شتان ما بين : لثام ولثام

0
272

كتب / باسل عباس خضير..
وجوه معظم العراقيين من المعتمدين في معيشتهم على الرضا بالرزق الحلال جميلة ونضرة ، حتى وان بان على بعضها آثار تعب الزمان بسبب الحروب والحصار والظلم والحرمان ، والعراقيون الاصلاء من معروفي الحسب والنسب عرف عنهم في القديم والحديث الشجاعة والجرأة وقدرتهم في المواجهة وعلى التعبير عن مظلوميتهم في أحلك المواقف حتى وان أدى ذلك إلى ما لا تحمد عقباه ، نقول هذا ليس مدحا او ذما وإنما تعجبا من ظاهرة أخذت تنتشر وتتوسع منذ سنين وهي وضع اللثام على الوجوه كلا او جزءا لإخفاء معالمها ، فالبعض من رجال الأمن يضعون اللثام عندما يشاركون في واجب القبض على السراق والمجرمين وفي مختلف الجنايات حتى إن كانت مخالفات خفيفة في بعض الاحيان ، وبعض المتظاهرين السلميين المطالبين بحقوقهم المشروعة في اغلب الساحات يضعون اللثام موشحا بعلم العراق او ( الغترة ) او ( اليشماغ ) او بوضع الكمامات على أجزاء مهمة من الوجه او بارتداء النظارات المعتمة وغيرها من وسائل إخفاء الوجه او بعض من ملامحه أثناء التصوير واللقاءات التلفزيونية او تسجيلات اليو تيوب ، ومن يعتدي على المتظاهرين من حملة السكاكين او القناصين او البلطجية ممن امتهنوا القتل او وصنع العاهات او بث الرعب في الليل والنهار يرتدون اللثام أيضا على كامل الوجوه ، وفي بعض الاحيان يتواجه الملثمون بعضهم مع بعض بالسب او الشتم او القذف او الاقتتال بالأيدي او الأسلحة البيضاء او بالأسلحة الخفيفة او المتوسطة ، حتى باتت المسالة لثام ولثام .
وهذه المسالة التي لم تسلط عليها الأضواء الكافية لتشخيصها وتحليلها ووضع الاستنتاجات والمعالجات المناسبة لها جديرة بالاهتمام ، فوضع اللثام يعبر عن حالة غاية في الحساسية لأنها تعبر عن فقر الثقة وربما إدمان الخوف من التداعيات كما إنها تكرس لعادات جديدة في تجنب المواجهة وربما يشير ذلك إلى الكثير من المدلولات ، فالعرف العام إن رجال الواجب الرسمي في الجيش والشرطة وفي أي جهاز إداري مدني او عسكري محميا بموجب القوانين ، وجزءا من الشرعية والشفافية تتطلب الكشف عن هويته وصلاحياته والجهة التي كلفته ونوع الإجراءات التي يتوجب اتخاذها لكي يتعاون معه الآخرون ، وإن تطلب الأمر قدرا من المباغتة والتخفي فان اللثام ليس حلا مثاليا لأغلب الحالات ، أما المطالبون بالحقوق الشرعية فإنهم لا يحتاجون اللثام لأنهم أكثر جرأة من الآخرين في التعبير والتصدي فغالبا ما يشكل المتظاهرون نسبة محددة من مجموع المعترضين لأنه ليس بالضرورة أن يتحول كل المعترضين إلى معتصمين او متظاهرين ، ولكن وضع اللثام يعبر أيضا عن حالة من عدم الثقة عندما يخشىون المطاردة والخطف خارج أماكن الاعتصام من غير الأجهزة المختصة حتى وان كانوا يتمتعون بقدرات أعلى من الغير في التعبير والمواجهة والتحمل فحماية النفس أحيانا أسمى حالات التعبير ، فالمعترضون يضعون درجات محددة للمخاطرة وفي اغلب الاحتمالات لاتصل مستوياتها إلى التصفية بالقتل او الموت لان القوانين والدساتير لمعظم الدول المتحضرة تعطي الشرعية في التعبير عن الرفض بالطرق الشرعية ومن واجب الأجهزة المختصة حماية المتظاهرين إن التزموا بقواعد هذه الممارسة الديمقراطية من حيث تحديد الزمان والمكان وعدد المشاركين وشكل التعبير ، أما المجرمون والمعتدون وغيرهم ممن يرتكبون المخالفات والجنح والجنايات فإنهم يضعون اللثام لأنهم يدركون تمام الإدراك أن ما يقومون به هو خارج القانون ، لذا فان وضعهم اللثام او أغطية او التغيير بملامح أجسامهم ووجوههم من باب التنكر هي مسالة متعارف عليها لنوعهم الانهزامي من باب التنصل والتملص ومحاولة للتخلص من الإجراءات القانونية عن الأفعال التي يقومون بها والتي غالبا ما يدركون مقدار جزاءاتها اجتماعيا وقضائيا .