد اقتصادي مؤلم بفعل صدمات كورونا الموجعة، واستهجان عالمي غير مسبوق لسياسات الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، وبينما تفيد القراءة الأولية بأن غالبية الأوروبيين يُفضِّلون فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن، لأن سياسات خصمه متقلبة وقاتمة للغاية، تتعلق آمال القارة العجوز باستعادة إدارة البيت الأبيض وجهها الليبرالي المعتاد، وتصحيح المسار المختل، من خلال تنشيط التحالف عبر الأطلسي، وعودة واشنطن إلى اتفاقية باريس للمناخ، واحتواء الحرب التجارية المدمرة، وإلغاء زيادات الرسوم الجمركية، والكف عن تدليل التيار الشعبوي الساعي لتفكيك الوحدة الأوروبية.

منذ أصبح سيداً للبيت الأبيض قبل 4 سنوات، اعتاد ترامب على إثارة الشكوك حول المؤسستين الأعرق في القارة الأوروبية، وهما الاتحاد الأوروبي، ومنظمة حلف شمال الأطلسي “الناتو”، إذ يصنف المؤسسة الأولى باعتبارها تكتلًا يسعى لاستغلال الولايات المتحدة، بل إنه وصف بعض الدول الأوروبية بأنها تُمثل تهديدًا للأمن القومي الأمريكي لكي يُبرر زيادة الرسوم الجمركية على الواردات، وهذا يتناقض مع سلوك الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي طالما سعت إلى تعميق التكامل الأوروبي، من جهة أخرى، فإن ترامب يعتبر حلف الناتو مجرد وسيلة من وسائل الحماية الأوروبية، التي تستفيد من سخاء التمويل الأمريكي، ولهذا حثَّ الدول الأوروبية مراراً على زيادة الإنفاق الدفاعي، بالرغم  من تشكيكه المتواصل في جدوى تحالف عسكري عجوز يصارع الموت الإكلينيكي.

اللافت، أن ترامب اكتسب طوال فترة الرئاسية الأولى عداوة حلفاؤه الأوروبيين المؤثرين في المنتديات الدولية مثل مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، والجمعية العامة للأمم المتحدة، مما عرقل تنفيذ بعض الاتفاقيات المهمة، وأبرزها انسحابه من الاتفاق النووي الإيراني، والاعتقاد السائد بين الأوروبيين الآن هو أنه إذا أُعِيد انتخاب ترامب رئيسًا، فسيشعر حينها بأنه مطلق اليد تمامًا، كالفرعون في الدولة المصرية القديمة.. لا تمنعه أي حدود أو قيود، وهذا سيكون له آثار كارثية على أوروبا، أسوأها على الإطلاق احتمالية انسحاب واشنطن تماماً من حلف الناتو.

في هذا الإطار، يبدو أن ترامب سيصبح في حال أعيد انتخابه المسمار الأخير الذي سيدق نعش التحالف عبر الأطلسي الذي بات فعلياً في غرفة الإنعاش، بسبب تشكيكه المتواصل في الضمانات الأمنية الأمريكية لأوروبا، وبالرغم من أن بعض زعماء أوروبا الشرقية، ودول مجموعة البلطيق “إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا” يشعرون بالأمان منذ انتخابه رئيساً للولايات المتحدة، إلا أن الألمان يحذرون من خطورة التهديد الكاسح الذي يُمثله ترامب على مستقبل تحالف الناتو، وحتى على المستوى الشخصي، لا تخفي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب استهجان أحدهما الآخر، وبينما لم تحاول ميركل يوما استمالة الرئيس الأمريكي المتقلّب، يبدو جلياً أن ترامب لديه مشكلة حقيقية في التعامل مع قيادة نسائية قوية.

يمكن القول بأن غالبية الأوروبيين يتمنون فوز بايدن باعتباره شخصية دولية كلاسيكية تُقدر قيمة العلاقات التاريخية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهم يمنون أنفسهم بتصحيح المسار المضطرب، والعودة إلى الحالة المزاجية الأكثر هدوءاً لاحتواء الجبهات المشتعلة بين اللاعبين الدوليين الكبيرين، مثل إنهاء الحرب التجارية المفتعلة، والكف عن إضعاف منظمة التجارة العالمية، واستئناف التعاون المشترك بشأن اتفاقية التغير المناخي، وفي حال فاز بايدن فسيكون من المحتم عليه العمل على إعادة إحياء العلاقات المضطربة مع الحلفاء، وربما يستمر شعار “ أميركا أولا” للصناعات الأكثر حساسية لبعض الوقت، وعلى الأوروبيين أن يفهموا أن إدارة بايدن ستكون منشغلة للغاية بالشؤون الداخلية، وهذا يعني أن بايدن سيحيط نفسه على الأغلب بسياسيين متمرّسين في الشؤون الخارجية يمكن الاعتماد عليهم بدرجة أكبر من العادة لإعادة ترتيب الأمور بل حتى وضع مسار جديد، أما في حال إعادة انتخاب ترامب، فإن على العواصم الأوروبية أن تترقب أربع سنوات أخرى عاصفة، ومع ذلك فإنه من المرجح أن يتفق الجانبين على بعض القضايا الحيوية مثل مواجهة النفوذ الصيني المتزايد في كثير من مناطق العالم.