قصة الدولار الأمريكي وارتباطه بالذهبين.. قراءة في مسيرة الورقة الخضراء: من المعدن الأصفر إلى السائل الأسود

0
92

كتب / عبدالرحمن عبدالله…

ذكرنا في مقال سابق قصة المغامر الامريكي كولمبس جونير، الذي نجح عام ١٩٣٠ من حفر اول بئر نفطيه في شرق تيكساس متحديا آراء الجيولوجيين الذين كانوا يؤكدون استحالة وجود النفط في تلك المنطقه. كان كولومبوس مستثمرا مغامرا عشق المخاطرة سعيا وراء اعلى الأرباح ( High risk brings high return). خلال فترة لا تتجاوز الستة أشهر، تجمع عدد من صغار المستكشفين في شرق تيكساس محاولين استغلال الفرصه، الشيء الذي قفز بإنتاج الموقع لأكثر من ٣٤٠ الف برميل في الْيَوْمَ. وبعد عام من ذلك التاريخ اصبح الحقل (والذي اطلق عليه اسم العملاق الأسود) من أكبر الحقول في العالم بطاقة إنتاجية فاقت ال ٥٠٠ الف برميل في الْيَوْمَ (وهو معدل ضخم بالمقارنة معإنتاج ذلك الوقت).

لم تكن التشريعات في ولاية تيكساس تعطي سلطات الولايه حق التدخل في تنظيم الانتاج النفطي. ومع ازدياد انتاج النفط في شرق تيكساس بواسطة الشركات الصغرى، تم إغراق الاسواق بصورة لم يعهدها العالم؛ وهو ما ادّى الى حدوث اول انهيار لسعر النفط في التاريخ. إنخفض سعر خام تيكساس من الواحد دولار الى مستوى ال 15 سنت (0.15 دولار)، بل إن بعض الشركات اضطرت لبيع نفطها في حدود ال 2 سنت أمريكي فقط (0.02 دولار أمريكي).الجدير بالذكر  ان تكلفة انتاج البرميل الواحد في تلك الفتره كانت في حدود ال 70 الى 80 سنت أمريكي.

أدت فوضى الانتاج والإختلال بين العرض و الطلب الى إشتعال حرب في الأسعار بين الشركات الكبرى و الصغرى، إرتفع انتاج شرق تيكساس في نهاية العام 1931لمستوى المليون برميل في الْيَوْمَ، أي نصف استهلاك الولايات المتحدة. لم ينحصر تأثير تلك الفوضى علىسوق النفط الامريكي فقط، بل امتد ليشمل السوق العالمي أيضا.

كانت الولايات المتحدة في ذلك الوقت هي المنتج الرئيسي و المتحكم في سوق النفط العالمي. لكن مع  بداية ثلاثينيات القرن الماضي، بدا ان لاعبا جديدا يلوح في الأفق. أظهرت الاكتشافات الضخمة التي وجدها الجولوجيون التابعون لشركة ستاندرد اويل الامريكية في صحاري السعودية ان تلك البقعه النائية من العالم هي من سيتحكم في سوق النفط العالمي.

في فبراير من العام 1945، كان الرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت عائدا من مالطا على متن طراده الرئاسي، ورأى ان يقتنص الفرصة ويلتقي بالملك السعودي عبدالعزيز بن سعود (وقد كانت هذه الخطوة دون علم البريطانيين). توقف الرئيس روزفلت في البحر الأبيض المتوسط وأرسل باخرة صغيره الى جده لإحضار الملك السعودي وعددا قليلا من حاشيته. كان ذلك هو اللقاء الاول و الاشهر على الإطلاق الذي يجمعبين قيادتي البلدين. وهو اللقاء الذي تم فيه التوقيع على إتفاقية كوينسي، بالرغم من ان نصوص الاتفاقيه لم يتم الإفصاح عنها بصورة شفافه، الا ان معظم بنودها تم تسريبه فيما بعد.

فقد تعهد الرئيس روزفلت للملك عبدالعزيز ان تقوم حكومة الولايات المتحدة الامريكية بتوفير الحماية الكاملة لمملكته الوليدة والوقوف الى جنبها ضد أطماع القوى العظمى، كما تعهد بضمان إستمرار حكم أسرة آل سعود و دعمها الامحدود ضد التهديدات الداخلية والإقليمية. في المقابل تعهد الملك عبدالعزيز بعدم السماح للشركات غير الامريكية بالتنقيب على النفط في الاراضي السعوديه، وإعتماد الدولار الأمريكي كعملة وحيدة في عمليات البيع للنفط السعودي.

تعد حقبة السبعينات فترة تحول كبرى على الصعيدين المالي والسياسي. في العام 1970كان حجم الدولارات المتداولة في الاسواق العالمية يقترب من حاجز ال 300 مليار دولار. بينما كان حجم احتياطيات الذهب في Fort Knox لا يزيد عن 14 مليار دولار وفقا للسعر الرسمي الذي وضعته اتفاقية بريتون وودز ( 35 دولار للأونصه).

يرى بعض المحللين ان السبب وراء هذا العجز الضخم بين الدولارات المطبوعة و تغطيتها من الذهب، هو توسع الحكومة الامريكية في اصدار الدولار لتغطية نفقات حرب فيتنام، و انفاقها الهائل إبان الحرب الباردة. ومن المؤكد ان هذا التصرف كان انتهاكا واضحا لإتفاقية بريتونوودز. وبالرغم من ان الحكومة الامريكية آنذاك كانت تعد اكبر مالك للذهب في العالم، الا ان الخلل في الميزان بين المعروض من الدولار والمملوك من الذهب اخد في التوسع بصورة أكبر في أواخر العام 1970. وفي منتصف اغسطس من العام 1971اتخذ الرئيس نيكسون قراره المزلزل بالإنسحاب من معاهدة بروتين وودز و فك ارتباط الدولار بالذهب.

كانت المحصلة الفعلية للقرار الامريكي هو استبدال الذهب بالدولار، وفرض العملة الامريكية على العالم كأمر واقع وذلك من خلال تمكين الحكومة الامريكية من طباعة ما تشاء من الدولارات طالما ان هناك من يثق بها و يرغب في امتلاكها. ولأن الحكومة الامريكية كما أسلفنا كانت اكبر مالك للذهب في العالم، فقد تحكمت في عمليات العرض و الطلب عليه مما أوصل سعر أونصة الذهب الى 350 دولار (أي عشرة أضعاف سعر بروتين وودز). لقد حرر ذلك القرار شهادة وفاة رسمية لما كان يعرف بال “النقد” والذي كان يسيطر على التجارة و التبادل منذقدم التاريخ. كما أعلن عن بداية ما يعرف ب “اقتصاديات المضاربة”، وهو نمط جديد لم تعرفه البشرية من قبل. على صعيد آخر أتاح  القرارللحكومة الامريكية إمكانية بيع إحتياطياتها من الذهب بعشرة أضعاف أسعار بروتين وودز.

لم يبتسم الحظ كثيرا للرئيس نيكسون، فلم تمض سوى أشهر قليله على انسحابه من بروتين وودز حتى تم توريطه في فضيحة ووتر قيت. ووفقا لعدد من المحللين، ربما يكون الرئيس نيكسون قد دفع ثمنا باهظا لمواقفه الصارمة ضد اللوبي الصهيوني في واشنطن!

مع إنشغال نيكسون بمعالجة آثار ووتر غيت، كانت الفرصة مواتية للثعلب اليهودي هنيري كسينجر للإنفراد بأمر السياسة الخارجية الامريكيه. وقد أدت هيمنته على الشأن الخارجي الى تفاقم الأوضاع في الشرق الاوسط وهو ما مهد الى اندلاع حرب 1073و تبعاتها من اعلان الملك فيصل قطع امداد النفط العربي عن الغرب.

شهدت أسعار النفط تصاعدا غير مسبوق نتيجة لوقف مبيعات النفط العربي لأوروبا و امريكا، فقد ارتفع سعر برميل النفط الى أربعة أضعاف سعره ما قبل المقاطعة، ووجدت الدول الاوروبية نفسها في موقف لا تحسد عليه.

اما في الولايات المتحدة فقد كان للمقاطعة أثر مزدوج. فعلى الصعيد المحلي شكل انعدام الوقود في محطات التعبئة و الزيادة الكبيرة فيسعره أمرا مفزعا للمواطن الامريكي. اما الاحتياطي الفدرالي فإن الازمة لم تكن مطلقا مزعجة له، بل كانت مهرجانا لجني الأرباح والتوسعفي الإيرادات. فزيادة سعر النفط ادى الى زيادة الطلب على الدولار، وهو الشيء الذي مكن الفدرالي الامريكي من مضاعفة طباعة العملة الامريكية بمستويات غير مسبوقة. لقد ساعدت أزمة النفط الدولار الامريكي من التحول من مجرد ورقة نقدية غير مغطاة بالذهب وغير مرغوبة لدى الدول الصناعية الكبرى، الى سلعة يتبارى العالم في الحصول عليها لضمان مشترياته من الطاقة. نجحت الخطة الامريكية في فكارتباط الدولار بالذهب الأصفر، وربطه عبر زواج كاثوليكي بالذهب الأسود، فقد إنتبه صناع القرار الى أهمية النفط من حيث أنه المصدر الأهم للطاقة، وهو ما يرفع من قيمته الاستراتيجية ويزيد من معدلات الطلب عليه ليس فقط من قبل الدول الصناعية الكبرى بل ودول العالم الثالث أيضا.

حاولت في هذه العجالة ان أقدم للقارىء الكريم سردا موجزا لسر الإرتباط الوثيق بين أسواق النفط و العملة الامريكية الخضراء. في الحلقة القادمة نحاول بإذن الله تسليط الضوء على بعض الجوانب الملتبسة في عوالم النقد والطاقة.