كيف حفظ المغربي قصيدة مظفر النواب؟

0
86

محمود الرحبي

كان يثير استغرابنا، في طفولتنا، أن نشهد حديثا بين مجموعةٍ من عمّال وفدوا من مشارب مختلفة. ونتساءل في دواخلنا عن السبب الذي يجعلهم يتفاهمون بهذه السرعة، بينما لا نفهم ما يقولون. سأكتشف الجواب لاحقا بسهولة: على الرغم من لهجاتهم الخاصة، فإنها كلها مجار تتغذّى من نهر لغة واحدة، أو أمّ رؤوم تحدب عليهم وتجمعهم في غربتهم.

أسوق هذا المثال، وأنا أستحضر ما راج، أخيرا، من دعواتٍ إلى مضاعفة الاهتمام بالإنكليزية، كما حدث في الجزائر، فهذا جيد ومهمّ، ولكنه يطرح سؤالا مهمّا أيضا: لماذا تظهر هذه النداءات في ظل التدهور الذي يشهده تعليم العربية في معاقلها؟ هل اهتممنا بالفصحى بما يكفي، لكي نولي اهتماما للّغات الأخرى؟ ويأخذ هذا الأمر، أحيانا، مسارا غريبا يثير السخرية، يتعلق بالاهتمام بالدارجة، وإعلائها إلى مرتبة الكتابة والتعليم، فنحن بذلك ننسى أنّ أصل هذه الدارجة هو الفصحى، مع فارقٍ أساسي، أن هذه الفصحى مُصفّاة ومقعّدة، طوال قرون من الجد والصراع والبحث، لكي تصلح لأن تكون لغةَ علم وكتابة. وحين ننشد الدارجة لغةً للتعليم والكتابة، فإننا نذهب إلى أحد مجاري هذه الفصحى غير المصفّاة وغير المقعدة، والتي تنتمي مباشرةً إلى لغة الشارع وفنّ الراب، مع احترامي طبعا للشارع وللفن.

المهمّ أنّ لغة الشارع ولغة هذا الفن مفتوحة، وغير مقيَّدة بضوابط وتقعيدات، ومعجمها غير مؤهلٍ لأن يكون لغةَ علم ومعرفة وتوثيق. وهو ما مرت به الفصحى، على امتداد قرون من التدارس والتأمل البلاغي والنحوي، لوضع نظرياتٍ وأسس وقواعد تجعلها اللغةَ الأسمى والأنقى والجامعة والمزوّدة لمجاري الدوارج. والأهم أن هذه الدارجة ليست سوى شكل من أشكال الفصحى، ولكنه غير مؤهل لأن يُكتب به أو يُدرَّس به. كما أن في كل بلد أكثرَ من دارجة محلية تستقي مفرداتها، بدورها، من نهر اللغة. نستطيع أن نفهم ونتواصل مع الدارجات، المصرية والمغربية والتونسية والفلسطينية واللبنانية والعراقية والعُمانية والأردنية والسورية والفلسطينية والموريتانية.. والفضل في ذلك يعود إلى الفصحى، إلى هذا النهر الكبير الذي استطاع أن يزوّد هذه المجاري بالمفردات المشتركة. وبينما لا يمكننا، مثلا، بدون دراسة ممنهجة، فهم لهجات أميركا اللاتينية، لغياب هذه المفردات المشتركة التي يرفدها النهر الكبير للغة. فمرة سمعت أستاذا جامعيا مغربيا يتلو، بمهارةٍ، هذه الأبيات الشعبية للشاعر مظفر النواب: “مرّينا بيكم حمد واحنا بقطار الليل/ واسمعنا دك كهوه وشمّينا ريحة هيل/ ياريل صيح بقهر صيحة عشك ياريل/ هودر هواكم ولك حدر السنابل كطا”..

لو لم تكن ثمّة مشتركات في الفهم، لمَا تمكّن الأستاذ المغربي من فهم كلماتٍ تنتمي إلى لهجة عراقية، أي أنه لو لم تكن كلمة “مرّينا” تقابل في الفصحى كلمة “مررنا”، و”بيكم” تقابل “بكم”، و”احنا” تقابل “ونحن”، واسمعنا تقابل “سمعنا، و”الجطا” تعني “القطا”، لمَا أمكنه فهم الكلمات، ولا سهُل عليه حفظها واستظهارها، لأن المفردات في أساسها تنتمي إلى ذلك النهر؛ نهر الفصحى الهادر الذي يزود كل المجاري بما تحتاج من زاد معجمي تداوليّ.

ثم كيف سنقرأ الشاعر الألماني هولدرن لو ترجم بالدارجة؟ مثلا، عبارته “ما يبقى يؤسّسه الشعراء”، وهو الذي كتب قصيدته لتفهمها جميع القوميات الألمانية، لأنه كتبها باللغة المشتركة الجامعة، بلغة النهر الهادر.

لستُ من المتعصبين للفصحى، لأن لدى الدوارج أيضا بلاغتها، وقد زوّدتنا بصور شعرية رائعة في حقول النبط والزجل. كما أن الدارجة هي مسار الكوميديا ولغة التداول اليومي، ولكنْ يجب أن نعي أنها ليست في عداءٍ أو فصام مع الفصحى، بل هي أحد فروع هذه الأم الرؤوم التي لم تكن يوما على عداءٍ مع أسئلتنا، بل هي ما يعيننا في حاجتنا الدائمة إلى البحث عن تمثلات لمشاعرنا وشواغلنا، عبر بلاغتها وجمالياتها. ولم يستقم وضع أي بلد ما لم يهتمّ بلغته الأم أولا، ثم ينفتح على اللغات الأخرى، وليس العكس، كما يحدث عندنا، حين نخشى على أبنائنا من عدم إتقانهم لغاتٍ أخرى، ولا نخشى عليهم، بالقدر نفسه، من عدم إتقانهم اللغةَ العربية.