ازمة الحكم …… الحاجة الى عقد اجتماعي جديد

0
96

كتب/ د. محمد كاظم المعيني ..

توقع الجميع ان نهاية حقبة الحرب الباردة تبشر بانتصار الديمقراطية والقيم الليبرالية المصحوبة بالاستقرار، وظنوا بان العولمة ستمكن وستحقق الازدهار والرفاهية، وهذا ما اكده الكاتب الامريكي فوكوياما في كتابه “نهاية التاريخ”.

لكن الديمقراطية اليوم باتت تعيش ازمة شائكة في الغرب، اذ جرى مسخها لتصبح اداة مطيعة لخدمة مصالح فئوية وجماعات ضغط مختلفة، وباتت مهددة بالوقوع اسيرة لدى التيارات الشعبوية اليمينية المتطرفة التي تنادي بالقومية الشيفونية والتفوق العرقي وسمو الرجل الابيض.

في روسيا والصين يترسخ نوع من الحكم المرتبط بهيمنة الشركات الكبرى والمافيات المحمية بالسلطة، ومع ان الانفتاح الاقتصادي في كل من الهند والصين اسهم في تحرير مئات الملايين من الفقر؛ فان العولمة ساهمت باطلاق تقلبات اقتصادية كبيرة غير قابلة للتحكم، عبر تنقلات ومضاربات في الهواء لتريليونات من الدولارات من حساب الى اخر او من ديّن الى اخر، ادت الى انهيار دول وافلاس مصارف دون سابق انذار، الامر الذي ادى الى زيادة حجم الفجوة بين طبقة متحكمة صغيرة جداً من واسعي الثراء وبين الاخرين في جميع انحاء العالم، فالنظام الراسمالي ليس بافضل حال من بقية الانظمة الاخرى.

في الشرق الاوسط تعم الفوضى والعنف والانقسامات داخل المجتمع الواحد بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، انه واقع اللااستقرار وانعدام اليقين والمعاناة من دون وجود رؤية واعدة لمستقبل افضل؛ فالسلطة التي يفترض بها تطبيق النظام قد تكون دائبة على تنفيذ ماهو عكس ذلك، اننا جميعاً نعيش في مجتمعات متباينة دينياً واجتماعياً، والمجتمع لا يمكن ان ينعم بالاستقرار الا اذا كان النظام السياسي الحاكم حاضناً ومستوعباً لهذا الاختلاف لا قامعاً له.

اصبحت المنافسة العالمية في جميع الاختصاصات تؤدي الى زوال وقلة فرص العمل المضمونة، فضلاً عن انهيار الصناعات والحرف القديمة، فقليلون من يستطيعون ان يحلموا بتقاعد آمن ومضمون، وان عالم الالفية الجديدة شديد التعقيد والغموض وغير منضبط، النظام فيه ديناميكي سريع التغير؛ ولكنه ليس بحالة فوضى او شواش كامل، فالنظام هو حالة وسط بين الانضباط والفوضى، ولسنا امام رقعة شطرنج يستطيع الحاكم ان يحرك بيادقه ليصل الى نتيجة متوقعه.

يبنى الحكم على اساس العلاقة بين الحاكم والشعب وهي اشبه بالصفقة ويطلق عليها علماء السياسة بالعقد الاجتماعي، ومثلما متعارف عليه في أي عقد يضم شروطاً محددة لكلا الطرفين، الا انه غالباً ما يخفق الطرف الحكومي (الحاكم) بالوفاء بالتزاماته تجاه الطرف الاخر، والسبب هو ان حكم الاقلية سيؤول بالنتيجة لخدمة الاقوى الذي تمكن من الامساك بالسلطة.

اننا نعيش اليوم في ظل انظمة معقدة سائبة ، وان من شأن فعل لفرد واحد ان يحدث تغييراً جذرياً بالنظام كله يصعب التنبؤ به، فحالة الشاب “محمد البوعزيزي” خير مثال على ذلك، والتي احدثت زلزالاً سياسياً ليس على نطاق تونس بل على مستوى المنطقة العربية باجمعها، كون هذه الانظمة بسبب عقود من الفساد وسوء الحكم باتت هشة وجاهزة للتغيير، وكانت بحاجة الى شرارة صغيرة لتفجر الموقف.

ان حالات الفوضى والاضطرابات المتصاعدة هنا وهناك تحفز الحكومات على التشديد في احكام القبضة على مجريات الامور بغية الحفاظ على وهم التحكم، وبما في ذلك الحكومات الديمقراطية التي باتت تزيد من نشاطات المراقبة على المواطنين يوماً بعد يوم وبشكل  متصاعد، ابتداءً من الهاتف المحمول الى الشبكات العنكبوتية وكاميرات المراقبة، وبالتالي ان محاولات فرض النظام قد تتسبب بالفوضى، وان الطبقة السياسية الحاكمة اصبحت جزءاً من المشكلة. ان احتكار السلطة من قبل القوي بات هو السمة الغالبة في اغلب الانظمة الديمقراطية وحتى في الولايات المتحدة؛ وان تشريع القوانين لا يصب الا في مصلحة الاحزاب السياسية ومصالح جماعات الضغط، وما زال المال السياسي هو العامل الرئيس للفوز بالانتخابات.

ماهو الحل اذن؟ بادئ ذي بدء لا يمكننا ان ننتظر انبثاق التغيير من الطبقة السياسية المتحكمة، لان فاقد الشيء لا يعطيه، وهم غير موثوق بهم، وكأنك تطلب من الاكباش ان تصوّت لصالح عيد الاضحى، والمطلوب اذن دعوة انفسنا الى التحرك باتجاه التغيير عبر صياغة عقد اجتماعي جديد يتعامل مع الجميع مبني على نهج يتناغم مع الواقع ويوازن بين الامكانيات والاهداف، يحدث ثورة ثقافية مبنية على التعاون والتشارك لاجتراح عالم افضل لا احد يدعي قيادة هذه الحركة، نقترح نوعاً من الديمقراطية هي حالة وسطى بين الديمقراطية المباشرة وغير المباشرة اطلقنا عليها ديمقراطية القاعدة او ديمقراطية المنابر، ديمقراطية قائمة على الاستيعاب بالرغم من ان الحوار والاصغاء بين الجمهور واتخاذ القرارات قد يستغرق وقتاً طويلاً؛ ولكن هذا هو الحل الوحيد، فلا بد من استرجاع السلطة واعادتها الى اصحابها الشرعيين، ليس المقصود هنا الدعوة الى مدينة فاضلة او يوتوبيا او العودة الى الديموقراطية اليونانية القديمة؛ ان تجربة الحكم من القاعدة الى القمة ستضم جميع الاختلافات العرقية والدينية والمذهبية، وتجعل الناس يقررون شؤونهم الخاصة، وهناك تجارب حديثة تمت ممارستها في دول ومدن مختلفة عكست نجاحاً باهراً لتلك التجربة.

ولكي تنجح تجربتنا بالعراق نقوم بطرح عدة افكار نراها مناسبة لصياغة العقد الاجتماعي الجديد: اولا- خلق رؤية واضحة وعميقة تتجسد منها الافكار والتطلعات مبنية على اساس سؤال القاعدة للاخرين عما يريدونه وماهي مطالبهم. ثانياً- تحرك فرد او مجموعة صادر عن ايمان ومكرر من قبل الاخرين من الممكن ان يؤثر في النظام بسرعة كبيرة ويحدث تاثيراً مادياً واسعاً؛ فالسلطة الحقيقية تكمن في المجالس الشعبية والنقابات والاتحادات والمنابر العامة  وحشد الاصوات الشريفة والافعال المخلصة، وستتمكن صيغ التنظيم هذه من الفوز بالمشروعية. ثالثاً- التنظيم والترابط الوظيفي المحدد لخدمة هدف معين وممارسة فعل محدد والقائم على المشاركة والمناقشة، فممكن لوسائل التواصل الاجتماعي ان تنظم وتثقف جماعات اكبر بطرق غير مسبوقة، وان عملية صنع القرار تكون افضل حينما يشمل الناس الاكثر تأثراً، وعندما يقدم حشد كبير من الناس على اتخاذ القرارات بنفسه تكون النتائج لافتة ومثيرة ووجهات نظر الجميع مسموعة. رابعاً- استعادة السلطة، فاذا تحمل الناس المسؤولية فانهم سيتصرفون بمسؤولية، واذا الغينا الصفقة واسترجعنا الوكالة وادرنا شؤوننا بانفسنا فسيحصل نوع من الانجاز والاشباع. اتساقاً مع ما تم عرضه فاننا لا ندعو هنا الى انقلاب او ثورة عنيفة ضد الحاكم، فيمكننا تغيير ما يجب تغييره دون اللجوء الى العنف، فنحن بحاجة الى ثورة اقناع سلمية تدعو الى اقامة نظام بديل افضل وانجع باتخاذ خطوات صغيرة ومتتابعة، ثورة تحت قيادة الجميع وليس شخص، ولا بد للثورة هذه من ان يكتب لها النجاح، مع التحسب قدر الامكان من تسلل فئات فاسدة تدخل على هذه المتغيرات.