المقاومة والمقاومة فالمقاومة: انها قاهرة الامبراطوريات وصانعة المعجزات..          

0
67

كتب /  د. عبد الحي زلوم…

أعلن المحافظون الجدد في الولايات المتحدة بأن القرن الواحد والعشرين سيكون القرن الأمريكي الجديد وذلك بتكريس الأحادية القطبية الأمريكية ، وكذلك ‏الاستيلاء على مصادر الطاقة ليس فقط لتأمين حاجة  الولايات المتحدة منها بل أيضا للتحكم بمن يستطيع أن يستوردها ومن لا يستطيع . ‏بدأت الولايات المتحدة  بما أسمته الحروب الاستباقية. خرج بوش الأصغر بمبدئه  والذي قال فيه انه على العالم أن يقبل الهيمنة الأمريكية وطريقتها في الحياة ، أي الرأسمالية ، فإما أن تكون  معها او ضدها  وعندئذ سيتم إقناعك بواسطة صواريخ الكروز المحملة باليورانيوم  المخصب بحروب ستشنها الولايات المتحدة بموافقة الأمم المتحدة ان أمكن ، او بدونها  . ‏ ‏فإن امبراطور العصر لا يحتاج إلى إذن من احد. كان الهدف كما أعلنه البنتاغون الهيمنة على العالم  وكان اسم المشروع الذي اطلقه   (طيف الهيمنة الكامل – Full spectrum dominance).

‏بدأ شمشون الجبار حروبه بغزوه أفغانستان ، وانتهت الحرب قبل أن تبدأ بواسطة سلاح الطيران والصواريخ الموجهة ، ولم تحتاج الولايات المتحدة إلّا إلى بضع مئات من القوات الخاصة . ‏ظنت الولايات المتحدة  انه قد  قضي الأمر . فهي تحارب ميليشيا من القرن التاسع عشر  ‏غرفة عمليات قائدها الملا عمر كان من على ظهر دراجته النارية (الموتر سيكل). ‏شجع ذلك المحافظون الجدد بالتحضير إلى غزو العراق . ‏كان العراق ينتج ما بين اثنين ونص إلى 3 مليون برميل يوميا من 18 حقل احتياطيهم بحدود 110 مليار  برميل . إلا أن العراق يحتوي على 82 حقل مُثبت ‏، ومن الممكن ان تم استغلال جميع الحقول أن يصل احتياطي  العراق  ليساوي  احتياط السعودية أو أكثر .  فهذا صيد ثمين كان  تلعَب له لُعاب شركات النفط الأمريكية. ‏لكنهم قالوا أنهم جاءوا للعراق من أجل  نشر الديمقراطية بواسطة  عساكرهم وحلفائهم . ‏كانت المعارك شبه نزهة ‏وتم احتلال العراق وما لبث جورج دبليو بوش إلى أن أعلن أن المهمة قد أنجزت ‏وذلك بعد أسابيع قليلة من احتلال بغداد .

‏اليوم وبعد 19 سنة من غزو أفغانستان أصبحت تلك الحرب أطول الحروب الأمريكية في تاريخ الولايات المتحدة، وبعد 17 سنة من احتلال بغداد مازالت المقاومة  العراقية مستمرة  ‏لتصبح ثاني أطول حرب أمريكية بالتاريخ الامريكي. ‏الكاتبة الهندية المبدعة أرونداتي روي وصفت الديمقراطية الامريكية بأنها (‏ديمقراطية سريعة الذوبان / اشترِ واحدة وخُذ الأخرى بالمجان Instant/Mix Democracy , buy one and get one free).

‏(ORHA) ارسل مكتب الى البنتاغون بناء على طلبه قائمة بأسماء المؤسسات التي يجب ان يحميها الجيش الامريكي عند احتلال العراق . كانت القائمة تتألف من 12 منشأة  اخر منشأة فيها كانت وزارة النفط العراقية .  بعد احتلال بغداد كانت وزارة النفط هي المنشأة الوحيدة التي تم حمايتها ، ومع ان متحف بغداد المشهور عالميا كان الرقم الثاني في القائمة الا انه قد تم نهبه وتدميره . تتهكم  الكاتبة الهندية وتقول انه ربما كانت القوات الغازية تظن ان القوائم تقرأ في العالم الاسلامي من الاسفل الى الاعلى .

كتب سنة 2008 البروفيسور جوزيف ستيغلز (Joseph Stiglitz) كتابا بعنوان (الكلفة الحقيقية للحرب على العراق ) ومن المهم ان نبين ان الكاتب  هو استاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا وكان كبير اقتصاديي البنك الدولي وحصل على جائزة نوبل للاقتصاد سنة 2001 . أقول ذلك لأبين المصداقية العلمية والبحثية التي يتمتع بها هذا الكاتب والكتاب .  دعني اورد بعض النقاط الهامة مقتبسة من هذا الكتاب الهام: “يقول الكاتب بأن ادارة الرئيس جورج بوش قد طردت  كبير مستشاريه الاقتصاديين لاري ليندسي Larry Lindsey  لانه صرح ان كلفة الحرب على العراق ستكون ما بين 100 الى 200 مليار دولار . قال وزير الدفاع غاضبا  ان تصريح  ليندسي هراء لان تقديرنا لكلفة الحرب  على العراق هي ما بين 50-60مليار دولار . لكن الابحاث التي اجراها البروفيسور بينت ان الكلفة الحقيقية المباشرة وغير المباشرة تزيد عن 3  الاف مليار دولار حتى تاريخ صدور الكتاب سنة 2008 .

للوصول إلى الحقيقة يقول المؤلف أنه اضطر إلى اللجوء إلى قانون حرية الحصول على المعلومات ( the Freedom of Information Act ) ‏سعيا للحقيقة، فمثلاً كان أحد المواقع الالكترونية الحكومية متخصصا في اعداد الجرحى في الحرب العراقية. ‏وبعد حصوله على المعلومات السرية بموجب القانون المذكور تبين ان عدد الجرحى كان ضعف الأرقام المذكورة  على الموقع الحكومي.

 

عند استعمال القانون المذكور للكشف عن نسبة الجرحى الى القتلى في العراق والتي تكون عادة فيما سبق من حروب بحدود2:1 اي جريحين مقابل كل قتيل ، لكن في هذه الحرب يذكر الموقع ان النسبة هي اعلى وكانت 7جرحى مقابل القتيل الواحد. لكن وجد المؤلف بعد بحثه ان النسبة الحقيقية هي 15 جريح مقابل قتيل واحد . وقال ان العدد الهائل من الجرحى تكون كلفته باهظة جداً.

يقول الكاتب بدلا من 50 مليار دولار كلفة الحرب على العراق كاملة كما اعلنت وزارة الدفاع كانت الكلفة الحقيقية 50 مليار دولار كل 3 اسابيع على طول أيام الحرب .

وعلى سبيل المثال ولبيان الكلفة اللاحقة لحرب غزو العراق بيّن المؤلف ان حرب الخليج الاولى والتي لم تدم اكثر من شهر ‏ ، والتي ظن الامريكيون انها كانت بالمجان ، وان حكومتي السعودية والكويت قد دفعتا فاتورتها كاملة الا ان الحقيقة هي غير ذلك . ‏فالولايات المتحدة تدفع  اليوم أربع مليارات دولار سنويا تحت بند الإعاقة للجنود الذين حاربوا في تلك الحرب القصيرة .كذلك فإن   ‏39% من هؤلاء اصبحوا يستحقون  رواتب إعاقة‏.

‏حتى تاريخ كتابة الكتاب ،كانت كلفة رواتب الإعاقة لجنود ‏حرب غزو العراق 12 مليار دولار شهريا وأكرر  شهريا ، وكذلك كانت رواتب الإعاقة لمحاربي أفغانستان حتى سنة 2008 أيضا هي 4 ‏مليارات دولار  شهريا.

‏ يقول المؤلف انه أثناء بحثه لهذا الكتاب كان يجد  فضيحة  بعد اخرى كل ‏بضعة أيام وبعد البحث يتبين ان تلك الفضائح  كانت صحيحة‏.

‏يقول الكاتب، لكي نبين الحقائق بوضوح فقد مرّ على هذه الحرب يوم 17 مارس 2008 خمس سنوات وبذلك اصبحت ‏ثاني أطول الحروب في التاريخ الأمريكي، ‏وهي ‏ثاني اكثر حرب كلفة في التاريخ الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية في ما يتعلق بالكلف المباشرة وغير المباشرة.

دخل 700 الف جندي امريكي وخرجوا على فترات كان يقضي كل فوج ما بين 3-6شهور مع أن اقصى عدد في آن واحد وصل الى 150 الفا ً. قام 260 الف من هؤلاء الجنود بمراجعة المستشفيات العسكرية في الولايات المتحدة وتبين ان 100 الف منهم  تم تشخيصهم بأنهم مصابون  بأمراض نفسية عميقة ‏وحرجة وأن 52  الف منهم مصابون بمرض PTSD).

***

نذالة النظام الراسمالي الأمريكي المتوحش اللاإنساني يتجلى في ديموقراطيته (سريعة الذوبان) والتي يرى المحافظون الجدد بأنها صالحة لكل زمان ومكان: قبل الحرب انشئ اصحاب الشركات الكبرى  تحالفا  لاجل تغيير النظام  في العراق . وفي الوقت الذي استشهد مئات الالاف من الابرياء العراقيين  وقتل وجرح عشرات الالاف  من جنود فقراء  الشعب الامريكي  ، جاء  تجار  الحروب بشركاتهم الى العراق بعد الغزو . وحسب ما جاء في جريدة فاينانشال تايمززادت إيرادات شركة هاليبرتون (Halliburton) بعد سنة من الغزو الأمريكي للعراق ( أي ما بين الربع الأول لسنة 2003 ، والربع الأول لسنة 2004) بـ 80% . أما شركة بكتل (Bechtel) والتي عهد إليها الكثير من مشاريع إعادة إعمار العراق؛ فزادت إيراداتها في الفترة نفسها بـ 158%. أما شركة شيفرون تكسكسو للبترول (Chevron Texaco) والتي عهد إليها بيع إنتاج العراق من البترول، فزادت أرباحها بـ 90% خلال النصف الأول لسنة 2004 مقارنة مع الفترة نفسها لسنة 2003. أما أكبر شركات السلاح في الولايات المتحدة (Lockheed Martin) فلقد تضاعفت أسعار أسهمها ثلاث مرات.

***

المقاومة في لبنان:

كانت دولة الاغتصاب تستهزء بلبنان  حيث قال أحد رؤساء وزرائها ضاحكًا:” نستطيع أن نحتل  لبنان بواسطة فرقة جيشنا الموسيقية ” .واليوم ‏بعد أن حققت المقاومة اول انسحاب غير مشروط للاحتلال الصهيوني من دولة عربية حقق لبنان أول انتصار عسكري بعد حرب استمرت  33 يوما وليس ست ساعات تم خلالها هزيمة ‏ ثلاثة جيوش عربية على صدور جنرالاتها النياشين ، وحققت المقاومة معادلة ردع يحسب لها العدو الف  حساب، واليوم وحينما هددت المقاومة بالرد على اغتيال ‏بعض مقاوميها انسحب جيش  العدو عشر كيلومترات من الحدود  و أصبحت الفرقة  الموسيقية لحزب الله تستطيع أن تحتل العديد من مستوطنات العدو.

دعنا هنا نصل الـى نتيجة هامة. نحن لسنا بحاجة الى جيوش نظامية ولا الى طائرات ودبابات لا تصلح الا الـى الاستعراضات العسكرية وتنهك بأملاك ميزانيات الدولة  .  ما نحتاجه اولاً هو ارادة التغيير، وثانياً اعتماد حروب المقاومة والجيوش الشعبية والتسليح المناسب لهذا النوع من الحروب . أما بقية افراد الجيش فيمكن استعمالهم في التنمية الاقتصادية كبناء البنية التحتية بل وروافد الاقتصاد الاخرى  واستحضر هنا  مثلا من تجربتي  مع الصين.

‏ ‏في العقد الأول من هذا القرن عملت شركتي الاستشارية مستشارا لبعض المشاريع النفطية المملوكة من شركة البترول الوطنية الصينية الحكومية  (CNPC)، فوجئت حين قاموا بتعيين فرق الإنشاء للمشاريع النفطية بأن التنظيم الاداري لتلك الفرق كان يشبه التنظيم الاداري للجيوش، وعندما سألت كيف تم ذلك (تم تعيين جنرال في الجيش لادارتها وتم بناء CNPC) أجابوني بأنه بعد ثورة التحرير الشعبية وانشاء شركة  تنظيماتها على اسس عسكرية وباستخدام واعادة تأهيل الفرق العسكرية التي خاضت حرب التحرير، هذا الاسلوب يحول الجيوش الى خانة الايرادات بدلا من خانة المصاريف والمدفوعات، فجيوش ‏سايكس بيكو التي أنشأها  الاستعمار لحماية الوظائف التي انيطت لأنظمة دول سايكس بيكو لا للدفاع لحماية الاوطان  كما اثبتت الحروب الواحدة بعد الاخرى .افراد جيوشنا هي من الشعب والى الشعب وعندما تتغير عقيدتها العسكرية واعادة هيكلتها فستتفجر طاقاتها.

***

وفي فلسطين:

ما فعلته المقاومة في غزة والتي جعل منها حصار الاشقاء الانداء قبل الاعداء  بالتنسيق مع الاعداء وجعلوا منها سجناً  كبيراً بلا ماء ولا هواء نظيفين ولا كهرباء ولا حتى ‏الا القليل من الغذاء، وبالرغم من ذلك صمدت ضد هجمات الجيش الذي هزم 3 جيوش عربية في 6 ساعات صمدت اكثر من 50 يوما، وطورت اكثر اسلحتها بنفسها بما في ذلك الصواريخ التي خلقت حالة ردع لم تستطع دول الطوق بجيوشها الجبارة من تحقيقها. ولم تزدها الشدة الا شدة وتصميمًا.

طريق التحرير واضح: إنه المقاومة والمقاومة والمقاومة.

***

وماذا ما بعد كورونا:

‏يقولون ‏لن تكون الامور بعد كورونا كما كانت قبلها، وهذا صحيح. وبمعنى ‏آخر فمن البديهي أن المخرجات الجديدة تحتاج إلى مقدمات ومناهج  جديدة، وبمعنى ابسط لن يكون هناك تغيير في النتائج بدون تغييرفي المناهج . وبكل بساطة أيضا على أنظمة سايكس بيكو الوظيفية ان تغير وظائفها التي لم تجلب للاوطان الا البؤس والفقر والقهر الى وظائف وطنية.

لو اردنا استخلاص العبر من أزمة كورونا في الاردن لاستخلصنا  الكثير. اولها ان تلاحم الدولة مع الشعب في هدف وطني واحد يفجر الطاقات بلا حدود، وثانيها ان الأردن مليء بالكفاءات، وثالثها بأن الحكومة الحالية كانت كفُأة في ادارة ازمة كورونا بل وفي الحزم المالية والاقتصادية المقترحة للتخفيف من اثار الازمة الاقتصادية. لكن كان الاردن يعاني من وضع اقتصادي حرج جدا قبل ازمة كورونا وهو وضع لا يمكن استمراره وسيزيد صعوبة بعد هذه الازمة الصحية. كان يمكن للحكومات السابقة وهذه الحكومة بالذات ان تقدم الكثير لكن تلك الكفاءة قد تم تقليصها نتيجة لانها تعمل ضمن محددات وماسحة ضيقة نتيجة لما يسمى بالثوابت التي اظهرت الايام انها يجب ان تكون متغيرات.

***

تلك الفئة القليلة المؤمنة المقاومة والتي بشرها الله بأن الغلبة لها كما جاء في كتابه الكريم:  “كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ”، وكما جاء في الاية: “وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)”.

كل التحية للمقاومين في كل مكان.