لماذا ترفض الولايات المتحدة مغادرة العراق؟

0
75

كتب / د. خالد رمضان عبد اللطيف…
خلال أقل من شهر، تعرضت أهداف أمريكية عسكرية واقتصادية لثاني هجوم صاروخي في العراق، وإذ تبدو رسالة المهاجمين واضحة للولايات المتحدة: ” ارحلوا عن بلادنا.. حياتكم ومصالحكم مهددة.. سنستمر في استهدافكم”، يبدو السؤال المنطقي هنا: ماذا ستفعل إدارة البيت الأبيض حيال الملف العراقي المتأزم، في ظل ورطتها الداخلية الكارثية والانتقادات الحادة لإدارة ترامب إزاء التعامل مع أزمة تفشي فيروس كورونا؟.
يعد رفض واشنطن تخفيف العقوبات على طهران خلال أزمة وباء كورونا، أحد الأسباب الأساسية للتصعيد ضد الأمريكيين في العراق، ومن الواضح أن الرغبة الإيرانية بخروج القوات الأمريكية من العراق ليست موقفًا تكتيكيًّا مؤقتًا، إذ تعتبره إيران مجرد مقدمة لإنهاء الوجود الأمريكي في المنطقة بكاملها، وتحقيق هذا الهدف يعد رداً مناسباً على مقتل الجنرال الإيراني الأهم قاسم سليماني.
أمام هذا الاختناق الاستراتيجي هناك ثلاثة سيناريوهات لسبل التصعيد في العراق، الأول: انسحاب القوات الأمريكية بالكامل من العراق، والثاني: تخلي إيران عن نفوذها وأذرعها في العراق والانشغال بترتيب أوضاعها الداخلية، والخيار الثالث: تصعيد عسكري مفتوح مرتبط بمتغيرات سياسية حادة وعنيفة، وهذا الخيار هو الأقرب للتصور، استناداً للمعطيات الراهنة.
تصر الولايات المتحدة على البقاء في العراق، مهما كلفها ذلك من ثمن باهظ، رافضة دعوات متكررة للحكومة العراقية بضرورة المغادرة تنفيذاً لتوصية البرلمان العراقي، قائلة إنها لن تناقش انسحاب قواتها لأن وجودها في العراق “مناسب” في ظل الشراكة العسكرية والاقتصادية بين الطرفين، الأمر الذي يطرح سؤالاً عريضاً حول سبب الإصرار الأمريكي على عدم مغادرة العراق، رغم أنها باتت ضيفاً ثقيلاً يثير المشاكل برأي جزء لا يستهان به من الشارع العراقي؟.
لكي نفهم العقلية الأمريكية، ينبغي أن ننظر في “الدوافع الاستعمارية” التي تجعل واشنطن تؤكد أن بقاءها أفضل للعراق وللشرق الأوسط، إذ ترى في ذلك ضرورة عسكرية ملحة، مهما كانت متواضعة، للتصدي لتنظيم داعش بشكل نهائي، معتبرة أن انسحاب قواتها المنخرطة في العمليات المحلية ضد التنظيم، سيشكّل ضربة كبيرة للحرب على “الإرهاب”، فحتى بعد أن خسر التنظيم آخر معاقله في آذار(مارس) 2019، إلا أنه كان لا يزال قادراً على تنفيذ عشرات العمليات داخل العراق خلال العام الماضي.
يعتقد المسؤولون الأمريكيون أن رحيل جنود أقوى دولة عسكرية في العالم سيرفع من وتيرة الهجمات في غياب الضغط العسكري الذي تمارسه القوات الأمريكية، إذ تقدّر الأمم المتحدة أن التنظيم الراديكالي لا يزال يملك احتياطاً مالياً تصل قيمته إلى 300 مليون دولار، بينما يشير الأكراد إلى أن التنظيم أعاد رصّ صفوفه سراً في العراق متجهّزاً بـ “تقنيات وأساليب أفضل”.
في ذات السياق، تريد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حرمان إيران والحشد الشعبي الموالي لها، من الاستفادة من مقتل الجنرال “الأهم” في إيران قاسم سليماني عبر توسيع النفوذ وتحقيق انتصار سياسي بطرد القوات الأمريكية من العراق، ما يعني أن موت سليماني حقق لإيران ما حاولت دون جدوى تحقيقه في حياته، وسيكون هذا الأمر أكبر بكثير من مجرد فشل رمزي ومعنوي، بل سيكون هزيمة سياسية كبيرة لواشنطن، وانتصاراً لإيران، أما إذا حافظ الأمريكيون على ثباتهم في العراق، فسيؤكدون فشل ملحمة سليماني، ما سيؤدي لاحقا، وفقاً للراوية الأمريكية، إلى تآكل مكانة طهران الدولية وتعزيز مكانة واشنطن في المقابل.
تزعم الولايات المتحدة أنها تسعى إلى تجنيب العراق المزيد من التدخلات والويلات الإيرانية، خاصة وأن هناك تململاً لا تخطأه العين من سطوة النفوذ الإيراني، الذي جعل من بغداد ساحة خلفية لطهران؛ وهذا ما تجلى في التظاهرات العراقية التي سبقت عملية اغتيال سليماني ورفاقه، في المقابل، ترتكن الولايات المتحدة على مبررات تؤكد أن غالبية الشعب العراقي تطالب بضرورة بقاء قواتها العسكرية، وتدلل على ذلك بمقاطعة نصف أعضاء البرلمان العراقي بالكامل لجلسة الخامس من كانون الثاني (يناير) والتي عقدت للتصويت على إخراج القوات الأمريكية،؛ وبالإضافة إلى ذلك، الدعم الحكومي الواسع الذي تلقاه، حيث أصدر الرئيس العراقي برهم صالح بياناً أشار فيه إلى أن “الولايات المتحدة حليفتنا وإيران جارتنا”؛ بينما تعهدت حكومة إقليم كردستان بالتعاون مع الولايات المتحدة.

تدرك واشنطن أهمية العراق الجيوستراتيجية في منطقة الخليج والشرق الأوسط، فهي ثاني أكبر مصدر للنفط في منظمة أوبك، وبناء عليه، فإذا بقي الوجود الأمريكي على ما هو عليه، فستجني الولايات المتحدة فوائد اقتصادية كبيرة، وإذا غادرت فستزداد فعلياً سيطرة إيران على موارد النفط الهائلة، وبالتالي يسهل الالتفاف على العقوبات الأمريكية، وقد بات من الواضح أن تنافسهما العلني على ربح ورقة السيطرة على العراق لم يعد قابلًا للتوفيق والحلول الوسط.