قانون مجلس الأعمار: ملاحظات

0
69

كتب/ د. أحمد إبريهي علي …

يوم 17 أيلول من عام 2019 وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون مجلس الأعمار ورفعه الى مجلس النواب لأقراره. ويحظى القانون بدعم واسع لدى الأوساط المهتمة بالأعمار، وورد أيضا ان الجهات المعنية إستشارت ” العديد من الخبراء والكفاءات” لأعداد الصيغة المعروضة على السلطة التشريعية. لكن إقرار القانون المقترح، كما أرى، سيكون من الأخطاء غير المبررة. وما أود بيانه، هنا، لا يتعدى وجهة نظر حول بعض فقراته دون دراسة المشكلة على نحو شامل. إن جميع الأهداف والوسائل التي تضمنها القانون لا تتطلب إستحداث هذا المجلس فضلا عن ان هذا التشريع، في حالة إقراره، يناقض مبادئ أساسيبة في المالية العامة وإدارة الأستثمار الحكومي.

ولنبدأ من الأحكام الختامية للقانون فقد ورد في المادة (31) “يلغى قانون مجلس الأعمار ووزارة الأعمار رقم (27) لسنة 1953″!. لقد الغيت وزارة الأعمار عام 1959 واستحدثت وزارة التخطيط بدلها وكان أول وزير للتخطيط المرحوم الدكتورطلعت الشيباني. وفي قانون السلطة التنفيذية رقم 74 لسنة 1959 في المادة التاسعة إستحدث مجلس التخطيط بدلا من مجلس الأعمار، وانتقلت سكرتارية مجلس الأعمار الى مجلس التخطيط. وفيما بعد شرع قانون لمجلس التخطيط وجرت عليه سلسلة من التعديلات. المهم ليس ” الغاء قانون وزارة الأعمار ومجلس الأعمار” لكن الخلفية الفكرية للقانون الجديد. إذ يبدو من النص كما لو إن الدولة العراقية قد أغمي عليها منذ عام 1953 ثم فاقت الآن.

كما ان المشرع يريد التأسيس على مجلس الأعمار ووزارة الأعمار وليس على مجلس التخطيط ووزارة التخطيط. لماذا لا أظنه حنينا الى العهد الملكي بل يتصور ان عمل محلس الأعمار يختلف في المضمون عن عمل مجلس التخطيط ومنهاج الأعمار يختلف عن المنهاج الأستثماري. في حين ان منهاج الأعمار هو ذاته المنهاج الأستثماري والأستمرارية مؤكدة. ان مشاريع الأعمار إستمرت في العهد الجمهوري وبنفس التعليمات والصلاحيات، ومنهجية العمل لا تختلف جوهريا. والتزامات ومهام مجلس ووزارة الأعمار انتقلت الى مجلس ووزارة التخطيط. وأذكر جيدا ان وزارة التخطيط كانت تحتفظ حتى بتسجيلات صوتية لوقائع مجلس الأعمار لأن وزارة التخطيط هي الجهاز الفني لمجلس التخطيط وسكرتير مجلس التخطيط، سابقا سكرتير مجلس الأعمار، هو المدير العام لديوان مجلس التخطيط وهي من دوائر وزارة التخطيط.

لقد أرسلت الى زملائي قبل مدة وثيقة هي الدراسة التي أعدها فريق البنك الدولي وسلمها لرئيس الوزراء عام 1952 وعنوانها التنمية الأقتصادية في العراق. وتناولت الوثيقة دراسة إقتصادية شاملة للعراق، آنذاك كان البنك الدولي يؤيد التنمية الأقتصادية بحماس … إختلفت الأمور، والوثيقة أشارت في أكثر من مكان لمنهج أو منهاج الأعمار Development Programme أنذاك كانت التنمية تسمى إعمار، هي لغة لا أكثر ولا أقل. فالمقصود بمجلس الأعمار هو مجلس التنمية ومنهاج الأعمار منهاج التنمية. وفي العهد الجمهوري وجدوا ان منهاج الأعمار هو في الواقع منهاج إستثماري فسمي هكذا، وأرادوا التخطيط

للتنمية فصارت تسمية مجلس الأعمار مجلس التخطيط. ومجلس الأعمار ايضا يخطط. والدراسة المشار اليها إقترحت برنامجا للتنمية ” الأعمار” لمدة عشر سنوات بناء على طلب الحكومة.والتأسيس لا يكون على التسميات بيل على المضمون. ماذا يقصد السابقون بالعمران … تطور، تحضر، تنمية إقتصاد … وهكذا هي لغة.

في العهد الجمهوري صدرت الخطة الأقتصادية المؤقتة 1959- 1961 لتواصل العمل على مشاريع مجلس الأعمار وتضيف عليها. وفي عام 1961 الغيت الخطة المؤقتة،وصدرت الخطة الخمسية 1961-1962 الى 1965-1966 وقبل نهاية مدتها صدرت الخطة 1965- 1969 وهذه قوانين يمكن الرجوع اليها. والخطة التي صدرت عام 1961 تشير بالتفصيل الى وزارة التخطيط ومجلس التخطيط، وتذكر في نصوصها أيضا مجلس الأعمار الملغي. وما بعد 1969 هو تاريخ قريب معروف للعديد من الأحياء والقراء. وحسب قناعتي ان الخطة 1965 – 1969 هي أكمل خطة من الناحية الفنية بل هي متفوقة حتى بالمستوى العالمي وقد بينت هذا في دراسة أعددتها عام 1983 واعدت نشرها قبل مدة.

الأدارة الأقتصادية لم تختلف في العهد الجمهوري عما كانت عليه في العهد الملكي، وحتى في العهد الملكي كانت الأعمال التي إضطلع بها مجلس الأعمار، فيما بعد، تنفذ على باب الأعمال العمرانية في الموازنة العامة. ومع مجلس الأعمار انتقل العراق الى نظام الموازنتين، جارية واستثمارية كانت تسمى الأعمار، واستمر النظام في العهد الجمهوري، الأولى تديرها وزارة المالية والثانية وزارة التخطيط ، والحسابات تتولاها وزارة المالية للأنفاق الجاري والأستثماري على نحو مستقل. حصلت اختلافات في السياسة الأقتصادية في العهد الجمهوري عن الملكي ، وبعد عام 1964 منذ التأميمات توسع القطاع العام، وارتفعت إيرادات النفط كثيرا بعد تأميمه عام 1973 ثم ارتفاع الأسعار. لكن اجهزة الأدارة الأقتصادية والقوانين والصلاحيات والأساليب الفنية من الناحية الجوهرية لم تتغير وبقيت على حالها بعد 2003.

وفيما يلي بعض المآخذ على مشروع القانون:

1- في الفقرة رابعا من المادة الأولى تمول مشاريع المجلس من ” نسبة المجلس من الأيرادات المدرجة في الموازنة العامة أومن القطاع الخاص أو من كليهما…” . وفي المواد اللاحقة ينص القانون على تحويل تخصيصات المشاريع التي يديرها من الموازنة العامة اليه. ويتصور المشرع ثمة خطة بالمشاريع ويقال هذه تمول من الحكومة وتلك من القطاع الخاص وأخرى مختلطة … وهكذا. مجلس الأعمار سلطة حكومية كيف لها ان تتصرف باموال القطاع الخاص؛ إذا أرادت الحكومة المشاركة مع القطاع الخاص في مشاريع فتستطيع مثل أي مستثمر، ويجري هذا بناءا على مقترح من الوزارة القطاعية ويأخذ طريقه الأعتيادي الى وزارة التخطيط ثم المالية وتدرج هذه المشاركات في الموازنة المالية العامة السنوية. وهل توجد موانع قانوية أعاقت مثل تلك المشاركات في الماضي، إن وجدت فعلا يمكن معالجة الأمر بسهولة. لماذا كانت الدولة غافلة عن هذه المسألة فاستيقضت فجأة للتعاون مع القطاع الخاص بهذه الطريقة بالذات.

2- وحول نسبة المجلس من إيرادات الموازنة … ، وتحويل تخصيصات المشاريع اليه، هذا التعبير ينطوي على مشاكل جمة منها: سوف يتجزأ الأنفاق على المشاريع العامة بين المنهاج الأستثماري، وهو جزء من الموازنة تحكم إدارته إعدادا وتنفيذا ضوابط وتعليمات إستنادا الى القوانين النافذة، ومنهاج آخر أوكلت مهمته الى ” مجلس الأعمار” يدار باستقلال. وهو تحول مربك لا يساعد على التطوير فعلا. فأما ان يلتزم العراق بالموازنة الموحدة او بعود الى نظام الموازنتين، جارية واستثمارية، كما كان معمولا به منذ مطلع الخمسينات وحتى عام 2003. التصرف بالأموال العامة عادة يكون من خلال الموازنة بالمصطلح المتعارف عليه بكل ما يتضمنه من ضوابط وتقاليد تعارفت عليها الحكومات. أما ان تقتطع أموال من الموازنة العامة وتدار بهذه الطريقة الغامضة فلا يمثل خطوة في ترصين البناء المؤسسي للدولة بل هروب من إستحقاقات إعادة البناء عبر إيجاد سلطة مالية موازية. كان الأفضل للحكومة التعامل مباشرة مع أوجه القصور والتقصير التي حالت دون ترصين إدارة البرنامج الأستثماري الحكومي وكرست معوقات تطوير البنى التجتية في العراق بدلا من هذا المجلس، وتوجد مقترحات محددة وعملية في هذا المجال لم تلتفت اليها الدوائر المعنية.

3- العودة الى البرنامج الأستثماري الحكومي وتطوير جميع الحلقات وضمان الأداء الكفوء والنزيه في إعداد وتنفيذ المشاريع العامة هو الضروري والذي لا غنى عنه. وليس النكوص عن المهمة المؤجلة باستحداث جهاز موازي. وفتح باب جديد للصخب السياسي ومباريات الخطب التنموية.

4- ربما، وهو الأرجح، ان الحكومة أرادت معالجة الخلل في الدوائر والأقسام والشعب المسؤولة عن عقود المشاريع فاختارت هذه الطريقة. نعم كانت أكثر الخروقات وهدر الأموال العامة في التعاقد على تنفيذ المشاريع وعقود التجهيزات. وكان الأولى بالحكومة تحمل مسؤليتها في إعادة هيكلة تلك الدوائر جميعها نحو وحدات بديلة تؤسس على مبادئ جديدة. ماهي تلك الوحدات؟ وما هي تلك المبادئ؟ وكيف تؤسس؟ توجد أجوبة على هذه التساؤلات، أوعلى الأقل إن كانت الأجوبة المطروحة ليست مقنعة للحكومة تستطيع ان تتحرى غيرها مثلما إستشارت ” العديد من الخبراء والكفاءات” في قانونها هذا.

5- أو لنقل ان الحكومة أرادت مركزة صلاحيات إدارة وتنفيذ المشاريع لأنها تعتقد بعدم كفاءة المستويات الوزارية والتي دونها، حسنا تستطيع ذلك ،بالتأكيد، دون الحاجة الى إستحداث جهاز جديد. ومن المعروف لموظفي الدولة في الدوائر المالية والهندسية ان الصلاحيات أصلا متدرجة فلماذا لم يستخدم مجلس الوزراء تلك الصلاحيات لوضع الأمور في نصابها، ليأتي بعد هذه المدة الطويلة مكتشفا الحل عبر التخلي عن المسؤلية وتبرئة ساحة وزارة التخطيط والمالية واللجنة الأقتصادية لمجلس الوزراء وهيئة المستشارين ومستشاري الرئاسات الثلاث والعديد من اللجان في مجلس النواب ومجلس الوزراء و…، لينتظر العراقيون عقدا آخر… لأستحداث مجلس جديد للتخطيط أو التنمية الأقتصادية أو الخدمات أو … وهكذا.

6- في الفصل الثاني المادة الثالثة أولا مما يقوم به المجلس ” تهيئة وتصميم وتنفيذ وتسهيل وإدارة والأشراف على مشاريع المجلس وتحديد أولوياتها والتعاقد عليها وإحالتها الى التنفيذ والتشغيل مباشرة أو بالتنسيق …” في هذا النص تعدى المجلس كونه سلطة مالية موازية بل أصبح دولة موازية. ماذا تعمل الوزارات القطاعية إذن، وهل سيتولى، مثلا، المسؤولية المباشرة عن تشغيل

محطات الكهرباء والمصافي ومصانع البنروكيمياويات … والمدن الصناعية … بعد إنجاز المشاريع. وبالأشارة الى رابعا، من المادة اولا، كيف يتحمل مسؤولية تشغيل شركات القطاع الخاص التي تؤسس على مشاريعه المدرجة في الموازنة المفترضة للمجلس والتي تمول بالكيفية المبينة آنفا.

7- في نفس الفصل والمادة المهام الواردة من ثانيا الى تاسعا كلها واجبات فرضها الدستور والقوانين على مجلس الوزراء والوزارات ودوائر معروفة لماذا لا تؤدى بالأجهزة القائمة وهي كثيرة. ولا بد من الأيضاح بأية صفة يقوم المجلس بهذه المهام بديلا عن مجلس الوزراء أم بصفة استشارية إن كان بديلا عن مجلس الوزراء لماذا، وإذا بصفة إستشارية فما أكثرها دوائر التخطيط والدراسات ومراكز الأبحاث وهيئة المستشارين ووزارتي التخطيط والمالية … وغيرها. الأفضل أن جميع وزارات ودوائر الدولة واجباتها بموجب تكليفها القانوني وصلاحيتها، وهوالمقصود بالأصلاج الذي وعدت به الأحزاب والحكومات وليس نفض اليد مما هو قائم والتعويل على مستحدث جديد. كانت الكثير من الأفكار المتداولة في دوائر القرار اوقريبا منها مع تشذيب وتهذيب، هنا وهناك، وليس التوسع الأفقي في قمة الهرم الأداري. المطلوب استيعاب منتسبي أجهزة الدولة، لكافة مستوياتها ووظائفها، وتشغيلهم بكفاءة أعلى وبعدد أقل من مناصب الدرجات الخاصة لتركيز الجهود والخبرات وتحديد المسؤولية. أما استحداث أجهزة ودوائر جديدة فهو مناقض لشعارات الأصلاح بالصميم.

8- الفصل الثالث، المادةالرابعة، تشكيلات المجلس: المير التنفيذي بدرجة وزير وهو نائب رئيس المجلس الذي هو رئيس الوزراء. وأعضاء في المجلس ثلاثة وزراء، المالية والتخطيط والنفط وأمين عام مجلس الوزراء ، و” خمسة أعضاء من القطاع الخاص …”. على أي اساس من العرف أو التقليد أو المبادئ التي يُحتَكم اليها في الوظائف السيادية أن يكون في المجلس أعضاء من القطاع الخاص !، فالمجلس سلطة عليا وسياسية بطبيعته. فكيف يشارك أفراد من القطاع الخاص في هذه السلطة، هي حكومية بالتعريف. وهل يجوز لرئيس الوزراء إدارة مجلس نصف أعضائه من القطاع الخاص، وما معنى قراراته في هذه الحالة. يمكن ان يقال خبراء وحسب، أو أعضاء لا بشغلون عملا في الحكومة أو الأجهزة التابعة للدولة، أما تسميتهم من القطاع الخاص قطعا هذا لا يجوز، فضلا عن دلالاته الأخرى والتي تنطوي على الكثير من الأشكالات.

9- في نفس المسألة آنفا ، المدير التنفيذي بدرجة وزير، يرأس وزراء. عادة الوزير يرأسه نائب لرئيس الوزراء إن لم يكن رئيس الوزراء ، ويمكن أن يرأس الوزير وزراء آخرين بحكم الأختصاص، مثلا لجنة وزارية مختصة بشأن أصلا هو لوزارة المالية أو التخطيط في هذه الحالة يجوز لوزير المالية أو التخطيط رئاسة تلك اللجنة بحكم الأختصاص. أما موظف بدرجة وزير يرأس وزراء فهو خطأ، وربما يقال هذا إهتمام بالشكليات ومتى لم تكن الشكليات مهمة في الدولة. وأيضا المدير التنفيذي يعين من مجلس الوزراء ثم يصدر مرسوم جمهوري لأقرار التعيين، وهذا خطأ آخر كيف لشاغل موقع يرأس وزراء لا يصادق مجلي النواب على تعيينه. لماذا إذن الأنتخابات وما معنى الديمقراطية وهذا التطاحن بين الأحزاب.