بكين – تل أبيب – واشنطن … ما الجديد؟

0
80

كتب / عبد الحسين شعبان…
في ظرف ملتبس وملبّد بالغيوم بين بكين وواشنطن، عُثر على السفير الصيني في تل أبيب دو وي ميتاً في منزله بمدينة هيرتسليا الساحلية (شمالي تل أبيب)، وعلى الرغم من إعلان السلطات “الإسرائيلية” أن سبب وفاة السفير الصيني (58) عاماً ناجم عن سكتة قلبية تعرّض لها وهو في سريره، إذ لا توجد أي علامات عنف على جثته، إلّا أن الغموض والشك ظلاّ يلفّان القضية، خصوصاً ما ارتبط بها من ذيول وتداعيات سبقت الوفاة بنحو يومين، فقد كان دو وي قد نشر مقالة في صحيفة جيروزاليم بوست ردّ فيها على تصريحات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، الذي وصف الاستثمار الصيني في ” إسرائيل” بأنه خطر وأن بكين تحاول شراء ” إسرائيل”، وجدّد اتهامه لبكين بشأن إخفاء معلومات عن انتشار فايروس كورونا، وذلك خلال زيارته الأخيرة إلى ” إسرائيل” مايو / أيار/2020. وجاء في مقالة دو وي : إن الاتهامات الأمريكية لبكين بالتستر على المعلومات عن فايروس كورونا المستجد باطلة بالمطلق، ثم كيف يمكن القول أن الصين تريد شراء ” إسرائيل”؟
وكان دو وي الحاصل على درجة الماجستير في القانون قد التحق بالدبلوماسية الصينية في وزارة الخارجية منذ العام 1989 وتسلّم أقساماً عديدة لعلاقات بلاده مع الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية السابقة ، وقد شغل منصب سفير الصين في أوكرانيا منذ العام 2016 حتى تعيينه سفيراً لبلاده في ” إسرائيل” وذلك في أوج اجتياح جائحة كورونا (يناير/كانون الثاني /2020).

وجاء هذا الأخذ والرد بين بومبيو ودو وي في ظل علاقات متردّية بين بكين وواشنطن التي شهدت خلال العامين الماضيين منافسة محمومة وصفها البعض بأنها حرب محتمة للسيطرة على المستقبل في جميع الصعد الاقتصادية والتجارية والصناعية والتكنولوجية، ناهيك عن ضرائب فرضتها واشنطن على البضائع الصينية، ردّت عليها بكين بالمثل، وما زاد الطين بلّة، كما يُقال، الاتهامات المتبادلة بشأن جائحة كورونا رافقها أقوال متناقضة لمنظمة الصحة العالمية، WHO وليس ذلك بعيداً عن نظريات المؤامرة الرائجة عن حروب بيولوجية جرثومية وتسرّبات مقصودة أو غير مقصودة، فضلاً عن مطالبة واشنطن بكين دفع تعويضات وهكذا.
وخارج دائرة الصراع الخفي والمعلن واستخدام أنواع القوة الناعمة والحرب النفسية وأشكال الدعاية السوداء، فإن مردودها لم يقتصر على البلدين، بل امتدّ إلى جميع البلدان في العالم شأنها شأن أية قضية اليوم في ظل العولمة والثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي.
*****
وفي هذا الخضم فثمة ما يلفت النظر لما يجري بهدوء بين بكين وتل أبيب سواء من فوق الطاولة أو من تحتها ، خصوصاً في ظلّ أجواء الريبة والحذر المخيّمة على علاقات بكين – واشنطن، حيث تعززت حظوظ بكين في تل أبيب، وهو ما أثار قلق واشنطن، بل وغضبها، وهي الحليف الاستراتيجي لـ “إسرائيل”، ولهذا السبب جاء تصريح بومبيو من تل أبيب والرد الصيني منها أيضا.
فما هو موقفنا كعرب وكدعاة تحرر وتقدم من الحميمية الصينية – الإسرائيلية المتصاعدة ؟ وكيف ينبغي أن تكون مقاربتنا وتعاطينا مع هذا الموضوع؟ وما هي انعكاساته السلبية المباشرة وغير المباشرة على النضال الفلسطيني والعربي والصراع الدائر في المنطقة بين الصهيونية والمشروع الاستعماري الاستيطاني الإجلائي العنصري من جهة وبين جبهة القوى التحررية والتقدمية من جهة أخرى ؟ جدير بالذكر أن “إسرائيل” تمادت في نهجها الاستيطاني التوسعي مستفيدة من توسع علاقاتها الدولية على حساب حقوق ومطالب الشعب العربي الفلسطيني العادلة والمشروعة وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير والعودة وإقامة الدولة وعاصمتها ” القدس الشريف”.

ومع صعود ” التنين الأصفر” توسمنا كعرب خيراً به ، خصوصاً بعد اختلال موازين القوى الدولية على أمل انحيازه لقضايانا بعد أن سادت أجواء القنوط والتشاؤم، عقب غياب الاتحاد السوفييتي وانحلال الكتلة الاشتراكية والنكوص الرسمي العربي، لتشكل معادلاً قوياً أمام دعم واشنطن لـ”إسرائيل”، وربما كان البعض يعوّل على بكين أن تلعب دوراً قريباً من دور الاتحاد السوفيتي السابق إن لم يكن أفضل منه، وذلك لكسر شوكة الولايات المتحدة من جهة، ومن جهة ثانية أنها دولة غير مستعمِرَة ، فما بالك لو حظيت بالفوز في خطة التنمية المستدامة 2030 وأصبحت الدولة الأولى في العالم ، خصوصاً وكانت قد أعلنت بثقة عن مشروع بناء طريق الحرير الجديد ” طريق الحرير والحزام” الذي سيغيّر وجه العالم. وكان العديد منا يحلم أن يسمح له العمر بأن يستقل القطار المتوجه من بكين إلى لندن وبالعكس في رحلة تاريخية عظيمة.