جبهة الغرب (امريكا واسرائيل) وجبهة آسيا (الصين وإيران).. صراع قيم ونفوذ وهيمنة

0
51

كتب / الدكتور جواد الهنداوي…

الاختلاف في العادات والتقاليد والموروثات التاريخية والثقافية والاجتماعية بين الشعوب و الأمم ينتج عنه ايضاً اختلاف في السلوك السياسي للفرد وللمجتمع وللدولة، على صوابٍ  مَنْ قال “الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا”. (قالها الشاعر الإنكليزي روديارد كبلنغ في نهاية القرن التاسع عشر).

الصيني، كمواطن وكمجتمع وكدولة يختلف عن الامريكي، كمواطن وكمجتمع وكدولة في السلوك المدني والسياسي، ايّ في ممارسة حقوقه المدنية والسياسية. كذلك الحال حين نستشهد بمواطن آخر من الشرق ونقارنه بقرينه، في الخلقْ، من الغرب، من حيث السلوك المدني والسياسي.

بين امريكا واسرائيل مشترك الموروث الاستعماري الاحتلالي: قيامهما دولة وكيان كان على تشريد وتهجير شعوب، وينتج عن هذا المشترك تطابق او أوجه شبّه في السلوك السياسي .أين نجد إذاً اوجّه الشبه؟

نجده اولاً في نزعة الحروب والفتن والتآمر وعدم احترام الشرعية و القوانين والقرارات الدولية. اغلب الحروب التي عانيناها في العالم وفي المنطقة، بعد الحرب العالمية الثانية، مصدرها و اطرافها امريكا و اسرائيل. كلاهما لا يقيمان ايّ وزن واعتبار للشرعية الدولية وقرارات مجلس الامن والأمم المتحدة .

نجده ايضاً في نزعة الهيمنة ، ليس بواسطة الدبلوماسية  والنفوذ ، وانما بالسلاح و القوة . ديدن امريكا هو الحفاظ على هيمنتها في العالم  ، و لا تتردد امريكا من اللجوء الى القوة والحرب غير الشرعية و الاعتداء من اجل الحفاظ على هيمنتها و مصالحها التوسعيّة الاستعمارية . كذلك هو مسعى  اسرائيل في بسط هيمنتها على المنطقة ،منطقة الشرق الاوسط ، وتوسعّها جغرافيا وعلى حساب حق وأرض الشعب الفلسطيني و ارض الأردن و ارض و مياه لبنان .

أمريكا واسرائيل احدهما مكمّل للآخر في مشاريع تستهدف أمن واستقرار المنطقة والعالم ، و استقلال وسيادة الدول : مشروع الشرق الاوسط الكبير ،مشروع احتواء ايران ،حرب اليمن ، دعم الإرهاب ، الاعتداء على سوريا ولبنان والعراق ، مشاريع الاستيطان و تصفية القضية الفلسطينية ، التآمر على فنزويلا …

انغماس جبهة الغرب ، و اقصد في جبهة الغرب لأغراض هذا المقال امريكا و اسرائيل ، في شنْ  الحروب  و ممارسة سياسة حصار و تجويع الشعوب هيّأ الظروف كي يشهد العالم جبهة آسيويّة غير رسمية ، حقيقية وليست افتراضية، مؤثّرة و فاعلة على المسرح الدولي ، مختلفة بقيمها عن جبهة الغرب ، وتنافسها على الهيمنة وقيادة العالم و المنطقة  ، الاّ وهي جبهة الصين وإيران: الصين عالمياً و ايران أقليمياً .

جبهة تستمد قوتها من موروثها الحضاري وليس من ماضيها الاستعماري الاحتلالي ، الصين وإيران دول لشعوب عميقة في تأريخها و راسخة في وجودها ، أمتهنت في السياسة الحكمة والصبر الاستراتيجي والتعاون مع الشعوب وليس القوة والاحتلال وحصار و تجويع الشعوب . ما نقوله حقائق ،ليس المراد القذف بامريكا والمديح بالصين ، و  ذِكرْ  بعضها (بعض الحقائق ) ، وَرَدَ على لسان الرئيس الامريكي الأسبق ،جيمي كارتر ، حين كتبَ رسالة الى الرئيس ترامب ، في صيف عام  ٢٠١٩ ،  يبيّن له فيها اسباب تقدّم الصين على امريكا في مشاريع التنمية والتكنولوجيا المتطورة و شبكة السكك الحديدية ، و يسوق له مثالاً عن إنجازات الصين منذ سبعينيات القرن الماضي وعن الحروب التي أوقدتها وخاضتها امريكا في العالم وحجم الإنفاق العسكري خلال تلك  الفترة .

استطاعت الصين ان تنافس امريكا و تتقدم عليها اقتصادياً وبنسبة نمو سنوي متفوق باضعاف على النمو الاقتصادي الامريكي ، و أصبحَ للصين نفوذاً دولياً من خلال بوابة الاقتصاد و التنمية والتعاون مع الشعوب ، على خلاف امريكا ، حيث انحسار نفوذها ، والذي كسبته من خلال قوتها الاقتصادية و دولارها و قواعدها العسكرية و تخسره الآن بسبب حروبها و تخليها عن الدبلوماسية ، وفرض العقوبات،  وسياسة التهديد والحصار والتجويع .

على خُطى الصين تسيير ايران للحفاظ على نفوذها في منطقة الشرق الاوسط بالتنافس و بالمواجهة مع اسرائيل ، ولكن ليس عن طريق الصبر الاستراتيجي والنمو الاقتصادي (كالصين ) وانما عن طريق الصبر الاستراتيجي و المقاومة : مقاومة الحصار والعقوبات و التهديدات والتدخلات و الاغتيالات و الإرهاب في المنطقة .

مشروع الصين العملاق والمعروف باسم مشروع ” الحزام والطريق ” والمزمع انجازه على انقاض طريق الحرير الصيني القديم ، سيتخذُ من أيران المركز و الممر الأساسي للطريق العالمي في منطقة الشرق الاوسط و منطقة غرب آسيا في النقل و الطاقة ، الامر الذي يدعم و يرّسخ نفوذ ايران في المنطقة ويعزز الجبهة الآسيوية بدولها المتعددة والمؤثرة عالمياً بقوتها الاقتصادية كالهند او بقوتها العسكرية كروسيا. المشروع سيكون على حساب مصلحة امريكا و على حساب مصلحة حلفاء امريكا في المنطقة واقصد اسرائيل و دول مجلس التعاون الخليجي .

اتمام إنجاز هذا المشروع وبموازاة النمو الاقتصادي السنوي الصيني ، والتطور التقني العسكري و التكنلوجي الإيراني  ، و الحضور السياسي والعسكري الروسي في المنطقة والعالم ، كذلك  نجاح منظمة شنغهاي للتعاون و دورها السياسي و الاقتصادي ( منظمة تضّمُ الصين و روسيا و الهند و باكستان و دول آسيوية أخرى و ايران كمراقب ) ، جميعها عوامل تعجّل خسارة  جبهة الغرب ( امريكا و اسرائيل ) اسباب الهيمنة على العالم وعلى المنطقة .

اختتمُ المقال بفرض سؤال : هل تصمدْ و تصمتْ امريكا و حلفاءها ازاء المسار السريع والصاعد للجبهة الآسيوية في امتلاك زمام قيادة العالم ؟