الحظر والخطر

0
65

كتب / د. باسل عباس خضير…

منذ بداية انتشار إخبار الوباء الجديد الذي يسببه فيروس كورونا COVID – !9 وحتى دخوله إلى  اغلب بلدان العالم (غير مرحب به ) وتحوله إلى وباء عالمي حسب تصنيف WHO ، ظهرت المئات او الآلاف او الملايين من الآراء والتحليلات في التخصصات الطبية والصحية وغيرها من العلوم والفنون والآداب بعضها متفقة والبعض الأخر مختلفة وكأتها تغني خارج السرب ، ولكن القاسم المشترك بين الاتفاقات والاختلافات هو ليس الوقاية خير من العلاج بل إن الوقاية ثم الوقاية ثم الوقاية هي التي تجنب الإصابة بالفيروس وتغني المصاب عن ولوج علاجات لا تزال في طور التحليل والتجريب وهي غير مؤكدة تماما حتى وان صرحت بعض الدول باكتشاف علاجات مفيدة تعين أغلب الحالات ، والحقيقة الدامغة بشان العلاج الأكيد هي وجوب خضوعه لكل المراحل من الدراسة النظرية إلى الفحص والاختبارات المختبرية وبعدها التجريب على الحيوان وبعدها على الإنسان وان نجحت كل الإجراءات يتم التسجيل والإطلاق ، وهي مراحل غير خافية على احد وتستغرق سنة واحدة في أحسن الأحوال ، وفي ظل غياب العلاجات المسجلة يتم استخدام ما يمكن استخدامه على حالات مماثلة مرت على البشرية عند انتشار الفيروسات والنتيجة هي أما اكتساب الشفاء الجزئي او الكلي او فشل العلاج لحالة دون غيرها من الحالات .

وقد ثبت من الناحية العلمية في تجارب الصين ( التي ظهر فيها الوباء ) وكوريا الشمالية ( التي لم تظهر فيها إصابات بعد ) ، إن إتباع سياسات الحظر والاحتواء والعزل تعد استراتيجيات ناجحة جدا في مثل هذا النوع من الفيروسات لأنه غير معروف السلوك وله القدرة على تطوير نفسه لأنواع أخرى بمرور الوقت والحدود ، وهذه الاستراتيجيات يمكن استخدامها من قبل الفرد والعائلة والمجموعات والدول ولو كانت الصين قد أدركتها بوقت مبكر لما تحرك الوباء لمسافات من ووهان التي ظهر فيها الوباء ، وحين أدركتها وعممتها على الدول تباينت ردود الأفعال فالدول التي استخدمت الحظر في الدخول والخروج منها واليها كانت أكثر قدرة على الاحتواء والعكس صحيح ، وقد كان بإمكان العراق أن يكون أكثر قدرة على الاحتواء لو انه استخدم إجراءات كفوءة في الدخول والخروج إلى الجارة إيران ( وليس القصد التشهير باسمها قط ) وإنما لكونها الدولة الأكثر انفتاحا على العراقيين في السماح بالدخول إليها برا وبحرا وجوا بدون قيود ، لان اغلب الدول الأخرى لا تسمح بالدخول إليها إلا بموافقات وإجراءات معقدة وقد تصل غالى حد الامتناع ، وحسنا فعلت خلية الأزمة عندما أصدرت تعليمات بغلق الحدود بأنواعها كافة لأنها بذلك أعطت الفاعلية لقرار حظر التجوال الذي اتخذته فيما بعد .

والغرض من حظر التجوال هو إعطاء الفرصة للجهات الصحية لاتخاذ إجراءات التحري والفحص على الداخلين قبل غلق الحدود والملامسين لهم للتأكد من عدم إصابتهم بالوباء ومعالجتهم بالإمكانيات الموجودة عند ظوهر فحوصات ايجابية تشير إلى وجود الفيروس ، وقد كثفت وسائل الإعلام جهودها للسكان في ضرورة الالتزام بالحظر لغرض تجنب الملامسة مع المصابين وعدم السماح بانتقال العدوى الداخلية وظهور إصابات غير واردة للعراق ، وكما هو معروف فان ذلك لا يعني إن كل قادم للعراق هو مصاب وإنما وجود احتمال بإصابته مما يتطلب عزله لمدة أسبوعين لحين ظوهر الأعراض فمن لا تظهر عليه الأعراض يطلق بشكل اعتيادي لتأكد سلامته من الفيروس  ، وقد كان من المؤسف هو عدم التزام البعض بالحظر إلى حد الاستخفاف واللامبالاة وإتباع دعوات جاهلة وربما تكون مغرضة لإهمال الحظر ، رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الأجهزة الأمنية بمختلف تشكيلاتها والتي وجدت عنادا أكثر من المعتاد اضطرها لإتباع أساليب الغرامات والحجز والردع ، وهي إجراءات وصفها البعض بأنها قاسية رغم إنها اقل بكثير من الإجراءات التي اتبعتها أكثر واقدم الدول ديمقراطية في العالم ، ومهما بلغت من شدة فان هدفها الحزم وحماية الشعب من الوباء لان خدماتنا الصحة تعاني من القصور والتقصير والدولة تمر بمراحل عصيبة في ظل وجود حكومة لاتمتلك كامل الصلاحيات ومجلس النواب يتمتع بعطلة غير معروفة الأمد وقد مرت ثلاثة شهور والبلد لم تعرض موازنته المالية بعد .

وما ذكرناه يعد من التحديات والصعوبات والمعوقات كان المفروض أن يدركها أي مواطن لأنها من الموانع التي تقلل من فعالية القرارات التي تتخذها خلية الأزمة التي أعلنت في اكثر من مرة إنها تواجه صعوبات في التمويل وحاجتها لإعلان حالة الطوارئ ، التي يصعب اتخاذها بوجود حكومة تصريف الأعمال لان هذا النوع من الحكومات محدودة الصلاحيات وحالة الطوارئ تعني الاستثناء من كل الصلاحيات ، وان من نتائج عدم الالتزام الكلي بحظر التجوال هو تزايد أعداد الإصابات وظهور إصابات لدى الطرف الثالث أي لدى غير الذين كانوا خارج العراق في ال4 أسابيع الماضية ، مما يعني إن الإصابات انتقلت إليهم بالعدوى وذلك يشكل خطرا على الجميع لصعوبة التمييز بين هويات وجوازات المصابين

، والأخطر من هذا الخطر إن خلية ألازمة وجدت إنها تحت ضغط إنساني يتطلب منح مزيدا من الاستثناءات بالسماح للعاملين في القطاع المالي والمصرفي وما يرتبط بهما بالسماح لهم بالتجوال وفي الدوام لتهيئة رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية والعمال المضمونين لغرض استلامها من قبل المستحقين بعد أن شحت السيولة واستحقت العديد من الالتزامات ، وهذا الاستثناء سيكون مؤقتا وقد يزول بزوال الغرض ويتوجب أن يكون سريانه مقترنا باتخاذ إجراءات الحماية الشخصية من الكمامات والكفوف والتعقيم ، وهو ما يتطلب من الفئات الأخرى من الشعب التمسك بأعلى درجات الحيطة والحذر لان البلد سيدخل بتحدي جديد ، لان الحظر يقلل الخطر وتقليله يزيد الأخطار وفي هذا الموضوع ليس هناك خيارات واختيارات فالمحافظة على الحياة من دون تفشي الفيروس تتطلب الالتزام بالحظر وإسقاط العديد من الأعذار والاعتذارات والتبريرات حتى وان كانت مسوغة ، فالخطر قريب والسبيل لمواجهته الآن هو الحظر إن كان لأيام او أسابيع وهو أهون ( حتما  ) من العيش بعذابات المرض والفراق .