من سيحاسب الولايات المتحدة وحلفائها على جرائمهم ضد الانسانية ومتى؟

0
89

كتب/ د. سعد ناجي جواد..

اعاد الفيلم الوثائقي الذي اعدته قناة (بي بي سي المحطة الثانية/ الانكليزية) عن الحرب على العراق كل الذكريات المؤلمة التي عشناها تحت القصف والتدمير والقتل اليومي التي طالت العراقيين الابرياء، وما ارتكبته القوات الامريكية الغازية ومن تحالف معها من فضائع اثناء حرب احتلال العراق 2003، (وقبلها حرب 1991). ربما ما افسد هذا البرنامج نوعا ما بعض الضيوف، الذين كانوا في حينه اما اطفالا غير مدركين لنوايا الاحتلال الامريكي، الامر الذي صور العراقيين وكانهم كانوا راضين عن الاحتلال، او الذين لم يكونوا على مستوى الفليم الوثائقي نفسه، مثل السيدة ام قصي. ولكن في المجمل العام استطاع البرنامج ان يظهر بشاعة الاحتلال وهمجية المحتلين وتعطشهم للدماء. واسمح لنفسي ان اكرر مرة اخرى انه لو كان في العراق سياسين يضعون مصلحة العراق في عملهم وقلوبهم ووجدانهم لوجدوا في هذا البرنامج اعترافا رسميا وسببا اخر لاقامة دعاوى دولية على التحالف الذي شن الحرب على العراق وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وبريطانيا.

ربما ما يجب ان يشجع على هذا الامر الصيحات التي بدات تتعالى في الغرب منذ مدة ليست بالبعيدة والتي تدعو الى احالة كل المسؤولين عن الخروقات التي تعتبر جرائم ضد الانسانية الى المحاكم الدولية. وبالتاكيد فان هذه دعوة تفرح، ولكن يجب ان يفهم ابناء العالم الثالث، وبالذات العرب والمسلمين، ان هذه الدعوات لا تشمل رؤوساء الولايات المتحدة او الدول الغربية، او اي من المسؤولين الكبار في تلك الدول. هولاء جميعا، وبالذات الاميركان منهم، وصفهم بحث امريكي رصين (منشور في صحيفة Boston Globe في حزيران 2019) بانهم (مجرمو حرب محترمون)، America’s respectable war criminals. في هذه المقالة اوضح الكاتب ما ارتكبه سياسيون اميركان كبار من فضائع تعتبر بامتياز جرائم ضد الانسانية في العراق وليبيا وسوريا.

في دراسة اخرى اثبت موقع Global Research الكندي ان حروب الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية تسببت في مقتل اكثر من ثلاثين مليون انسان حول العالم. ومنذ مارس/اذار الماضي دابت الولايات المتحدة بتهديد المحكمة الجنائية الدولية والتضييق عليها لمجرد انها ارادت التحقيق مع موظفين اميركان ارتكبوا جرائم حرب في افغانستان والعراق ولمنعها، اي المحكمة، من اجراء تحقيقات مع مسؤولين وموظفين اميركان او من دول (حليفة للولايات المتحدة)، والمقصود بذلك مسؤولين وموظفين اسرائيليين متهمين بارتكاب جرائم حرب.

من ناحية اخرى اثبتت دراسة هامة اجرتها جهة رصينة اخرى أن “الحرب على الإرهاب” التي تقودها الولايات المتحدة قد قتلت ما يصل إلى مليوني شخص. لكن هذا الرقم يمثل جزءا بسيطا من المسؤولية الغربية او من الأرقام عن الوفيات في العراق وأفغانستان وبصورة اقل باكستان، (ثم بعد ذلك في ليبيا وسوريا والصومال، على مدار العقدين الماضيين. وطبعا هذه الارقام لا تشمل ما تقتله اسرائيل من الفلسطينين).

ففي بداية هذا العام أصدرت منظمة أطباء من أجل المسؤولية الاجتماعية (PSR) Physicians for Social Responsibility ومقرها واشنطن العاصمة دراسة تاريخية خلصت إلى أن عدد القتلى بعد 10 سنوات من “الحرب على الإرهاب” منذ هجمات 11 سبتمبر هو 1.3 مليون شخصا على الأقل ، ويمكن أن يصل العدد إلى 2 مليون. الا انه تم حجب هذه الحقائق الواردة في الدراسة بالكامل تقريبًا من قبل وسائل الإعلام الناطقة باللغة الإنجليزية.

في منتصف عام 2006 نشرت مجلة لانسيت الطبية البريطانية المرموقة دراسة اكدت فيها ان حوالي 670 الف عراقي قتلوا بعد الاحتلال وبسببه. وتعرضت هذه الدراسة لهجوم اعلامي كبير في بريطانيا والولايات المتحدة وتم التشكيك بالارقام التي اوردتها، (حسب احصائيات الولايات المتحدة بعد سنتين من هذه الدراسة ان الرقم ربما يكون اكثر من 30 الف قتيل بقليل). ومع مرور الايام بدات الحقائق تظهر واصبح الرقم الذي اوردته مجلة لانسيت يبدو الاقرب للدقة. ثم جاءت هذه الدراسة الاخيرة لتثبت ان الحرب والهجمات التي شنتها الولايات المتحدة على العراق والوفيات التي تسبب بها الحصار الظالم واللا انساني للفترة من 1991 إلى 2003 اودت بحياة 1.9 مليون عراقي ؛ ثم من عام 2003 صعودا قتل حوالي مليون شخص آخر، اي ان حوالي 3 ملايين عراقي لقوا حتفهم على مدى عقدين من الزمن على يد الولايات المتحدة او بسبب سياستها، حسب هذه الدراسة. وتراوحت بشاعة الطرق التي قتل فيها هولاء الضحايا ما بين دفن عشرات الالاف من الجنود الاحياء في خنادقهم او قتل اكثر مليون وثمنمائة شخص بالحرمان من الغذاء والدواء وصولا الى استهداف المدنيين الابرياء بغارات عشوائية مكثفة. اما جرائم التعذيب في السجون (ابو غريب نموذجا) فحدث ولا حرج. وطبعا ماجرى ويجري في العراق وسوريا وليبيا واليمن ولبنان من سياسة دعم ونشر الارهاب والارهابيبن لتدمير هذه الدول فهي سياسة وممارسة لا تحتاج لدليل لاثباتها.

ان الحديث عن هذه الجرائم يمكن ان يملا مجلدات، والسوال الذي يثار هو اذا كان الغرب حريصا حقا على ملاحقة مرتكبي مثل هذه الجرائم حول العالم فلماذا لا يبدا بالرؤوس الكبيرة والقيادات التي تسببت فيها، مثل جورج بوش الابن وبيل كلنتون وتوني بلير ودونالد رامسفيلد وكولن باول وبول ولفويتز ومادلين اولبرايت وكونداليزا رايس وغيرهم كثر، وكذلك وروساء وزارات اسبانيا وايطاليا واستراليا الذين ساندوا السياسات والحروب التي ساهمت بابادة هذه الاعداد الهائلة من النفوس البشرية؟ طبعا الامر المؤسف اكثر ان هناك من العراقيين والعرب من لا يزال يعتقد ان الامل باصلاح الامور يبقى معقودا بالولايات المتحدة وبريطانيا والغرب بصورة عامة.

ربما تمثل المطالبة بمحاسبة الرؤوس الكبيرة نوعا من التمني، وربما يعتبره البعض ساذجا، ولكن التجارب التاريخية تخبرنا ان الزمن كفيل باذلال كل من يتجبر ويطغى، وانه سياتي يوم على هذه الدول المتغطرسة تضطر فيه الى الاعتذار من الشعوب التي اساءت اليها وتعويضها. ربما لن يحدث هذا الامر لجيلنا الذي اكتوى بهذه الجرائم وعاش مرارتها، ولكن الاجيال القادمة ستعيشه وستتابعه وستحصل على الاعتذار والتعويض. كما ان التاريخ يخبرنا ان كل العناصر والتنظيمات التي تعاونت او لازالت تتعاون مع القوى الاستعمارية وسكتت عن جرائمها ستحتل مكانها المخزي في التاريخ وستلعنهم شعوبهم الى يوم يبعثون.