السيناريوهات المحتملة التي ستؤول إليها منطقة شمال شرق الفرات؟

0
101

كتب/ براء الطه ..

في السادس عشر من يونيو / حزيران الماضي ، تم الإعلان عن توصل القوى الكردية المتمثلة بـِ ( أحزاب الوحدة الوطنية الكردية و المجلس الوطني الكردي ) في منطقة شمال شرق سورية ، لرؤية مشتركة و ذلك بحضور و رعاية نائب المبعوث الأمريكي الخاص للتحالف الدولي السفير ويليام روباك ، على تكون اتفاقية دهوك 2014 ( و الذي بموجبها يتم تشكيل “مرجعية سياسية كردية”، على أن تكون نسبة تمثيل “حركة المجتمع الديمقراطي” فيها 40%، وكذلك نسبة “المجلس الوطني الكردي” 40%، ونسبة 20% للأحزاب والقوى غير المنخرطة في الجسمين السياسيين ) ، أساسًا لمواصلة الحوار الجاري بين الوفدين ، بهدف الوصول إلى التوقيع على اتفاقية شاملة في المستقبل القريب ، حسب بيان أصدره المجلس الوطني الكردي .

و عقب هذا الإعلان ، و تحديداً في السابع عشر من يونيو / حزيران ، أعلنت وزارة الدفاع التركية البدء بعملية عسكرية برية داخل الأراضي العراقية ، أطلق عليها “مخلب النمر” ، تستهدف بحسب ما وصفه البيان مواقع “العناصر الإرهابية” وكهوفها في شمال العراق ، مترافقة مع ضربات جوية مكثفة و مركزة عبر طائرات F16 و مسيرة ، أصابت و دمرت أكثر من 500 هدف لحزب العمال الكردستاني في 36 ساعة .

و بالتزامن مع هذه العملية “مخلب النمر” ، أطلقت القوات الإيرانية عملية عسكرية ، على حدودها الشمالية الغربية مع العراق ، في منطقتي قنديل وحاج عمران ، تستهدف مقرات و عناصر  “حزب الحياة الحرة الكردستاني PJAK ” و الذي يتخذ من أقصى المنطقة الشمالية الشرقية على الحدود العراقية / الإيرانية معقلا له .

اللافت في العملية التركية ، أنها جاءت بمباركة أمريكية ، و بدأت و على غير العادة ، دون مقدمات أو تمهيد للرأي العام التركي  ، على الرغم من كبر حجمها و اتساع نطاقها الجغرافي ، حيث تعاملت هذه العملية مع أهداف بالقرب من الحدود و أخرى أكثر عمقا في محيط مناطق سنجار القريبة من الحدود السورية و قنديل و زاب و عفشين و جارا .

فيما اختلفت عن سابقاتها من العمليات أنها اعتمدت على استهداف جوي كبير ، تلته عملية إنزال مظلي خلف خطوط العدو ، و هو ما أعطاها عامل المفاجئة و أعطى دلالة بشكل أو بآخر ، على وجود تخوف تركي من احتمال حدوث ” تغيير “ما في مناطق شمال شرق سورية ، التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية ، قد يستفيد منه حزب العمال الكردستاني في أن تشكل هذه المناطق ملاذاً آمناً لعناصره و قيادته ، في حال زاد الضغط على مناطق تواجده في كل من العراق و تركيا .

يمكن القول أن الرابط المشترك بين هذه التطورات السياسية و العسكرية ، هو الاستعداد لأي تغيير محتمل في السياسة الأمريكية ممكن أن يحمله الاستحقاق الرئاسي الأمريكي على منطقة شمال شرق سورية .

أمام هذه التطورات المتسارعة يبقى السؤال المطروح عن ماهية السيناريوهات المحتملة التي ستؤول إليها منطقة شمال شرق الفرات . ؟

فالسيناريو الأول يقوم على بناء منظومة حكم ذاتي شمال شرق سورية برعاية أمريكية ، على غرار كردستان العراق ، وهذا يحتم على واشنطن ، سحب كافة الذرائع ، التي يمكن أن تستخدمها أنقرة  للقيام بعمل عسكري في المنطقة ، و تكون ممهدة لترتيب صفقة ما معها و هذا الخيار يعتمد على عدة عوامل بعضها تطالب به أنقرة أهمها :

  1. إبعاد المتطرفين من الجانب الكردي و الذين يتبعون بشكل أساسي لحزب العمال الكردستاني وهذا يتطلب
  2. ترتيب البيت الداخلي الكردي سياسياً وعسكريًا و الذي لو تم ، سيعني تمثيل القوات والأحزاب المشكلة لـِ -قسد- في وفد المعارضة المفاوض ، و ما لهذا البند من تعقيدات أهمها طبيعة العلاقة مع الطيف المعارض المدعوم من أنقرة
  3. بناء تحالف قوي بين القوى الكردية و العربية المتمثلة بالعشائر في هذه المنطقة ، و هو ما بدا واضحاً بعد لقاء عدد من شيوخ عشائر الرقة والطبقة بقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في الثالث والعشرين من يونيو / حزيران الماضي ،
  4. إخلاء ما تبقى من الشريط الحدودي من أي تواجد عسكري لقوات حماية الشعب أو قوات حماية المرأة الأجنحة العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي .

وفيما لو استطاعت واشنطن سحب هذه الذرائع من تركيا ، سيبقى لدى تركيا سعي دؤوب ومطالب مستمرة لاقامة منطقة “عازلة” على الشريط الحدودي ، يتم فيها إعادة توطين اللاجئين السوريين في تركيا ، لتشكل حاجز ديموغرافي تكون مرجعيته السياسة مرتهنة لأنقرة و يفصل الأراضي التركية ذات الغالبية الكردية عن الأراضي السورية ذات التواجد الكردي الكبير و هو ما يعني تغيير ديموغرافي تعارضه قسد بشكل قطعي .

هذا السيناريو ( إضافة إلى أنه يحتاج إلى وقت طويل قد لا يتناسب و الحسابات الأمريكية ) يصطدم بـ :

– رفض تركي قاطع لوجود منطقة حكم أو إدارة ذاتية على رأسها قوى كردية و خاصة حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تتهمه أنقرة بأنه  “الفرع سوري”  لحزب العمال الكردستاني ،

– رفض إيراني ، عراقي لإعادة انتاج تجربة كردستان العراق ، وما يعنيه ذلك من امتدادها فيما لو نجحت على كل من البلدين إضافة لتركيا .

– فائض القوى الذي تشعر به قوات سوريا الديمقراطية و انعكاسه على عملية تقديم تنازلات في عملية التفاوض .

– وجود قوى إقليمية فاعلة ومؤثرة على قوات سوريا الديمقراطية وعلى رأسها مصر و الإمارات و السعودية ستحاول بكل تأكيد عرقلة المساعي الأمريكية في التقريب بين أنقرة والقوات .

– التواجد العسكري “الهادئ” السوري و الروسي العائد للمنطقة حديثاً و الذي لديه خبرة في التعامل مع تناقضاتها أكثر من بقية الأطراف .

و رغم أن هذا السيناريو يحمل تعقيدات أكثر من الحلول التي من المتأمل أن ينتجها !! و مع ذلك و فيما لو تحقق ، سينزع جميع أوراق القوة التي تعطي لقوات سوريا الديمقراطية هامش حركتها مما سيجعل المنطقة الخاضعة لسيطرتها ، لقمة سائغة لبقية الأطراف المتربصة بها ، و سيعيد القوات بعد فترة إلى دمشق .

أما السيناريو الثاني فهو ما يُعمل عليه حالياً وهو الأكثر ترجيحاً على الأرض ، ويقتضي ترتيب كامل للبيت الداخلي لمناطق شرق الفرات مع عدم تقديم تنازلات لتركيا باستثناء إبعاد المتطرفين من الجانب الكردي التابعين لحزب العمال الكردستاني ، و فرض سياسة الأمر الواقع على كامل مؤسسات هذه المنطقة ، كما حصل في مدينة الحسكة في السابع والعشرين من يونيو / حزيران الفائت ، حيث سيطرت قوات سوريا الديمقراطية على كل من مبنى الإدارة العامة للحبوب في حي غويران، وبناء الشركة العامة لكهرباء الحسكة والمدينة الرياضية وأبنية أخرى تابعة للسكن الشبابي وقامت بطرد الموظفين التابعين للدولة السورية منها .

هذا السيناريو من شأنه أن يُعجل في تبلور اتفاق سوري / تركي ( موجود أساساً ) ضد مشروع الإدارة الذاتية ، و لا يستبعد أن تكون أولى نتائجه عملية عسكرية تركية تستهدف السيطرة على مدينتي عين العرب / كوباني و الدرباسية ، لتبريد الرؤوس الحامية في قيادات “قسد” وجرها من جديد للقبول على مضض بقبول تسوية معقولة “حسب رؤية دمشق” مع دمشق .

السيناريو الثالث و يقضي باتفاق أمريكي / سوري يقضي باعطاء هامش أكبر لقوات سوريا الديمقراطية و هذا الهامش يكون أقل من الفدرلة و أكبر من اللامركزية الإدارية ، مقابل انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة و عدم التطبيق الكامل لقانون قيصر  على أن تبقى بقية البنود رهن التوافق على إيجاد صيغة مرضية للوجود الإيراني .

هذا السيناريو يمكن فيه الوصول (نوعاً ما) لصيغة رابح / رابح ، و يقلل بشكل كبير من الخسائر الواقعة فيما لو تم العمل على السيناريوهات آنفة الذكر .

ليس من المؤكد أي من السيناريوهات ستمضي إليه الأمور لكن الأكيد أن هناك انسحاب أمريكي  قادم من سورية تدرك حقيقته قوات سورية الديمقراطية لذلك عليها أن تُعْمِلَ العقل و تتخذ قرارتها على نحوٍ يحقق لها بعض المكاسب و يحفظ المنطقة من تبعات تغيير بنيوي لن يجلب معه سوى المزيد من الدمار  و ازهاق فعلي للمشروع القائم .