الشتيمة – عقدة نفسية ؟ أم أكذوبة اجتماعية ؟؟

0
74

د. علي السعدي

ظهرت الشتيمة كإحدى ابرز مظاهر الأكذوبة وتمظهراتها ، باعتبارها (سلاحاً ) للتأثير في الخصم ، وذلك من خلال وضعه في حالة دفاع عن النفس ،فيكون امام خيارين :أما اللجوء الى الأسلوب ذاته في اختلاق الشتائم والصاقها بالخصم ، وعندها يتناوب الاثنان في صنع الأكذوبة ،أو ينسحب أحدهما من الجدال ويصمت ،عندها يعتبر صاحب الشتيمة / الأكذوبة انه قد كسب النزال.

من نماذج الشتيمة وصف المقابل بأوصاف نابية تتناول الطعن بالأعراض – وتنال النساء الحصة الأكبر كأخت أو أمّ من توجه اليه الشتيمة ،أما في التسقيط السياسي ، فتظهر الاتهامات بالعمالة والتبعية والتفريط بالشرف والجبن ،ومايلحق بها من أوصاف – الخ ) وكلها تصدر من نفسية بلغ التوتر فيها مداه وخرج عن نطاق العقل والموضوع ،وفي حالات كثيرة ،يلجأ مطلق الشتائم للاعتذار من المقابل بعد الصلح ، وهو اقرار ضمني بانه كان يستخدم الأكذوبة لتنفيس احتقانه ،ولم يكن يعني مايقول .

ويلاحظ في هذا الجانب ،ان الطعن بالأعراض والتنابز بالصفات الشخصية يظهر في الغالب عند المشاجرات بطابعها الفردي ،اما في الجدال ذي الخليفات السياسية ،فتضاف إليه الاتهامات بالوطنية أو التبعية أو الارتباط بجهات خارجية ، بهدف احراج الخصم ودفعه لزاوية يستهلك فيها نفسه لنفي التهمة ، فيما يستخدم المهاجم ذلك باعتبار ان رمي طينة على حائط نظيف ،ان لم تلتصق ،فإنها تترك اثراً – على قول المثل – ومن ثم تستخدم الأكذوبة هنا كسلاح في الصراع السياسي ،وقد تطلق على جهات مناوئة او منافسة – أحزاب أو قوى سياسية – بهدف اسقاطها وتشويه سمعتها .

ولأن الاكذوبة أكثر تأثيراً وأسهل انتشاراً ،وأقل جهداً ، لأنها تنطلق من المتراكم والخزين النفسي ،دون المرور بمرشحات الوعي ، الذي يحتاج الى صبر واكتساب معرفة بعد مران طويل ، لذا غالباً ما يلجأ اليها الاقل قدرة على ايراد حجّة ذات وجود فعلي ، فتبدو الأكذوبة عارية مقابل الحجّة المكتسية ، ليبدو الصراع بين ماهو عقلي برهاني ،وبين غرائزي /عدمي .

الشتيمة كإحدى اوجه الأكذوبة ،تجد شيوعها وتربتها في الأحزاب الايدلوجية عموماً ، وفي الحركات المتشددة ومعتنقي التطرف والميول العنصرية ، وفي التربية المنزلية التي يسودها هذا النوع من الألفاظ ، كما تلاحظ عند أصحاب المهن الصغيرة التي تتطلب احتكاكاً دائماً ومشاجرات ،وهذه الأخيرة تكون في الغالب فردية عابرة كجزء من ايقاع الحياة اليومية ، عكس التي تنتظم في احزاب وجماعات تصبح الشتيمة عندها جزء من خطاب تعبوي و(ثقافة) تتحول الى حائط صدّ بوجه الآخرين ، وتوفر من ثم (تربة) ملائمة لاستنبات هذا النوع من ( الثقافة) ،يمارسه كثيرون سواء بصفتهم الفردية ،أو الجمعية ، وهو مايفسر لجوء مثقفين من كتاب وأدباء واكاديميين ،لاستخدام الشتيمة رغم عدم انتمائهم لأحزاب كانتساب عضوية ،إنما (اكتساب) اسلوب توفره الأجواء السائدة .

لعبت مواقع التواصل ، دوراً لافتاً في شيوع (ثقافة) الشتيمة وانتشارها – بتعدد أشكالها- وقد تحولت واحدة من أهم مظاهر تلك المواقع و(هويتها) العامّة ، ولأن الشتيمة في ظل اجواء مهيئة لاستقبالها ،تكون الأكثر استقطاباً للاعجابات ، باعتبارها الأكثر لفتاً للانتباه ،ولأنها تخاطب الغرائز سهلة الاثارة سريعة الاستجابة ، لذا بات من النادر لجوء المدونين الى منشور يخلو من (شتيمة )أو وصف ناب ،يظهر ولو بمفردة واحدة على الأقل ،كما تسربت الى الفضائيات واصبحت سمة لبعض ضيوفها وتأكيدا لمواقفه وشخصه ،فوجد من المتابعين والمتبنين لذلك الأسلوب – بل والمدافعين عنه باعتباره من ضرورات تتطلبها المرحلة .