توقعات العزوف عن انتخابات مجالس المحافظات

0
169

كتب / د . كمال حسين العبيدي …

الانتخابات هي الركن الشرعي في الديمقراطيات ، فصناديق الاقتراع هي الفيصل الحكم في قيام الناخبين باختيار المرشحين لإشغال المقاعد الشاغرة ، والتجارب الديمقراطية هي التي تعزز هذه الممارسات وكلما زادت المشاركة في الاقتراع كلما كان ذلك دليلا على نجاح وترسخ العملية الديمقراطية ، والاقتراع هو حق للناخبين ولكنه ليس واجبا يمكن فرضه بأي شكل من الأشكال لذا فان اغلب الانتخابات التي تجري في العالم قد تشترط حدود معينة لعدد الأصوات لإعلان أسماء او قوائم الفائزين او عدم تحقق بلوغ الحد الأدنى المطلوب من النسب والأعداد مما يدعوا لإعادة الانتخابات او خوض  جولات لاحقة ، ولان الحقوق تمنح للغير بتشريعات فانه لا يجوز التدخل في استخدامها مادامت هي حقوق ، ولهذا  فان الديمقراطية لا تشترط تحديد الحد الأدنى لعدد ونسبة المشاركين في الاقتراع ، إذ يتم القبول بنتائج الانتخابات بغض النظر عن حجم وعدد المشاركة الفعلية فالنتائج مقبولة إذا كانت نسبة المشاركة 99% او 10% لان الاقتراع حق والمواطن طليق في استخدامه دون ممارسة أي نوع من الضغوطات ، ولا توجد فروقات في القبول او عدم القبول إذا كانت المشاركة عالية وعدد الأصوات الصحيحة اقل بكثير من عدد المقترعين لان الفرق بين الاثنين ( في الانتخابات غير المزيفة ) أما أعطاء أوراق فارغة او التعمد في الوقوع بأخطاء مما يدعوا لإهمال بطاقات الاقتراع غير الصحيحة حتى وان كان الخطأ بسيط ، وقد يستغرب البعض من هذا الكلام فيقول كيف صدرت تعليمات من دولتنا تجبر الموظفين في الحصول على بطاقة الناخب البايومترية ، ولهم نقول إن الإلزام في هذا الأمر يتعلق بالحصول على البطاقة ومن حق الموظف أن يقترع او يمتنع لان ذلك منوط به فالبطاقة واجبة والاقتراع من حقوقه الانتخابية التي يفترض أن لا إكراه فيها قط .

ورغم ما ذكرناه فان انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات تعد من المؤشرات السلبية عندما تصل إلى أرقام متواضعة باعتبارها تؤشر او تشير إلى حالة من الخلل ، وعندما تأخذ منحنيات المشاركة منحنيات سلبية وتتجه نحو الانخفاض من ممارسة إلى أخرى فان الموضوع بحاجة إلى تحليل الأسباب وتحديد المعوقات لان الديمقراطيات السليمة من الأمراض يجب أن تأخذ أشكالا مستقيمة ( خطية ) او متصاعدة في نسب ومعدلات المشاركة لأنها تدل على نضج ديمقراطي ، وتزداد حاجة بعض الحالات لتحاليل اكسر عمقا عندما يكون هناك تباينا واضحا في نسب المشاركة بالاقتراع بين المناطق الجغرافية واختلاف القوميات والعرق والجنس وغيرها من المتغيرات ، وعند الحديث عن انتخابات مجلس النواب ومجالس المحافظات في بلدنا نجد تباينا في نسب المشاركة للسنوات 2006 – 2018 فرغم تحسن الوضع الأمني وزيادة البنى التحتية واللوجستية لمفوضية واحتواء هيكلها الإداري لأعداد كبيرة من الموظفين بمختلف الدرجات ، فان نسب المشاركة أخذت بالهبوط إذ يقال أنها كانت بنسبة 70% او أكثر في 2006 و2010 ولكنها انخفضت إلى اقل من هذه النسبة في عام 2014 ، ويقال أيضا إنها لم تتجاوز 30% في عام 2018 وهناك من يعتقد إن الرقم قد يكون 22% في آخر انتخابات ، والبعض يتوقع أن تكون النسبة اقل في انتخابات مجالس المحافظات التي من المتوقع أن تجري في عام 2019 ، والسؤال هو من المسؤول عن هذا الانخفاض في ظل وجوبية أجراء الانتخابات لان عدم إجرائها يؤدي إلى حدوث فراغ دستوري بموجب المواد العاملة في دستور العراق لعام 2005 سيما بالنسبة لانتخابات مجلس النواب .

والإجابة عن هذا السؤال ليست معقدة لدرجة كبيرة ، فاغلب الجهات المسؤولة عن إجراء الانتخابات تركز جهودها في إصدار قانون الانتخابات وتوفير الموازنات التي تحتاجها والشركات ومفوضية الانتخابات أكثر ما يشغلها ، الدول التي سيتم التعاقد معها في تجهيز متطلبات الانتخابات من الاستمارات والأحبار والأجهزة والمعدات والأنظمة أكثر من النظر إلى كيفية إقناع وتسهيل وتوفير متطلبات وصول الناخبين إلى مراكز الاقتراع والقيام بعمليات الاقتراع الفعلي ، وهناك أسباب عديدة تدعوا للاعتقاد إن نسبة المشاركة في انتخابات مجالس المحافظات ستكون اقل من نسبة المشاركة في انتخابات مجلس النواب لعام 2018 ، وأبرزها الشعور السائد بعدم أهمية مجالس المحافظات لان  اغلبها لم تقدم انجازات واضحة للسكان حيث يسود الاعتقاد بأنها مجالس للصراعات والتقاطعات والفساد ، كما إن البعض يشعر بالإحباط من نتائج انتخابات مجلس النواب التي سادتها بعض حالات التزوير والتلاعب بدليل تنحية مجلس المفوضين وإيكال مهمة الإدارة إلى مجموعة من القضاة ، ناهيك عن ما رافقها من حوادث في إحراق وسرقة عددا من صناديق الاقتراع  ووجود الكثير من الشكاوى الحمراء والاضطرار لاستبدال أعدادا كبيرة من النواب لوجود أخطاء في احتساب او توزيع  الأصوات وأمور أخرى لا نريد الخوض في تفاصيلها لأنها باتت معروفة للجميع ، والبعض يعطي إحكاما مسبقة عن نتائج الانتخابات بعد صدور تعديل قانون الانتخابات الذي يقضي بتقليص أعضاء المجالس إلى النصف واعتماد سانت ليغو 1,9 مما يعني سيطرة الكتل الكبيرة رغم تسجيل 208 حزب ضمن الانتخابات .

وذا أهملنا العوامل الأخرى التي تبرر العزوف عن الاقتراع في انتخابات 2020 بهدف عدم التشعب والإطالة في الموضوع ، فان الحالة التي تستحق التحدث عنها تتعلق بالمواطنين والذين يحق لهم الاقتراع ولكنهم سيحرمون منه بعلم المفوضية ( المستقلة ) للانتخابات وقد يكون ذلك بسببهم ممن تغيرت أماكن سكنهم عن الأماكن التي استخرجوا منها بطاقات الناخب والذين لم تسنح لهم الفرص لتحديث معلوماتهم إلى أماكن سكنهم الجديدة لعدم مراجعة مراكز التحديث المحددة أو الذين لم يتم نقل معلوماتهم من خلال معلومات بطاقتهم التموينية ، والبعض من هؤلاء انتقلوا من منطقة إلى أخرى داخل البلد دون أن يتم التحديث التلقائي أو من خلال مراجعاتهم الرسمية ، وعدم المراجعة قد يعود إلى ضعف الحملات الإعلامية إلي رافقت التحديث وان الفرق الجوالة لم تصل إلى كل المستهدفين لسبب أو لآخر ( عدا بعض النازحين ربما للاستحواذ على اصواتهم ) ، ولا توجد إحصائية متاحة حاليا لتحديد عددهم وتوزيعهم الجغرافي ولكنهم من الناحية العملية سوف لا يستطيعون الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات لوجود معلوماتهم في أماكن بعيدة في وقت التصويت ، ويزداد الأمر صعوبة كلما كانت المسافة بعيدة وفرض حظر للتجوال في يوم الاقتراع وعدم فتحه إلا لغايات إعلامية إلى لدرجة إنها تتحول إلى الاستحالة إذا كان مكان السكن الجديد في محافظات مغايرة أو في القرى والقصبات ، ومن الممكن تقليل عدد المحرومين عند عدم فرض حظر التجوال في يوم الانتخابات وتوفير وسائل للنقل بين المناطق ، ولكن سيبقى عدد غير محدود من المحرومين في حالتين على الأقل الأولى تتعلق بتوفر الرغبة في بذل الجهود والإنفاق للوصول إلى مراكز الاقتراع ، والثانية هي إمكانية الوصول بسبب محدودية وقت الاقتراع وبعد المسافة بين المسكن والمركز الانتخابي .

ان مفوضية الانتخابات أعلنت عن فتح مراكز لتحديث المعلومات لبطاقات الناخبين والسماح بنقلها من مكان إلى مكان ولكنها عبارة عن الكلام المكرر بدون افعال اذ ان هناك صعوبات في الاستدلال على أماكن ومواقع مراكز التحديث وعندما يجدونها ( بقدرة قادر ) فأنهم يتفاجأون بفتور التعامل وبطء وبيروقراطية الإجراءات وكأنه فعل مقصود لنفور الناخبين ، ومن المؤكد لمثل هذه الحالات هي حرمانهم من حق قانوني لأسباب لا يتحملون تبعيتها في بعض الحالات واستهدافهم من قبل من ينوي المتاجرة ببطاقات الناخبين لان الناخب في مثل هذه الحالة قد فقد قيمة بطاقته لأنها لم تعد قابلة للاستخدام باعتبار ان الناخب لا يستطيع الوصول لمكان التصويت لان عليه التصويت في مناطق رحل عنها منذ سنين ، ويعني ذلك من الناحية العملية إن الحملات الإعلانية الكبيرة التي تنفق من اجلها ألأموال الطائلة والتي تروج لموضوع التحديث تتعلق بالتحديث للمواليد الجديدة وليس لكل حالات ، وان المفوضية المستقلة للانتخابات قد أهملت شريحة المواطنين الذين لم تحدث بياناتهم بعمد أو خارج إمكانياتها رغم إن الموضوع لا يحتاج إلى تقنيات فائقة وإنما إلى بذل الجهود لتكامل العملية الانتخابية والعمل على خلوها من النقوصات والتقصير ، وهو موضوع يتطلب معرفة الأسباب ومحاسبة المتسببين إذ كيف يصرح دولة رئيس الوزراء ( السابق ) بإيصال عقوبة التلاعب بالبطاقات إلى السجن 15 سنة ، في حين إن من يتسبب بإبطال وإبقاء عدد غير معروف من البطاقات بدون استعمال دون معرفة مصيرها بدون إجراءات رادعة تتناسب وأهمية الموضوع ، ويتطلب الأمر من هيئة النزاهة أو أية جهة محايدة بان تقوم بإحصاء عدد من سيحرم من التصويت لهذه الأسباب ( بعد انتهاء الانتخابات ) لكي تتم المساءلة عن هذا التقصير بما يوازي الضرر الذي يصيب الناخبين .

ولأن انتخابات مجالس المحافظات حدد لها موعد معلوم في 2020 ولأن وقت التحديث لايزال قائما ولم ينته بعد ، فان المفوضية المستقلة للانتخابات مسؤولة من الناحية التخصصية والقانونية للإعلان عن مواقع وأماكن مراكز التحديث لكل المواقع بذكر المحلة والزقاق والنقاط الدالة لكي يستدل عليها المواطنين ويستطيعون مراجعتها والوصول إليها للتحديث ، ونحن نخص المفوضية بهذه المهمة لأنها من واجباتها ولكونها يجب أن تكون على الحياد بالاسم والمضمون ( مستقلة ) لان اغلب الجهات الأخرى قد تكون متحزبة وقد تكون منتمية إلى كتل وكيانات وهناك من يعتقد إن المشاركة القليلة في الاقتراع ستكون من مصلحة ممن لديهم جمهور وقواعد جماهيرية قادرة على المشاركة بأعداد كبيرة لان ذلك يؤدي للحصول على الكثير من الأصوات المباشرة وغير المباشرة بوجود سانت ليغو 1,9 ، فالمباشرة من جمهورها وغير المباشرة من الأصوات المشتتة للكتل الصغيرة التي لا تستطيع بلوغ القاسم الانتخابي للحصول على مقاعد في مجلس المحافظات ، وكل مقعد ستكون له قيمة كبيرة لان الحصول على مقاعد أكثر في ظل تخفيض عدد المقاعد إلى النصف سيسهم في سيطرة كتل وكيانات محددة على الأغلبية او التحالف مع كتلة أخرى للحصول على الأغلبية وحصاد المناصب المهمة كرئيس ونائب المجلس والمحافظ ورئاسات اللجان ، ويفترض بهيئة النزاهة والجهات العليا في الدولة أن تراقب البيانات الحقيقية الخاصة بتحديث البيانات بما يسمح بأعلى مشاركة ممكنة للناخبين وان يكون هذا الموضوع هو المعيار في الحكم على مدى كفاءة المفوضية ومدى ملائمة التحديث لإجراء الانتخابات ن عدمه ، إذ يفترض تأجيل مواعيد انتخابات مجالس المحافظات إذا لم تصل نسب التحديث إلى نسب معقولة لمنع التعمد في تعثر التحديث وانخفاض نسبها المعلنة لحد اليوم ، ويتوجب أن يكون الهدف النهائي هو إجراء انتخابات حرة ونزيهة لاختيار مجالس محافظات قادرة على إجراء الإصلاح والتغيير لخدمة شعبنا في المحافظات بعد أن اشر الكثير على عدم قدرة المجالس الحالية والسابقة على تقديم الخدمات ورفع مستويات الأداء في مختلف المجالات من جهة ولتعميق وتعزيز العملية الديمقراطية من جهة أخرى ، وديمقراطيتنا لم تقدم على طبق من ذهب لانها بنيت بدماء الشهداء وتضحيات العراقيين الشرفاء الذين لا يزالون يتطلعون إلى إحداث التوازن بين الحقوق والواجبات .