أين أمريكا؟

0
202

كتب / يأس خضير البياتي…
اختفت أمريكا من العالم بشكل مخجل، ليس على ورق الخرائط بالألوان، وإنما من صورتها النمطية التي جعجعت العالم باقتصادها وصواريخها وقدرتها على حل ألغاز البشر، والسيطرة عليهم عن بعد؛ وذلك بسبب فيروس كورنا الذي لا يرى بالعين المجردة، فأعاد خرائط القوة والبهرجة والكبرياء إلى شكل آخر، وصورة مغايرة للواقع الافتراضي .
فالعالم اليوم يبدو بدون أميركا أفضل، وهو الشعار المحبب لأصحاب القرار الأمريكي، الذي كانوا يرددونه أيام الانتصارات الموهومة، لأن هذا البلد أصبح اليوم بؤرة عالمية لمرض الكورونا، وغير قادر على مواجهته بصواريخه العابرة للقارات، ولا بأسلحته التدميرية، ولا بمراكزه البحثية، ولا بجعجعة رئيسه ترامب، الذي أزعج العالم بتصريحاته الرنانة، وبتبجحاته الفارغة، وهوسه بالمؤامرات، وعقدته الصينية .
كانت غريزة ترامب الأولية هي الادعاء بأنها مجرد إنفلونزا . وعندما أصبح تأثير الوباء واضحاً، لجأ إلى ( تويتر ) والمؤتمرات الصحفية، في حين أن العالم لا يزال مفتوناً بـ ( ملابس الإمبراطور الجديدة ) ، إلا أنه وقف مذعوراً أمام الحقيقة العارية التي تقول إن أمريكا ليست عاجزة على قيادة العالم فحسب، بل هي فاشلة أيضاً في حماية شعبها . وقد لخص الواقعَ الأمريكي كاتبٌ أمريكي معروف عندما قال : ( لم يكن دونالد ترامب أو جائحة كورونا هما اللذين كسرا النظام السياسي الأمريكي، كما أنهما ليسا مسؤولَين عن زوال القيادة الأمريكية في العالم، لأن قيادتنا في حالة تدهور منذ فترة طويلة . أما ترامب وكورونا فقد عملا على إبراز وتفاقم خطوط الصدع في سياساتنا المختلة، وفقدان مكانتنا في العالم ). وأضاف للفكرة نفسها زميلٌ لي عاش في أمريكا منذ سنوات، عندما قال : ( كنا نعتقد أن الحلم الأمريكي هو الأمل للخلاص من أوطاننا الفاسدة، لكننا اكتشفنا اليوم أن حلمنا سراب، لأننا نعيش اليوم في رعب داخل بيوتنا، خوفاً من المجهول، لأن إصابتنا بالفيروس تعني نهايتنا، فما نراه في الواقع مخيف للغاية، مستشفيات ترفض استقبالنا، وهي بالأصل تعاني من نقص أجهزة التنفس، وجثث الموتى تبحث عن قبور !! حقا نخجل أن نقول إننا نعيش في أمريكا ).
والحال أن صورة أمريكا ليست بمنطق الأبيض والأسود بالمقارنات، فهي دون شك موطن الابتكار والبحث والاختراعات والتكنولوجيا والقانون والسلاح والضمان الاجتماعي والصحي، مثلما هي اليوم موطن كورونا وأوبئة الموت، لكننا نتحدث عن بلد يحكمه تجار سلاح وحروب، ورأسمالية متوحشة بلا إنسانية، فقد ظلموا شعوب العالم بالحروب والقتل والتشريد وسرقة الموارد، واستبدلوا أنظمة وطنية بأنظمة لا تحب الحياة، وطغوا بجبروتهم ظلماً على العالم بالتهديد والوعيد، حتى حولوا الأوطان إلى ساحات للفقر والمجاعة والاقتتال والتهجير . ونسوا أن هناك حقّاً إلهيّاً، ودعاءً من فقراء ويتامى وشيوخ وأرامل يشق السماء ويقول : يا رب المظلومين !!
لا نحب الشماتة ولا التشفي والانتقام لمصائب الشعب الأمريكي بأديانه ومذاهبه وأعراقه وألوانه، ولا نملك ثقافة أحقاد وثارات ضدهم، لكنها شماتة مظلوم وقتيل لما أصاب تجار حروب الموت والدمار، وشركات النهب والاستغلال من خسائرَ فادحة، ليس في المال فقط، وإنما في الهزّة النفسية التي سلبت منهم سادية الموت، وجبروت الظلم، عسى أن يكون المصيبة لهم موعظة واعتبار، ودرس كبير للمتجبر المهزوم، بأن فيروساً صغيراً تمكّن من إثارة الرعب في نفوسهم، وتقزيم تطلعاتهم وأحلامهم الساديّة، بعدما حصد مائة ألف مواطن موتاً، بسبب سياساتهم، وأصاب أكثر من مليون شخص، ودمر الاقتصاد والحياة، وأحدث انكماشاً وركوداً وكساداً غير مسبوق خلال أقل من 3 أشهر، وتسبّب في خسائرَ تاريخيةٍ بجميع الأسواق الأمريكية، وعلى رأسها أسواق الأسهم والأصول الخطرة، وتراجع الناتجُ المحلي الإجمالي للولايات المتحدة خلال الفترة من أبريل ( نيسان ) وحتى يونيو ( حزيران ) 2020 بنحو 38 في المائة، مقابل توقعاته السابقة بأن ينخفض 30 في المائة . كما عدّل البنك الاستثماري تقديراته للناتج المحلي الإجمالي الأميركي عن الربع الأول من العام الحالي، إذ يتوقع تراجعه بنسبة 3.4 في المائة، مقارنةً بالتوقعات الأولية بأن ينخفض 2.4 في المائة فقط . كما يتوقع أن يتراجع الناتج المحلي الأميركي بنسبة 5.5 في المائة، ليسجل بذلك أدنى مستوى منذ عام 1946. مثلما ارتفعت البطالة إلى حوالي 40 مليون شخص، أي عند مستوى قياسي بحدود 15.7 في المائة خلال الربع الثاني، مقابل توقعات سابقة عند 12.7 في المائة، وذلك في ظل توقعات بوصول معدل فقدان الوظائف إلى 21 في المائة خلال الربع الثاني من العام الحالي .
والسؤال الكبير : أين أمريكا؟
الصورة ليست على ما يرام كما يبدو، وصورة أمريكا مهزوزة من الداخل أكثر من الخارج، فهناك إحباط وغضب وإحراج للمواطن الأمريكي بسبب السياسة المختلة للإدارة الأمريكية، والاستجابة الخاملة والفوضوية، وإخفاق قادتهم في رعايتهم، وتوفير قيادة عالمية كما يحلمون، كما ازداد التشكيك في فهم الرئيس ترامب للواقع، بسبب تصريحاته المربكة والمتناقضة، وازداد يقينهم بأن رئيسهم المبجل مصاب بجنون العظمة، ومريض بالنرجسية واضطراباتها، وازدواجية في الشخصية تصل حد الانفصام، ورهاب بالمؤامرات .
قضيتُ ساعاتٍ في تحليل ما يجري من تدهور للأوضاع في الولايات المتحدة، وكنت حائراً في الأرقام التي تكشف عن الاقتصاد المتدهور لأغنى دولة في العالم، والأعداد المتزايدة لضحايا كورونا . وهذا يدفع المرء إلى التساؤل : لماذا هذه الدولة الأكثر ثراءً والأكثر تقدماً والأكثر تحضراً، والتي تستفيد أكثر من غيرها من الثروة العالمية، تعيش نفس الحالة، حيث تجاوز فيها عدد الوفيات بسبب كورونا ثلث الوفيات في جمـيع أنحاء العالم؟ !!
وبعد، لم أجد أدق ولا أفضل وصف حالة أمريكا في عصر كورونا، مما قاله مفكر أمريكي بحزن شديد : ( تبدو البلاد وكأنها حُطام قطار؛ فأنظمتها معطلة ومستشفياتها منهارة، والمرضى يبكون طلباً للمساعدة، والجثث تتراكم في مشارح مؤقتة . لقد تحولت نيويورك، جوهرة التاج، إلى مدينة أشباح، ووادٍ للموت، ولا يمكن للعاصمة إخفاء عارها عن العالم الحر )!
حقّاً . تحولت ” ولايات متحدة ترامب ” إلى مزحةٍ سيئة للعالم !