الورقة البيضاء .. لصالح الحكومة أم لصالح الشعب؟!

0
61

كتب / د. محسن القزويني…

وأخيرا أصدرت الحكومة العراقية برئاسة السيد الكاظمي الورقة الاصلاحية تلبية لطلب مجلس النواب الذي علق اصدار قانون الاقتراض باصدار الحكومة لهذه الورقة وسيتم مناقشتها في المجلسين الوزراء والنواب قبل اقرارها والعمل بموجبها.

وبالرغم بأن الورقة جاءت مستوفية في عرضها المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها العراق ووضعت الحلول والمعالجات الممكنة للحد من تلك المشكلات الا انها جاءت ناقصة في جوانب متعددة لتناولها للازمة الاقتصادية والسبب في ذلك:

أولا: ان الورقة البيضاء تحمل رؤية الحكومة حصراً فالجهات التي وضعتها هي وزارات الحكومة الاقتصادية؛ وزارة المالية والتخطيط والنفط والبنك المركزي، وكان يُفترض اشراك الخبراء الاقتصاديين ومراكز البحث العلمي في الجامعات العراقية، ومنظمات المجتمع المدني حتى تأتي برؤية شاملة للأزمة الاقتصادية ولا تكون مقتصرة على رؤية الحكومة.

ثانياً: الورقة تحمل رؤية اقتصادية مجردة لعملية الاصلاح بينما المشكلة العراقية متداخلة فلا قيمة للاصلاح الاقتصادي بدون اصلاح سياسي وبدون اصلاح اجتماعي ولم نجد في الورقة ما يلوِّح إلى الاصلاحات الأخرى والتي هي المسبب الرئيس في الأزمة الاقتصادية التي يُعاني منها العراق وبدونها لايمكن معالجة المشكلات التي يعاني منها العراق، وعلى رأس ذلك مشكلة المحاصصة التي يعاني منها النظام السياسي العراقي والتي تسببت في الكثير من أوجه الفساد الاقتصادي، فهل يمكن اجراء أي اصلاح في ظل نظام المحاصصة الذي سارت عليه كل الحكومات التي حكمت العراق.

ثالثاً: اقتصرت الورقة على المبادئ والسياسات التي يجب أن تنتهجها الدولة لخوض غمار الاصلاح ولم تأت على ذكر الجوانب التطبيقية لهذه السياسات، فبعض الأفكار الاصلاحية التي وردت في الورقة غير قابلة للتطبيق في هذه المرحلة ولأنها لم تأت على ذكر آلية التطبيق فقد باتت أفكاراً لا قيمة لها في عملية الاصلاح الراهنة.

رابعاً: تم تحديد المدة المزمع اجراء الاصلاحات فيها ثلاث سنوات، مع اعتقادنا انها بحاجة إلى أكثر من هذه المدة، ولم تلتفت الورقة إلى الأزمة القائمة في ضعف اداء الاقتصاد العراقي وكيفية معالجة المشكلات المستعصية الحالية كالحصول على السيولة لتمويل الرواتب وبعض المشاريع الضرورية ومنها تمويل العملية الانتخابية التي هي المهمة الرئيسية لهذه الحكومة.

خامساً: رمت الورقة مسؤولية الأزمة الاقتصادية في العراق إلى فترة السبعينات من القرن الماضي، وهو هروب من المسؤولية لأن الذين وضعوا الورقة هم الجهات الأربعة التي أدارت العملية الاقتصادية في العراق منذ 2003 وحتى الآن وهي الوزارات الثلاث المالية والنفط والتخطيط بالإضافة إلى البنك المركزي، وهي فترة كافية لاجراء الاصلاحات وليس من الصحيح رمي المسؤولية على الفترة السابقة سيما وان النقاط التي أُخذت على تلك الفترة السابقة لازالت قائمة حتى يومنا هذا وهي: 1- توسع قطاع الدولة 2- سيطرة الدولة على الاقتصاد المباشر وغير المباشر 3- الدور الريعي للدولة.

ولهذه الأسباب المذكورة جاءت الورقة غير متوازنة في طرح الأفكار الاصلاحية فهي تجاهلت الأموال المنهوبة من خزينة الدولة والتي تقدر بأكثر من 470 مليار دولار وآليات استردادها من السراق ، وهم معروفون لدى الجهات الرقابية وفي حال استردادها ستنتهي الأزمة الاقتصادية في العراق وإلى الأبد.

كما وأنها لم تضع الخطط الكفيلة بإيقاف نزيف الأموال الذي لازال قائماً حتى اليوم وكشاهد على ذلك عملية بيع العملة إلى المصارف التابعة للأحزاب والتي أصبحت تتحكم بسعر الدولار في سوق العملة والتي شهدت أخيرا ارتفاعا ملحوظاً في الصرف ، وكان الأولى بحكومة الكاظمي أن تبيع العملة مباشرة للشعب بدون هذه الواسطة وهذا هو بداية الاصلاح لو أرادت ذلك.

ومن اخفاقات الورقة انها صِيغت على سياسة تعظيم ايرادات الدولة والتقليل من نفقاتها، وقد جاء ذلك على حساب الشعب، وقد اقترحت تخفيض فاتورة الرواتب والأجور من 25% من الناتج المحلي الاجمالي إلى 12.5%.

واقترحت أيضا تخفيض الدعم الحكومي لصندوق التقاعد من 13% إلى 5%، واقترحت ايضاً أن تكون تسعيرة الكهرباء للمواطن بحسب الأسواق العالمية.

وهذه بعض الشواهد التي وردت في الورقة والتي ستسبب في أزمة اجتماعية لو تم تطبيقها لأنها ستؤدي إلى انخفاض في رواتب الموظفين والمتقاعدين وإلى زيادة أسعار الطاقة.

وكان الأجدى بالذين وضعوا الورقة أن يتجهوا الاتجاه الصحيح في تعظيم ايرادات الدولة ليس على حساب الشعب المغلوب على أمره وذلك باسترداد الأموال المسروقة والأخذ بالاقتصاد العراقي نحو الانتاج، نحو الزراعة والصناعة التان لم تحظيا بالاهتمام المطلوب بينما هما لب عملية الاصلاح.

فالعراق بحاجة إلى ورقة حمراء بالاضافة إلى تلك الورقة البيضاء للقضاء على الفساد واسترداد الأموال المسروقة، وأيضا بحاجة إلى ورقة خضراء لسوق الاقتصاد العراقي نحو الانتاج الزراعي والصناعي وهما الركيزتان الأساسيتان لأية عملية اصلاح في البلاد.