الإصلاح الإداري في العراق.. المحاصصة الطائفية

0
103

كتب / أ. د. محسن باقر القزويني…

الخيارات الخمسة لحل الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العراق والتي كانت محط اهتمام الخبراء الاقتصاديين أغلقت الأبواب أمام حكومة مصطفى الكاظمي للخروج من عنق الزجاجة.

فطبع العملة الذي اقترحه أحد أعضاء اللجنة المالية في البرلمان العراقي مرفوض لأنه سيتسبب بانتكاسة كبرى في معدلات صرف الدينار العراقي وسيترك آثاراً وخيمة على الاقتصاد العراقي لفترات طويلة.

أما بيع ممتلكات الدولة وبيع الأراضي الحكومية كخيار يجلب مليارات الدولارات لخزينة الدولة الخاوية، حبذه البعض وأثنى على تطبيقه، ورفضه البعض الآخر لأنه مدعاة للمزيد من التوغل في الفساد والنتيجة ستخسر الحكومة رصيدها من الممتلكات بدون أن تحصل على ما يروي غليلها ويعالج مشكلتها الاقتصادية.

أما الخيار الثالث فهو الاقتراض الداخلي والاقتراض الخارجي وهو أيضاً مردود لأنه ليس هناك من يعقل أن تقوم الدولة بالاقتراض من أجل رواتب موظفيها، لأن الاقتراض في العادة يتم في الأنشطة الاستثمارية الكفيلة بدفع فوائد الديون من أرباح هذه الأنشطة.

أما استرداد المال السياسي وهو بالمليارات من الدولارات وقادر على حل المشكلة الاقتصادية في العراق فهو خيارٌ صعبٌ والسؤال هل بمقدور حكومة الكاظمي أن تخطو هذه الخطوة وتقرر بشجاعة وضع يدها على الأموال المنهوبة من العراق والموجودة في البنوك الأجنبية وفي مجالات الاستثمار خارج العراق؟؛ في الجواب الكثير من المحللين يشككون في قدرة الكاظمي على استرداد هذا المال لأنه بحاجة إلى مواجهة صارمة مع كتل سياسية وزعامات كبيرة، وإلى تعاون دولي وتنسيق مع الأمم المتحدة على أعلى درجات التنسيق.

أما الخيار الخامس والأخير والذي أصبح محط أنظار الحكومة حالياً فهو خفض الرواتب وإلغاء المخصصات وهو ما تتداوله اليوم الصحافة على لسان المسؤولين والخبراء وهو أيضاً ليس بالحل الناجع لأنه بحاجة إلى مجموعة إجراءات قانونية تتعلق بمجلس النواب إضافة إلى أنه طريقٌ غير محمود العواقب لأنه سيتسبب في احتجاجات شريحة واسعة من العراقيين يُضافون إلى المجموعات المحتجة منذ ثمانية أشهر في الساحات والميادين سيما وان وضع الكهرباء مرشح هو الاخر ليكون سببا ثالثا للاحتجاجات الشعبية، الأمر الذي سيفجر الشارع العراقي ضد الحكومة في أشهر الصيف القادمة، وهذا يعني زلزالٌ شعبي تنتظره حكومة الكاظمي من احتجاجات أصحاب المطالب السياسية واحتجاجات المتضررين من سوء الكهرباء، يُضاف إليهم احتجاجات الموظفين الذين سيتعرضون لخفض الرواتب، فليس من المنطق أن تُزيد الحكومة من رقعة الاحتجاجات ضدها باتخاذ مثل هذا القرار.

فهذه الخيارات الخمسة المقترحة على الساحة الاقتصادية غير قادرة على انقاذ الاقتصاد العراقي من الكارثة والناشئة من خفض أسعار النفط وجائحة فيروس كورونا التي أضافت أعباءً جديدة على الاقتصاد العراقي.

إلا ان هناك بصيصاً من الأمل يلوح في الأفق يُمكن لحكومة الكاظمي أن تسير نحوه ألا وهو الإصلاح الإداري وتخليص البلد من مشكلة تتفاقم وتتسع مع كل تشكيلة وزارية وهي مشكلة التضخم الإداري الذي نتج عنه الكثير من مظاهر الفساد والتراجع في الأداء الإداري.

فنشأ من التضخم الإداري تلكؤ في الإداء الحكومي بسبب البيروقراطية المفرطة الناتجة عن وجود أعداد غفيرة من الموظفين الذين كدستهم المحاصصة في دوائر الدولة، فمع كل وزير جديد يرتفع عدد الموظفين ومعها تزداد الرواتب وتتضاعف المخصصات والمشكلة عندما يترك الوزير وزارته يبقى الرتل الذي جاء معه على ملاك الوزارة لا يستطيع أحد أن يقلعهم من أماكنهم، وهكذا تتراكم المشكلة ويتزايد عدد الموظفين حتى أصبح عددهم 3441890 حسب الموازنة العامة لعام 2019 والمنشورة في الوقائع العراقية بعدد 4529 في 1/2/2019 وهذا الرقم يشكل 18% من مجموع سكان العراق من الشريحة النشطة من عمر 15 إلى 60 والبالغة نسبتهم 57%من سكان العراق وبالمقارنة بين هذه النسبة مع أية دولة أخرى كالصين 0.5% وألمانيا 0.5% والولايات المتحدة 0.6% وجدنا أن الرقم العراقي مخيف جداً حتى عن المعدل العالمي وهو 1% وهو يؤكد ما ذهبنا إليه من وجود تضخم وظيفي يبلع الميزانية التشغيلية في موازنة الدولة العراقية. وهي مشكلة لم يلتفت إليها أحد من المسؤولين والخبراء الاقتصاديين في المناقشات الجارية  فعلاجها ليس فقط ينقذ العراق من العوق الإداري المستشري في دوائر الدولة بل سيوفر للبلد أموالاً طائلة وسيحرك قطاعات أخرى من الاقتصاد العراقي إذا تمت المعالجة بصورة علمية وبخطة مدروسة.

فنحن لا ندعوا إلى طرد الموظفين الاضافيين الذين جاءت بهم المحاصصة لأنّ طردهم وانهاء خدماتهم لا يحل لنا المشكلة بل سيزيد منها وستضيف أعداداً جديدة من العاطلين عن العمل.

بل ندعوا إلى خطة مدروسة يتم من خلالها تصنيف الموظفين على أساس الكفاءة والشهادة، وتقسيم العمل بينهم على أساس ذلك، فالذي يحمل شهادة الزراعة يذهب إلى ميدان تخصصه مثلا فلامعنى لوجوده في وزارة الخارجية وهكذا بقية أصحاب الشهادات، كل واحد يذهب للعمل في مجال تخصصه وبذلك سيتم احياء القطاعات الاقتصادية المجمدة مثل الصناعة والزراعة والتجارة فينمو البلد وترتفع إنتاجية الفرد العراقي بعد أن كان انساناً معطلاً ومعرقلاً في مكان غير تخصصه.

بالتأكيد ان العملية ليست بسهلة كما يتصور البعض فهي معقدة وبحاجة إلى التأني والصبر لكنها ستأتي أُكلها وبنتائج كبيرة جداً.

فبالإضافة إلى الإصلاح الإداري الذي يحتاجه العراق ستنتعش الأنشطة الاقتصادية الأخرى التي كادت أن تموت في ظل الاقتصاد الريعي بالاعتماد على صادرات النفط كمورد أساس للاقتصاد العراقي.