بشر .. بشر

0
58

كتب / د. علي السعدي…
تعود الى النبش في صندق ذاكرتك ،وقد بات مثل صندوق العرس الذي جلبته أمك يوم زفافها ، خشب أبنوسي مطرز بمساميرمرصعةلامعة ، تخفي فيه كل ما لاتريدك أن تراه ، بعد أن أصبحت قادراً على تسلق ، ذلك الكنز العصي .
كان قفله النحاسي ،بمثابة لغز يجعلني أتساءل أين أخفت أمّي كيس (الجكليت ) وكيف تخرج الجكليتة من جيبها كما يخرج الساحر، الأرنب من طاقيته ، بعد أن ألّح عليها وهي تقول : ولك شتريد ، فتشني ،ماعندي بعد جكليت .
يعود زورق أبي من رحلة صيده ،محملاً بالأسماك أو الطيور ،فيستلم السلف من أول بيت ، يوزع ماقسم الله ،وتحيات النسوة والرجال تتطاير : الله يساعدك .
تجمعني بنات السلف ممن بلغن الصبا ،ليسألنني عن أخي الشاب الوسيم ، الذي بات يحمل البندقية ،ويذهب للصيد وحده ، ما ناوي يعرّس ؟؟ ياهي العاجبته منّا ،عليك العباس ؟ تكدر تنشده وننطيك توفيه ؟ فدوه انشده ..
كان جدي خزانة حكايات ، بعضها يحفظها مما ورثه عن الأجداد ،وبعضها يبتكرها بنفسه أو يضيف عليها كي تطول أكثر ، وذات ليلة روى لنا الحكاية التالية :
كانت غزالة ترعى على ضفاف الفرات مطمئنة ، ولم تدرك ماحولها من أخطار ، من الصحراء جاء أسد يبحث عن فريسة ، ومن الجبال هبط نسر يبحث عن فريسة ،فرأوا الغزالة وكل أراد الفوز بها .
فتك الاثنان ببعضهما البعض ،وفتكا بالغزالة كذلك ، ومن دم الثلاثة ،تشكل كائن بشري :ورث من الأسد قوته ،ومن النسر شراسته ، لكنه ورث من الغزالة رقتها وطيبتها ،فكان العراقي ،جارح القول مزاجي الهوى ،طيب الثمر صعب المرتقى ، اتخذ الشجاعة مذهباً ومن الشراسة طبعاً ، لكن روح الغزالة بقيت مخزونة في عمق أعماقه .
كان جدي يميز بين الناس بحديثه ،فيسمي بعضهم (والله آدمي ) ويطلق على الآخر ( مو عبالك بشر) فيما يسمي الثالث ( خوش انسان) ورغم انها كلمات معروفة ،الا ان التمييز بينها لم يخطر بأذهاننا فهي بالنسبة لنا (نفس الشي) ،لذا سألناه يوماً : وشنوو الفرق بيناتهن ؟ أجاب له الثواب – : نعم أكو فرق – فبني آدم صفة مصدرها ديني ، نسبة إلى آدم وذريته ، المخلوق من الأديم (التراب) ونحن أحفاد قابيل قاتل أخيه والملعون في الدنيا والآخرة ، أما الإنسان فهي صفة اجتماعية مستمدّة من حياة البشر بعد تطورها ، وقد ورد ذكرها في الكتب السماوية ،كما في الآية الكريمة ( وعلمّنا الإنسان مالم يعلم ) وأنَسَ بالشيء إلفه وأحبّه ، وأستأنس به أزال عنه الوحشة ، أما البشر ، فمن البُشرى واستبشر به خيراً ، أمل به ورجاه ،والِبِشْر علائم السرور على الوجه والبَشَرة ما يطلق على جلدة الوجه ، وأنتم من يانوع ؟؟
فصحنا جميعا بصوت واحد :بشر بشر.