القدس: الضحية الأولى في صفقة القرن

0
32

كتب / أ.د. محسن القزويني…

أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس مساء الثلاثاء؛ ان منظمة التحرير الفلسطينية التي وقعت على اتفاق سلام عام 1993 في حلٍّ من هذا الاتفاق وذلك رداً على اعلان إسرائيل عن مخططٍ لضم المستعمرات التي أنشئت في الضفة الغربية. وكان نتانياهو قد صرح أثناء تنصيب الحكومة أمام الكنيست “ان هذه المناطق هي التي وُلدت فيها الأمة اليهودية وترعرعت وقد حان الوقت لتطبيق القانون الإسرائيلي عليها وكتابة فصل عظيم آخر في سجلات الصهيونية”.

وتشير التقديرات إلى ان الضم سيصل إلى أكثر من 30% من مساحة الضفة الغربية.

وهذا يعني بالقلم العريض ان إسرائيل بدأت بتطبيق صفقة القرن مستغلة انشغال العالم بفيروس كورونا مستفيدة من الانقسام الفلسطيني وأول الضحايا سيكون القدس الشريف.

فكان لابدّ من تضامن فلسطيني وموقف إسلامي مشترك لمنع إسرائيل من تنفيذ هذا المخطط الرهيب مقابل تنازلات كاذبة للدولة الفلسطينية المزعومة.

دولة فلسطينية منزوعة السلاح تتكون تحت الحراب الإسرائيلية وهذا ما تريده إسرائيل.

ولما كان موضوع القدس الشريف يهمنا جميعا فكان علينا نعيد قراءة أوراق الصفقة التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي في 28 كانون الثاني الماضي في لقاء مشترك مع نتانياهو في إطار رؤية للسلام بين اسرائيل والفلسطينيين. فبناءً على هذه الصفقة ستستولي إسرائيل على أكثر أراضي القدس الكبرى المتكونة من عدد كبير من المستعمرات منها مستعمرة معاليه أدوميم ومستعمرة غوش عتصيون ومستعمرات غفعات زئيف وهي مناطق واسعة تمتد لتصل إلى البحر الميت وستقوم إسرائيل أيضاً بربط هذه المستعمرات فيما بينها بضم أراضي فلسطينية أخرى إليها.

وفي المنظار الديني سيتم تهويد القدس بإقرار الوثيقة بأن أكثر الأماكن المقدسة في القدس هي أماكن يهودية فعند مراجعة أوراقها نجد انها أحصت 31 موقعاً مقدساً في القدس 17 موقعا للمسيحيين و13 موقعا لليهود وموقع واحد فقط للمسلمين وحتى الحرم القدسي في نظر وثيقة الصفقة هو مكان مشترك بين اليهود والمسلمين وهكذا تجاهلت الصفقة وجود 40 مسجدا تاريخاً وتاريخا من الجهاد الاسلامي على مدى عدة قرون.

أما المقدسيون المتبقون في الأراضي الإسرائيلية وبعد تقسيمهم إلى فلسطينيين خاضعين للسلطة الفلسطينية وفلسطينيين خاضعين للسلطة الإسرائيلية والذين يتراوح عددهم بين 144 الفا إلى 164 الفا فلسطيني فقد خيرتهم الصفقة بين ثلاثة خيارات أما أن يحصلوا على الجواز الفلسطيني ويخضعوا للسلطات الفلسطينية أو أن يحافظوا على وضعهم الحالي كمقيمين في إسرائيل أو الحصول على الجنسية الإسرائيلية.

وبهذهِ الخطوة ستتمكن إسرائيل من تشتيت الوجود الفلسطيني في القدس حيث انهم سيتحولوا إلى أقلية بعد أن كان عددهم زهاء 284926 نسمة بحسب إحصاءات الجهاز الفلسطيني المركزي لعام 2018 في قبال 225335 مستوطن إسرائيلي مقيم في المناطق التي يقطنها الفلسطينيون.

وفي المنظور الإسرائيلي يعتبر هذا التقسيم مكسب إسرائيلي يحول دون ظهور أية قوة انتخابية فلسطينية في الكنيست الإسرائيلي يمكن لها أن تؤدي دوراً سياسياً في إسرائيل.

أما عن العاصمة الفلسطينية المزمع اقامتها في القدس الشريف فهي تتشكل من ثلاث مناطق أولاً: كفرعقب وسميراميس ومخيم قلنديه وقرية قلنديه القريبة من مدينة رام الله وثانيا: مخيم شعفاط وضاحية السلام ورأس خميس وأجزاء من عناتا القريبة نسبيا لأبو ديس والعيزرية وهي مناطق حسب تقسيمات أوسلو 2 تكون خاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية في الشؤون المدنية و تخضع لإسرائيل عسكرياً وثالثاً :أبو ديس وهذه المناطق منفصلة جغرافياً  وهي ستشكل العاصمة للدولة الفلسطينية لتصبح خاضعة مدنياً للسلطة الفلسطينية وأمنياً للسلطة الإسرائيلية.

أما عن المسجد الأقصى فتتحدث الوثيقة عن أولوية يهودية في هذا المسجد من عهد النبي إبراهيم ومحاولة ذبح ابنه إسحاق “على رأي اليهود” وما تبع ذلك من قيام مملكة داوود قبل ثلاثة آلاف عام ثم قيام الملك سليمان ببناء الهيكل الأول حيث أودع وصاياه العشرة، وبعد تدمير الهيكل مرتين راح اليهود يحيون ذكرى تدميره في التاسع من آب من كل عام مرددين ومنذ ذلك اليوم عبارة (العام القادم في أورشليم) .وأيدت الوثيقة الرواية اليهودية لما يسمى بحائط المبكى (حائط البراق) الأمر الذي سيؤدي إلى سيطرة منظمات الهيكل على المسجد الأقصى بالرغم من أنها تدعو إلى وحدة المكان بين المسلمين واليهود وتدعو الشركات الإسرائيلية والاردنية إلى إقامة رحلات سياحية لزيارة هذا المكان.

وبنظرة شمولية نستخلص من وثيقة الصفقة ان القدس سيكون خضعاً للسلطات الإسرائيلية، وحتى العاصمة المقترح اقامتها للفلسطينيين هي أيضاً ستكون خاضعة للسلطات الإسرائيلية، والأخطر من هذا هو تهويد القدس وجعله مدينة يهودية أكثر من كونه إسلاميا أو مسيحيا وتزداد خطورة هذه الصفقة مع السيطرة الكاملة لإسرائيل على الأقصى حتى ورد في الوثيقة عدم السماح للمسلمين من دخول مسجد الأقصى لدواعي أمنية في بعض الاوقات.

من هنا يتبين لنا ان الهدف الأول من صفقة القرن هو القدس الشريف الذي سيصبح عاصمة لإسرائيل.

فالقدس سيهوّد أولاً وسيفرّغ من سكانه الفلسطينيين ثانياً وسيقطع أوصاله ثالثاً. فهل نحن على الاستعداد للتضحية بأولى القبلتين وثالث الحرمين وهل نحن على استعداد أن نضحي بتاريخ مضرج بدماء الفلسطينيين والمسلمين، تاريخ من الصراع على مدى قرون ولا يزال من أجل القدس.

نقولها للمهرولين وراء الصفقة أنتم حالمون لأنكم تثقون بعدو لا عهد له ولا ذمة.

وأنتم خاسرون لأنكم ستقدمون الأرض والمقدسات والشعب في قبال حفنة من الدراهم تصرف على مشاريع المستفيد الأكبر منها الاسرائليون فقط.