الشعوب العربية بين “الاستحمار” و”القابلية للاستعمار

0
86

كتب/ د.  طارق ليساوي…

في مقال “النبي محمد عليه الصلاة و السلام منقذ الانسانية ” أشرنا بوضوح إلى أن مسؤولية الأذى الذي يتعرض له نبينا الكريم، نحن المسلمين من نتحمل مسؤوليتها..” لأن واقعنا يعطي للغير صورة سلبية عن حقيقة الإسلام و المسلمين، فأغلب شعوب الدول الإسلامية و في مقدمتها الدول العربية تعيش تحث نير الاستبداد و الظلم و الطغيان ، فحكام هذه البلاد لا يتورعون في تقديم صورة مخزية عن دينهم و شعوبهم ، فغياب الديمقراطية و العدل و سيادة القانون و المساواة بين الحاكم و المحكوم، و تبذير المال العام، و السفه في إدارة الثروات الوطنية الطائلة، و غياب الفصل بين السلط و الخضوع المذل للأجنبي و الإهانة و التنكيل بالمعارضين للحاكم، و تكبيل حرية الرأي و التعبير ، و التفريط في الأوطان و التعاون مع العدو لإلحاق الأذى بالأخ في العقيدة و الوطن ، كلها إساءة عميقة و مباشرة لحقيقة و روح نبي الإسلام و دين الإسلام فضعف المسلمين سبب في تطاول الغير على مقدساتنا و نبينا الكريم…”

و قد تابعت تعليقات بعض القراء ، منهم من يدعم هذا الرأي و منهم من يرفضه و يرى فيه مجانبة للصواب، لكن للخروج من دائرة هذا النقاش ، علينا أن نعتمد على مؤشرات ملموسة، و أهم هذه المؤشرات أسلوب المقارنة الأفقية أو العمودية، فلنقارن وضع أغلب البلدان العربية و الإسلامية مع مناطق جغرافية أخرى ، فهل نجد في أوروبا أو أسيا أو إفريقيا أو أمريكا نماذج مستبدة و فاسدة على شاكلة ما نراه في عالمنا العربي،  هل نجد أنظمة عميلة و ذليلة إلى هذا الحد الذي نراه و نعايشه؟ ألم نرى مهزلة التوقيع على اتفاقيات التطبيع بين الإمارات و البحرين من جهة و الكيان الصهيوني من جهة أخرى، و المشهد المهين للبلدين العربيين ممثلين في وزراء الخارجية، في مقابل الهالة و الاستقبال البطولي الذي حظي به ممثل الكيان الصهيوني في البيت الأبيض…

و الأدهى من ذلك، هو حجم التطبيل و التضخيم الإعلامي للحدث، في وسائل الإعلام العربية المؤيدة لهذا المسار ، و لم أجد وصفا لهذا الوضع خيرا من مصطلح “الاستحمار”…

فأولية الشعوب العربية ليست التطبيع مع الكيان الصهيوني، و إنما استرداد الحرية المفقودة، حرية إختيار الحاكم و القدرة على محاسبته، حرية التعبير دون خوف من المساءلة أو العقاب، الأولية تحرير إرادة الأفراد و الشعوب و الأوطان، الأولية الخروج من زمن التيه و إهدار الكرامة العربية و الإسلامية… أما الكيان الصهيوني أو داعميه فهؤلاء إمتداد للمستعمر الذي إستعمر هذه البلدان و تحكم في مقدراتها منذ الإطاحة بالخلافة الإسلامية، و منذ تقسيم هذه البلاد وفقا لإتفاقية “سايكس بيكو” التي لازالت أثارها و بنوذها المعلنة و الخفية سارية ، فنحن لم نستطع تحرير بلداننا من المحتل الأجنبي و أعوانه ، و الغريب أن البقعة الجغرافية الوحيدة المحررة هي غزة، و معها باقي الشعب الفلسطيني بأرض فلسطين التاريخية…

فالأولية  تحرير الإرادة الشعبية ووضع حد للحكم الاستبدادي، و لاحتكار السلطة و الثروة من قبل القلة، و في مثل هذا الظرف أي حدث أخر هو حدث هامشي و غير ذي أهمية، فحال العرب اليوم مع حكامهم ، كحال من نشب ببيته حريق  ، و هناك من يدعوه إلى الاحتفال أو الصلاة أو التفرغ للعبادة،فالأولوية هي إطفاء الحريق، لذلك فإن أي دعوة غير دعوة إطفاء الحريق هي دعوة “خائن”، و الانصراف إلى عمل أخر غير إطفاء الحريق هو المقصود ب “الاستحمار” ، حتى و إن كان عملا مقدسا كالصلاة أو عبادة المولى عز وجل، أو الانشغال بالقراءة أو الكتابة…

التطبيع مع الكيان الصهيوني ليس بأولوية للشعوب، بل إني أرى أن الحرب معه في مثل هذا الظرف غير ذي جدوى، لأن أولية الأولويات إطاحة الحكم الاستبدادي و إقامة حكم رشيد، فبإقامة هذا الحكم يمكن إنهاء أسطورة الكيان الصهيوني و الحد من تغوله…أما الاستمرار في تأليه الحاكم و التطبيل له و دعمه و لو بالصمت عن عوراته و انتهاكاته ، فذلك مخالفة لهدي النبي محمد عليه الصلاة و السلام و مخالفة لمعنى و روح الاسلام، الذي يرفض رفضا قاطعا أن يكون المسلم ذليلا و خانعا لغير الله …

و لنا في تاريخ المسلمين في العهد النبوي و في عهد الخلفاء الراشدين بل حتى عهد بني أمية خير مثال، فقد كان المسلمون قبل خلافة بني العباس، إذا أحسوا  بخطر يتهددهم ، أو رأوا ظلما من الخليفة أو قرابته عطلوا أشغالهم، و تركوا الأسواق، و هرعوا إلى المساجد، يصيحون و ويستغيثون و يدعون الخليفة للمحاكمة و العدل، لقد كان هذا شعور المسلمون طيلة هذه الفترة، فقد كانوا -على حد تعبير- المفكر و الفيلسوف المسلم “علي شريعتي”أهل “دراية إجتماعية و إنسانية” ..فمن غير السهل حكم أناس كهؤلاء حيث يصعب الظلم و السيطرة عليهم …لأنهم كانوا مسلمون ملتزمون إجتماعيا و دينيا، إذا سمعوا الأذان هرعوا للصلاة، ليحاسبوا أنفسهم ، و يفكروا في مصيرهم الدنيوي و الأخروي…

فهؤلاء هم من نشروا الإسلام في ربوع الأرض، و فتحوا بلاد الفرس و الروم، بل إنهم لم يتورعوا في محاسبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، و هو من هو ، عندما رأوا الخليفة عمر ، ذلك الإمبراطور العظيم الذي هزم إمبراطوريتين عظيمتين ، يرتدي ثوبا من الغنائم الحربية ، و هو أطول من أثوابهم بقليل، فعندما رأوا ذلك علت أصواتهم بالمعارضة ، لقد صاحوا بأعلى صوت لماذا ثوبك أطول من ثيابنا؟ فلا فرق عندهم بين الخليفة عمر و بين جندي من الجنود، لقد أجبروه على المحاكمة بدلا من الثناء عليه و تأليهه، لأنه صانع الفتوحات و محقق الانتصارات العظيمة..و إنما طالبوه بالعدالة و المساواة …هذه هي الأمة التي صنعت عمر الفاروق لأنهم كانوا مهتمين و ملتزمين بمصيرهم، و لهذا كانوا قادرين على تحقيق الإنجازات العظيمة على المستوى الديني و الدنيوي…أناس مثل هؤلاء من السهل أن يغيروا مجرى التاريخ ، لأنهم ليسوا بالمستحمرين أو المغيبين ..هؤلاء الناس الذين فهموا الإسلام على حقيقته، فرفضوا تأليه الحاكم و الخضوع المذل له، و نصرته ظالما و مظلوما…

اليوم عندما نرى حقوق و ثروات البلاد العربية تهذر بدون حسيب و لارقيب.. و نرى خضوعا مذلا للمستعمر الأجنبي و تبعية عمياء للأعداء، و إنجراف عامة الناس و راء الباطل و التطبيل له، و صم الأذان عن نصرة الحق و أهله، لا يسعنا إلا الجزم بأننا بعيدين كل البعد عن الإسلام و نهجه، بل بعيدين كل البعد على أن نكون بشرا، فلا يمكن لأي شعب من الشعوب أن يقبل بأن تهدر حقوقه و مقدساته بهذا الشكل المهين، ففي الصين التي يحكمها الحزب الواحد ، يصعب على قيادة هذا البلد التفريط في شبر من أرض الصين، أو القبول بمعاملة فيها إذلال للأمة الصينية و تاريخها، و لذلك فإن الشعب الصيني يدعم حكومته و يؤيدها في توجهاتها ، أما في عالمنا العربي فإن أغلب الشعوب إستطعمت الذل، و رضيت بالإهانة، و قبلت بالتفريط في حقوقها و مقدساتها، بل إنها أصبحت مشاركة في جرائم حكامها بالصمت و السكوت عن ظلمهم و أخطاءهم، و لولا هذا الصمت و السكوت لما طغى و تفرعن أغلب  الحكام، و لعل هذا ما سماه المفكر الإسلامي “مالك بن نبي” ” القابلية للاستعمار”… و سنحاول إستكمال هذا النقاش في مقال موالي إن شاء الله .. و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون …