حقيقة الإحصاءات بخصوص الإصابات بوباء كورونا في العراق

0
156

كتب / د . باسل عباس خضير…
اعتادت خلية الأزمة التي شكلها مجلس الوزراء بالأمر الديواني 55/ 2020 لمتابعة كل ما يتعلق بالوباء الجديد COVID – 19 ، أن تصدر بيانات يوميا عن الوضع الوبائي في العراق ، وفي بيانها لهذا اليوم ( 27 آذار ) قالت إن عدد الإصابات سجل قفزة بواقع 76 إصابة حيث وصل مجموعها 458 تم شفاء 122 حالة ووفاة 40 مصاب ، والأرقام الواردة في هذه البيانات تعد رسمية ويتم التعويل عليها من قبل منظمة الصحة العالمية وغيرها من الجهات الحكومية ، ولكن المواطن في العراق الذي يدرك كيف تدار وتسير الأمور في البلاد غالبا ما يتساءل هل إن هذه الأرقام صحيحة 100% أم إنها تخضع للماكياج او المونتاج ؟، وهو سؤال مشروع ولكن الإجابة عنه في غاية الصعوبة لان هناك ثغرات عديدة يمكن التشكيك من خلالها بمدى دقة الأرقام ومنها ارتفاع نسبة الوفيات إلى 9- 10% في حين إنها تتراوح بين 3-4% على المستوى العالمي ، كما إن هناك من يقارن عدد الإصابات في العراق الذي يحتل مراتب متدنية في مختلف التصنيفات الدولية مع عددها في دول أكثر تقدما واقل سكانا مثلا ( السعودية : 1012 ، قطر : 549 ، اليونان : 892 ) ، ولسنا هنا بصدد تبرأت خلية الأزمة ولكن اغلب مكوناتها من الأطباء الاختصاص وليست لديهم مصلحة في التلاعب بالأرقام ، وربما يؤمن بعضهم بان الأرقام لا تطابق الواقع وان القضية تستحق التهويل أكثر من التستر للفت انتباه الجهات المعنية لزيادة الدعم للمؤسسات الصحية وغيرها التي تعمل ليلا ونهار تصديا للوباء ،ومن خلال تتبع واقع الخدمات الصحية في بلدنا والظروف التي مر بها الوباء من حيث التأخر في إغلاق الحدود والتداخل السكاني الذي يحصل في المناسبات وعدم الالتزام الكلي بالحظر والاعتماد على مختبر واحد في إظهار نتائج الفحوصات ( مختبر الصحة العامة المركزي ) والعادات السائدة من قبل البعض في التعامل مع المراضة ، يمكن القول بان هناك عددا من الإصابات ربما لم يتم التبليغ عنها مما يعني بان العدد الحالي للإصابات لا يعبر بشكل كامل عن الواقع الفعلي لوباء كورونا كما انه قد لا يعبر عن العدد الحقيقي للوفيات .
وقد كان للتهويل الإعلامي العالمي للوباء من حيث استخدام العزل الكامل للمصابين في المستشفيات واستخدام الحجر للملامسين ووجود احتمالية كبيرة في تعرض الأفراد الذين تزيد أعمارهم عن 60 سنة للوفاة وعدهم ضمن التضحيات وعدم ملائمة بروتوكول الدفن لتعاليمنا الإسلامية والطقوس الاجتماعية ، حافزا للعديد لإخفاء الإصابة بالمرض عندما تظهر الإعراض حيث يبرر البعض بأنها أنفلونزا اعتيادية ، وعندما تتفاقم الحالة وتظهر المضاعفات يصبح من الصعب اتخاذ قرار بنقل المريض إلى المستشفى للشعور باليأس من الشفاء او رغبة في عدم توريط العائلة والزقاق في إجراءات العزل والحظر وما يترتب عليها من إجراءات ، وهناك من يبرر إبقاء المريض وعدم نقله حتى وان أدى ذلك لموته على أساس إن بقائه هو إكراما له في الحصول على دفن وجنازة على قاعدة ( إكرام الميت دفنه ) إذ إن ذلك أفضل من البرتوكول الحكومي الذي أبقى أمواتا بدون دفن لعدة أيام ، ونعتقد إن مكونات خلية الأزمة على معرفة بواقع توزيع المستشفيات وكيفية الوصول إليها في ظل الوضع الطبيعي و الصعوبات التي تنشأ أثناء حظر التجوال ، فالمسافة بين المحمودية التي توجد فيها ستشفى صغير ولغاية مستشفى اليرموك تبلغ أكثر من 35 كيلومتر طول كما إن اقرب مستشفى بعد أبو غريب إلى بغداد هي مستشفى النور التي تبعد أكثر من 30 كلم والمسفة من جسر ديالى إلى مستشفى الكندي التي تبلغ أكثر من 40 كلم تتخللها مستشفى الزعفرانية بطاقة سريريه وإمكانيات محدودة جدا ، وهناك عشرات الأمثلة في بغداد والمحافظات على وجود الثغرات لان الغطاء ألسريري في العراق لا يتجاوز 40 ألف ل40 مليون من السكان وهو خارج جميع المؤشرات ، وليس بخفي على احد بان هناك عوامل علمية واجتماعية تشجع البعض في عدم المراجعة ، فقد أثبتت إحدى الدراسات إن 20% من المصابين بكورونا يكونون حاملين للفيروس ولا تظهر عليهم الإعراض و60% من الشباب يتحملون الأعراض و15% تظهر عليهم الأعراض الشديدة و5% يكونون بحالات حرجة واغلب هذه الفئة من المصابين بالإمراض المزمنة والسرطان ، وان من تظهر عليهم أعراض بسيطة بعضهم لديهم ثقة بالمضمدين والموظفين الصحيين في المناطق الشعبية والنائية أكثر من ثقتهم بالمؤسسات الصحية ومن يعالجهم يتبعون علاجات تقلل الأعراض وبعضهم احتفظوا بعلاجات بعد كشف إسرارها بوسائل الإعلام ، كما ان بعضهم يعملون في مؤسسات صحية ويستخدمون خطوات العلاج المتبعة فيها لمن يلجا إليهم في البيوت او العيادات الشكلية وبعضها تحت عنوان التداوي وزرق الإبر ، ويضاف إلى ذلك إن الشائع إن المصاب بالمرض وعائلته والملامسين يتعرضون الى ( التنمر ) من قبل بعض العاملين في المستشفيات فينفرون منها بالهرب ، وقد يسال البعض كيف يتعامل الأهالي مع الوفيات التيتحصل والجواب إن الحصول على شهادة الوفاة ليس امرأ صعبا لكبار السن من المستشفيات لان جثثهم لا تخضع للتشريح عند الادعاء بأنهم من مرضى الأمراض المزمنة بتقارير او وصفات طبية سابقة ، كما إن هناك الدفن بدون شهادات وفيات في مقابر العشائر والقرى فضلا عن احتمال استخدام الفساد الإداري في إصدار شهادات الوفاة ، دون أن ننسى انه في أحداث 1991 و2003 والطائفية وصل الدفن الاضطراري إلى البساتين وحدائق المنازل او في أماكن نائية بدليل العثور على المقابر غير الرسمية التي ظهرت فيما بعد .
إن الهدف من هذه المقالة ليس إثارة العواطف او التشكيك بأية جهة ، بل تذكير من يعنيهم الموضوع في خلية الأزمة او غيرها من الجهات إلى ضرورة إتباع إجراءات أكثر فاعلية للكشف عن الإصابات لان إخفائها والتستر عليها يفاقم المشكلة ويزيد من انتقال الوباء وربما يتحول إلى مرض متوطن كالسل والكوليرا والبلهارزيا ، وان ذلك يحتاج إلى اتخاذ إجراءات أكثر شمولية في التحري الوبائي وسرعة إجراء الفحوصات بإنشاء أكثر من مختبر في كل محافظة واستخدام أسلوب العينات في المناطق الموبوءة ، مع وجوب تشجيع وتحفيز المصابين وأهلهم في الإخبار الفوري عن الإصابات بمنح مكافآت مادية للمصابين تدفع لهم او لذويهم عند الشفاء كهدية من الدولة او كتعويض عند الوفاة ، والعمل السريع لتغيير بروتوكول الدفن بما يفضي إلى إكرام الميت وسرعة دفنه ومشاركة عدد محدود من ذويه بعد تزويدهم بوسائل الحماية ، كما إن من الضروري الإسراع في منح مخصصات مغرية لجميع العاملين في مكافحة الوباء ومعالجة المرضى وممن يقدمون خدمات وقائية وساندة ، ويتعين على وزارة الصحة اتخاذ إجراءات واسعة في التوزيع العادل للأسرة بمستشفيات سريعة النصب وتعويض النقص ، وإحكام الرقابة القضائية على مقدمي الخدمات الصحية باجتهاد وخارج الإطار الرسمي ، ومن المهم إصدار تشريع يتضمن الجزاءات التي تفرض على من يخفي المعلومات ومن يسرب الأدوية والعلاجات ومن يقوم بالدفن غير الصحي وغيرها من المخالفات ذات العلاقة بالموضوع ، وان إجراءات من هذا النوع لا توفر بيانات عن الوباء فحسب وإنما تضع الأقدام في الطريق الصحيح مادام هناك وقتا وقبل أن نحصد ندما في يوم ما ( لاسمح الله ) .