الولايات المتّحدّة والصّين: صراعٌ على القمّة من ويكيليك إلى فيروس ليك

0
99

كتب / الدّكتور وائل عوّاد..

دعونا نتَّفقُ هنا أنّ الحرب البيولوجيّة بين الدّولِ مستمرّةٌ قبل حقبة فيروس  كورونا (كوفيد-19)، وإن كنّا نستبعدُ نظرية المؤامرةِ، بيد أنّهُ يجدرُ التّنويهُ هنا إلى أنّ النشاطاتِ المخبريّةَ لبرامج إنتاج فيروساتٍ قاتلةٍ مستمرّةٌ داخلَ المخابرِ السرّيّةِ للدُّولِ، وأنَّ العديدَ منها مازالت تملكُ الكثيرَ من الأسلحةِ البيولوجيّةِ الفتّاكةِ، ومن بين هذه الدُّولِ الرّئيسيّةِ تبرزُ الولاياتُ المتّحدةُ الامريكيّةُ والصّين وروسيا وفرنسا وبريطانيا واسرائيل، إذ تمتلكُ هذه الدّولُ خزائنَ ضخمةً من الفيروسات التي ستقضي علينا جميعاً. لقد وُجِّهت الاتّهاماتُ إلى الصّين في تسرّب هذا الفيروس  من مخابرها في ووهان (معهد ووهان البيولوجيّ) وذلك قبلَ التّوصُّلِ إلى لقاحٍ للوقايةِ منه وعلاجهِ وهذا هو سببُ انتشارُ الفيروس في العالمِ.

يتطلّبُ التّوصُّلُ إلى علاجٍ عدداً من المتطوّعين من البشرِ أو السّجناء لتطعيمهم بالفيروس الحيِّ وعزلهم وإجراء التّجارب المخبريّةِ عليهم لكشفِ مدى تأثير الفيروسِ ومراحل التّعافي منه، وقد يموتُ  المتطوّعُ أو يتعافى من الفيروس. وتنفقُ هذهِ الدُّولُ ملياراتٍ من الدّولارات لإنتاج  السّلاح  البيولوجيّ في هذه المختبراتِ السرّيّةِ، كما تُنفقُ الملياراتِ أيضاً للتجسُّسِ على بعضِها البعضِ بغيةَ الحصولِ على وثائقَ وسرقةِ معلوماتٍ عمَّا توصّلت إليه كلُّ دولةٍ في أبحاثها البيولوجيّة .

و تفاعلت وسائلُ التّواصل الاجتماعيِّ، وزادت حدَّةُ الجدالِ حولَ خلفيّات الفيروس ومصدرِهِ وأسبابهِ،  ومنهم من حمّلَ الصّينَ المسؤوليّةَ وردّدَ ما أطلقهُ الرئيسُ الأمريكيُّ – دونالد ترامب – بأنّ الفيروسَ صينيٌّ (ووهانيٌّ)، وأنّها المسؤولةُ عن نشره إلى العالمِ و الولايات المتّحدةِ بشكلٍ خاصٍّ إذ إنّها تقفُ، على حدّ زعمهِ، وراءَ تفشّي الوباء في منطقةِ ووهان الصينيّة الصناعيّة في  البداية،  قبل أن ينتشر سريعاً إلى جميع دول العالم ليصبح وباءً عالميّاً. ووقعت عدّةُ أعمال عنفٍ وتفشَّت العنصريّةُ ضدَّ الصّينيّين في بدايةِ الأمرِ في أكثر من دولةٍ في العالمِ، لكن سرعانَ ما بدأ الوباءُ ينتقلُ من بلدٍ الى آخرَ ليتحوَّلَ المركزُ إلى أوروبا التي أصبحت المصدرَ الرئيسيَّ لهذا الوباء، ومن ثمَّ إلى الولاياتِ المتحدّةِ التي سجَّلت أعلى نسبةً من الإصاباتِ خلالَ فترةٍ زمنيّةٍ وجيزةٍ.

ماذا فعل الرّئيس ترامب قبل تفشّي الفيروس؟

اتّخذَ  الرّئيسُ الأمريكيُّ  – دونالد ترامب – سلسلةً من الإجراءاتِ التي انعكست سلباً على قطّاعِ الصحّةِ في البلاد منذ عام 2018 على  الرّغمِ من التّحذيرات التي أطلقها دينيس كوفمان الذي كان يترأّسُ إدارةَ الأمراض المعديةِ بين عاميّ 2014 و 2017، وتحدّثَ دينيس عن مخاطر تفشّي فيروس كورونا لسنينَ؛ كذلك جاءت تحذيراتُ البنتاغون للبيت الأبيض، والتي تعود لعام 2017 ، كما تشير التقارير، بأنّ ثمّةَ خطرٌ من”العدوّ” باستهدافِ أمريكا بوباءٍ يضربُ الجهاز التنفسيّ بينما تعاني البلادُ من  نقصٍ حادٍّ في الأسرّةِ وأجهزة التّنفُّسِ الاصطناعيّ والكمَّاماتِ وغيرِها من المواد الطبيّةِ اللّازمةِ.

وعندما تعرّضت الولاياتُ المتحدّةُ لفيروس كورونا قلّلت  إدارة الرئيس دونالد ترامب من مخاطرِ الفيروس وانتشاره واستخفّوا بهِ إلى أن وقعتِ الكارثة، وبدأ الرّئيسُ الأمريكيُّ باتّخاذِ خطواتٍ عاجلةٍ للحدِّ من انتشارهِ. واستنجدَ الرّئيسُ الأمريكيُّ – دونالد ترامب – بنظيريه (صديقيه) الرّوسيّ والصينيّ لإرسالِ معوناتٍ طبيّةٍ ومعدّاتٍ إلى الولاياتِ المتحدّةِ لمواجهةِ الكارثةِ التي تعصفُ بالولاياتِ المتّحدةِ وسطَ سخطٍ شعبيٍّ من إدارتهِ للأزمةِ وتحميلِهِ المسؤوليّة المباشرة لتفشّي الفيروس في الولايات المتّحدة وفشله الذّريع في احتوائه والحدّ من انتشارهِ، فقد قام عام 2018 بإقالة توماس بوسيرت(Thomas Bossert)  مستشار الأمن القوميّ للأوبئة العالميّة  ومحاربة الارهاب ولم يستبدله بأحدٍ، وكذلك قدّمَت د. لوسيانو بوريو – مديرة المجلس الوطنيّ الأمنيّ للدّفاع الطبيّ والبيولوجيّ استقالتها من منصبها ، وتمّت إقالة الأدميرال  الخلفي تيموثي زيمر(Rear Adm. Timothy Ziemer ) – كبير مدراء مجلس الأمن القوميّ للصّحة العالميّة والاستعداد الأمنيّ، عدا عن تخفيض مخصّصات التّجارب المخبريّة للأوبئة والأمراض المتفشيّة .

هل الفيروسُ مصنَّعٌ مخبريّاً؟

على الرّغم من أنَّ هذا الفيروس لا يعرفُ الحدودَ ولا البعدَ الجغرافيَّ في انتقاله من بلدٍ إلى آخر، كانت الصّين من أوائل الدّول التي أُصيبت به، وبعد أن تمكّنت من احتوائه، أخذت تحاولُ إعادةَ  فتح المقاطعةِ المنكوبةِ في محاولةٍ منها لإعادةِ إحياء القطّاع الصناعيّ هناكَ وسطَ مخاوفَ من موجةٍ ثانيةٍ من انتشارِ الفيروس الذي سيهدِّدُ الملايينَ من سكان المنطقة في حال حدثَ ذلكَ.

يعودُ الاهتمام العالميُّ بمنطقة ووهان، التي جذبت أنظارَ العالم بعد تفشّي الفيروس، إلى وجود معهد ووهان لعلم الفيروسات، والذي تعتبرهُ الولايات المتحدّةُ والدّولُ الغربيّةُ مركزَ الأبحاث الصينيّ للأسلحة البيولوجيّة ، بالاضافة إلى معهد العلوم الطبيّة العسكريّة والدّفاع الصينيّ ومعهد علم الأحياء المجهريّة والأوبئة في بكين.

انتشرت عدّةُ تقاريرَ وأخبارٍ من  كاليفورنيا في الولايات المتّحدة تفيدُ بأنَّ طبيباً أمريكيّاً عالماً في المخابر قامَ بنقلِ العدوى لزوجته وأطفاله، عن طريق الخطأ، وماتوا جميعاً بسبب الفيروس، وأخفت  الولاياتُ المتّحدةُ تفاصيلَ الحادثةِ. وذهب البعضُ للحديث عن تطوير الفيروس مخبريّاً بتعاونٍ  صينيٍّ – فرنسيٍّ في  مدينة ووهان للتوصُّل إلى لقاحٍ لكسب المال.

كما جذبت أنظارَ العالم تقاريرُ عن اختفاء عددٍ من العلماء الصّينيّين العاملين في مركز الأبحاث البيولوجيّةِ في ووهان. وبدأت العديدُ من التّقاريرِ تشيرُ إلى أنَّ الصين كانت تحاولُ تطوير متلازمة فيروسات الجهاز التنفسيّ الحادّة الوخيمة (سارس) داخل المخابر في المعهد البيولوجيّ، وأنّ العلماءَ الصّينيّين نجحوا في تجميع فيروس سارس الذي يصيب  الخفافيش مع فيروسٍ يستوطن  الفئران، وبإمكان هذا الفيروس الهجين أن يعيشَ في مضيفٍ بشريٍّ وأن يتكاثرَ ويصيبَ الخلايا البشريّة. ولكي تُبعدَ الصّين الشّبهات عنها، روّجت لفيديوهات حول العاداتِ عند  الصّينيّين في تناول الأطعمة وأنّهم، أي الصينيّين، يأكلونَ كلَّ شيءٍ حيٍّ. ودعمت وجهةُ النّظرهذه  وفاةَ الطّبيب لي وينك ليانغ، وهو أوّل طبيبٍ  في المعهد أُصيبَ بهذا الفيروس و أخبرَ زملاءهُ حول احتمال انتشار الفيروس الذي يشبه فيروس سارس وأنّه خطيرٌ للغاية وقاتلٌ ومعدٍ. وتمَّ إلقاءُ  القبضِ عليه على الفور مع سبعة أطبّاء آخرين بتهمه الخيانةِ العظمى، وتُوفّيَ الطبيبُ لي في 7-2- 2020  متاثراً بمرض  فيروس كورونا (كوفيد-19)، ومن هنا تمّ توجيه سيلٍ من الاتّهامات ضدَّ بكين بأنّها تخفي الحقائقَ عن العدوى وتخفي عدد الضحايا منه، وأنّ بكّين تتحمّلُ مسؤوليّةَ انتشار الفيروس، في محاولةٍ من قادة هذه الدول، إخفاء الحقيقة المرّة عن فشلهم الذّريع في حماية شعوبهم وتوفير العناية الطبيّة اللّازمة لمواجهة الوباء الجديد .

تؤكّدُ الأبحاثُ العلميّةُ أنّهُ من الصَّعب جدّاً تطويرُ الفيروس كورونا مخبريّاً. وفي  سلسلةٍ من الأبحاث  نشرتها  مديكل نيتشر((nature.com، أرجو من الجميع قراءتها، أشيرَ الى أنّه من غير المحتمل ان يكون فيروس سارس-2 قد تمّ تطويره جينيّاً  من خلال المعالجات المخبريّة للفيروس التاجيّ الشبيه بالسارس كو 5 من خلال التّلاعب الجينيّ، وأنّ هناك إمكانيّةٌ في أن يكون قد تمَّ استخدامُ أنظمةٍ جينيّةٍ عكسيّةٍ متاحةٍ لفيروساتٍ تاجيّةٍ من بينها كوفيد-19. وتثبتُ  الدّراساتُ العلميّةُ والبيانات الجينيّةُ أنَّ فيروس سارس -5 غير مشتقٍّ من أيٍّ من العمود الفقري للفيروسات المستخدمة سابقاً، وثمّةَ احتمالان لانتقاله وانتقائه الطبيعيّ لمضيفٍ حيوانيٍّ قبل نقله إلى الحيوانات الثديّة (الثديّات) والانتقاء الطبيعي عند البشر بعد انتقال الأمراض الحيوانيّة (سارس كو2).

واتّهمت وسائلُ الإعلام الغربيّة الصينَ بالتّرويج في وسائل الإعلام لمئات الفيديوهات التي تُظهرُ العاداتِ الصينيّةَ  في تناول الخفافيش والكلاب والجرذان والخنازير وكلّ كائنٍ حيٍّ لإبعاد الشّبهات عن  الأبحاث الجارية في معهد علم الميكروبات المجهريّة. وكما هي العادة في الفيديوهات المروّجة، فقد خرج الطبيب لي إلى سوق السّمك لشراء حاجيّاته وهو يرتدي معطفه المخبريّ ولامس كلَّ شيءٍ في طريقه وأخذ حاجيّاته من الأسماك والخفافيش وعاد أدراجه ومات بعدها متاثّراً بإصابته بالفيروس!

ويتخوّفُ العالم اليومَ من مغبّة انتشارِ فيروسٍ جديدٍ سوف يضرب العالم  عن طريق الجرذان. ويُعتَقدُ أنّ السببَ الرّئيسيَّ لعدم اعتراف الحكومة الصينيّة بالمسؤولية عن انتشار الفيروس هو الخوفُ، في حال قيامها بذلك، من أن يؤدّيَ ذلكَ إلى سقوط الحزب الشيوعيّ الحاكم .

ومن دواعي السّخرية ، أنّ هناك من يبرّر إبقاء العقوبات الاقتصاديّة على العديد من الدول مثل فنزويلا وكوبا وإيران وسورية  وكوريا الشّماليّة وحتى الصين وروسيا قبل أن تنصاعَ للضغوط الأمريكيّة وترضخ لمطالبها، فقد اتُّهمت هذه الدّول “اللّا ديمقراطيّة” بإخفاء الحقائق  حول حجم الإصابات بالفيروس وبأنّها تتذرّعُ بالنّقص الحادّ في قطّاع الصّحّة بسبب العقوبات الاقتصاديّة المفروضة عليها.

نظامٌ عالميٌّ علمانيٌّ ديمقراطيٌّ اشتراكيٌّ جديدٌ

من المستهجن ان يتمَّ تسييسُ قضيّةً تواجهُ الإنسانيّة وتقضي على المئات من جراء هذا الوباء، بدلاً من التّعاون العالميّ بين الأطبّاء والعلماء والباحثين للكشف عن لقاحٍ يقضي على الوباء وينقذ أرواح البشر منهُ.

إنّها مسؤوليّة الدّول العظمى في قيادة العالم، وليس المصرفيّين وحفنةً من اصحاب رؤوس الأموال، ومنع الخلافات السياسة من تقصيرها في خدمة شعوبها لإنقاذها عوضاً عن تحقيق مكاسب سياسيّةٍ لخدمة مآربها؛ والمطلوب الآن تبادل المعلومات العلمية حول الفيروس وما توصّلت إليه كل دولة وليس المهاترات السياسيّة.

وتزداد مخاوفُ المجتمع الدوليّ من اندلاع حرب عالميّةٍ جديدة نوويةٍ في حال فشلت  الدّول العظمى  في التوصّل إلى تفاهمٍ حول إعادة هيكلة النظام العالميّ الجديد، وهذا قد يدفع الإمبراطوريّات المنهارة إلى افتعال حربٍ نوويّةٍ، كما تفعل العقرب عند محاصرتها بالنيران، إذ تقوم بقتل نفسها. وهذه الامبراطوريّة المنهارة تفتعل الحرب بأسلحة الدّمار الشامل لتدمّر كوكب الأرض  ومن عليه ،على مبدأ عليّ وعلى أعدائي.

ولحين اكتشاف اللّقاح أو العلاج، فإنّ الوقاية الوحيدة المتوفرة لنا نحن بني البشر هو الالتزام في منازلنا والتّباعد الاجتماعي الجسديّ مؤقّتاً حتّى تحلّ رحمةُ الله على البلاد والعباد.