نسبة انجاز البرنامج الحكومي على مقياس ريختر

0
64

كتب / د. كمال حسين العبيدي…

مقياس ريختر عبارة عن مقياس كمي يقيس قوة الزلازل ويستفاد منه في تحديد قوة الموجة الزلزالية التي يتم رصدها ، و تبلغ عدد درجات مقياس ريختر 10 درجات إذ إنّه يتدرج من صفر إلى عشرة ، وفي البداية تم تصميم المقياس  لقياس الزلازل متوسطة القوة ، أي التي تترواح درجاتها بين 3  – 7، ثمّ تم تطويره نظر لحدوث زلزال أقوى في جنوب كاليفورنيا ، ويستطيع مقياس ريختر قياس الزلازل أصغر من قيمة الصفر أي ذات القوة السالبة ، وتعتمد الدرجات في هذا المقياس على اللوغاريتمات ، حيث تمثل زيادة درجة واحدة في المقياس زيادة على الواقع تُقدر بعشر أضعاف قوة الزلزال ، وزيادة في الطاقة تبلغ 31 ضعف الدرجة السابقة ، ولو كان لهذا المقياس إمكانية متعددة الأغراض لتم اختياره في تحديد نسبة او معدل او متوسط الحالات او المظاهر المعينة نظرا لدقته ودرجة الموثوقية العالمية العالية بنتائجه ، فاستخدام هذا القياس يقلل كثيرا من  الاجتهادات والمبالغة والتشكيك لأنه يعتمد  طريقة مجربة في القياس .

فلو كان مقياس ريختر ممكنا لقياس الانجاز والإخفاق لأوقف الكثير من الجدل و ( اللغط ) في تحديد النسبة المتحققة من تطبيق البرنامج الحكومي الذي اعتمدته  حكومة السيد عادل عبد المهدي عند تكليفه بهذا المنصب المهم والذي باشرته بداية تشكيلها ، فالمقربون من الحكومة يقولون إن نسبة الانجاز بلغت 79 % ، في حين إن أطرافا أخرى في ( المعارضة ) او خارجها يعطون أرقاما تشير إلى إن المتحقق لم يتجاوز 20% في أحسن الأحوال ، ولم يكتفي آخرون بوضع أرقاما متدنية للتطبيق بل إنهم راحوا يكيلون مختلف التهم لواضعي البرنامج من حيث درجة أهليتهم وخبراتهم ومدى معرفتهم بالاحتياجات والإمكانيات ، ووصف البعض هذا البرنامج ، رغم ما يتضمنه من صفحات يزيد عددها على المائة صفحة بأنه إنشائي وتكرارا للبرامج الحكومية السابقة والتي كان بعضها يمثل طموحا لا يمكن بلوغه في ضوء واقع الأداء الحالي ، ويمكن لأي متابع للشأن الحكومي ملاحظة إن الاهتمام بتقدير وتقييم ما تم انجازه من قبل الحكومة الحالية هو أكثر بكثير مما كان يوجه من لوم وعتاب ونقد للحكومات السابقة ، والبعض يعلل ذلك إلى ثلاثة أسباب على الأقل ، أولها ما وصلت إليه مضامين وتفاصيل الحياة من تدني حيث تمثل تراجعا واضحا يتطلب المعالجة ، وثانيها إن البلد يمر بظروف أفضل ( نسبيا ) من الظروف التي مرت بها الحكومات السابقة من حيث السيطرة على الوضع الأمني واستقرار او تصاعد إيرادات النفط وخصوصا في الستة أشهر الأولى من عمر الحكومة ، وثالثها إن حكومة عبد المهدي لم تكون حكومة الأغلبية وإنما تم الاتفاق عليها من قبل بعض الكتل التي شكلت أغلبية للاختيار والتصويت ، مما يعني من الناحية العملية إن نقد و انتقاد او استجواب او سحب الثقة من الحكومة الحالية هو أكثر يسرا واحتمالا من الحكومات السابقة رغم إن إجراءاتها تمر بذات المراحل التي نص عليها الدستور .

وفي تطور لتداعيات هذا الموضوع ، أعلنت لجنة مراقبة البرنامج الحكومي النيابية ( الخميس) إن نسب انجاز البرنامج الحكومي قد بلغت 36%، فيما كشفت عن النية لا استجواب رئيس الحكومة السيد عادل عبد المهدي ووزرائه بعد انتهاء عطلة الفصل التشريعي ، وقالت اللجنة في مؤتمر صحافي عقدته في مبنى مجلس النواب حول الإعلان الرسمي عن التقييم للتقرير الحكومي النصف سنوي ونقلت تفاصيله وكالة ( المعلومة) بان  اللجنة أعلنت إنها ناقشت التقرير الحكومي بشكل تفصيلي و لديها معطيات واضحة عن مستوى التنفيذ الحكومي للمشاريع ، مؤكدة انها ستعرض التقرير على رئاسة البرلمان وسيقرأ تفصيليا في بداية الفصل التشريعي القادم ، وأضافت اللجنة إن نسبة الانجاز الحكومي بلغت 36 ‎%‎، وان التعكز الحكومي على الوضع الأمني في بعض المناطق غير صحيح ، مبينة إن معظم فقرات البرنامج الحكومي استنساخ للبرامج السابقة إذ  تلكأت بالعمل به ، فنسب الانجاز 100‎%‎ لبعض فقرات البرنامج الحكومي غير واقعية نتيجة عدم لمس ذلك سواء على قطاعات الصحة والتموينية والطرق والمشاريع البلدية ، وتابعت إن الأهداف المتحققة بالبرنامج أهداف مرحلية لم يلمس منها المواطن شيء كتحقيق رفاهية للمواطن العراقي الساكن خارج البلاد ، كما إن الادعاء ما تحقق في وزارة الدفاع بنسبة 100‎%‎ غير صحيح وتستغرب اللجنة ذلك لان الوزارة كانت بلا وزير أصلا ، ولم توضح الحكومة مبالغ الكلف الكلية للمشاريع ولا يحتوي التقرير أي شفافية مالية ، ولفتت اللجنة إلى  غياب الرؤية الاستراتيجية الكاملة في تنفيذ البرنامج لان الحكومة لم تلتزم بإصدار تقارير نصف شهرية عن الانجازات وهذا خلافا لالتزامها لنفسها، مؤكدة أن البرنامج الحكومي كان إنشائياً وبعيدا عن الحلول الواقعية ولم يقدم البرنامج الحكومي رؤية اقتصادية للسوق واعتمادها على النفط كمصدر تمويل كسابقاتها .

وبعيدا عن الأضواء والبروتوكولات والاعتبارات الرسمية وقريبا من الشارع العراقي ، نشاهد يوميا عشرات اللقاءات التي تبثها القنوات الفضائية او تنقلها الصحافة المكتوبة والالكترونية وتتداولها وسائل التواصل الاجتماعي التي تشير إلى ازدياد صعوبات الحياة وضعف مقدرة الكثير في الإيفاء بمتطلبات الكفاف رغم إننا بلد نفطي وصادراتنا النفطية تزيد عن 3,5 مليون برميل يوميا ، ومن الناحية النظرية فان بلدنا مؤهل ليتحول إلى بلد منتج في مختلف القطاعات الاقتصادية لتوفر الموارد البشرية والمياه والأراضي والبيئة الجيدة إلى حد ما وتعطش الأسواق للمنتج المحلي ، ولكننا من الناحية الفعلية نعاني من عجز في الموازنة وتضخم في الإنفاقات لدرجة إن صندوق ألنقد الدولي بات يعلم العراق عن حجم الزيادة بإنفاقاته بصوت عالي متوعدا باتخاذ مجموعة من الإجراءات إن لم تباشر الحكومة فعلا بالإصلاحات الاقتصادية التي تزيد من الناتج المحلي (عدا النفط ) وتحدث توازنا معقولا في ميزان المدفوعات . ويتوقع المتابعون لشاننا المحلي بان الأيام القادمة ربما تشهد مزيدا من صور الاحتجاج على عدم تطبيق البرنامج الحكومي او ضعف فاعليته ، حيث تجيز القوانين المحلية تنظيم الاعتصام والتظاهرات السلمية ، كما أجازت المحكمة الاتحادية في قررارتها الأخيرة تكوين المعارضة السياسية وانتقال أعضاء البرلمان بين الكتل ، وهذه القرارات من شانها أن تجد أغطية قانونية لإحراج الحكومة إن لم تسير بالاتجاه الذي يتماشى مع أهداف وغايات المعارضة ، وهو ما يتطلب التعجيل في اتخاذ القرارات الجريئة وليس التأجيل وإعطاء الوعود ، فهناك أكثر من 5000 موقع إداري وقيادي بحاجة إلى التغيير لإحلال الكفاءات بدلا المحاصصة و( العطلات ) والصعود على أكتاف الغير ، كما إن هناك قوائم بالفاسدين والمفسدين متروكة في الإدراج ومرتكبيها يعيشون في النور دون إجراءات رادعة لإعادة المال المنهوب والاقتصاص منهم بموجب القضاء .

لقد توعد قادة ورموز في العملية باتخاذ إجراءات مهمة بعد مرور السنة الأولى من عمر الحكومة إن لم يشهد البلد تغييرا ملموس ، وتكاد تلك السنة أن تنتهي والحكومة ليست جامدة ولكن البعض يعتقد إن إيقاع أدائها ليس بالمستوى المطلوب ، ورغم إن السنة الأولى على وشك الانتهاء فان العمل بالوكالات هو ما يسود كما أن منصب وزير التربية لايزال شاغلا وهذا لا يتعلق بأهمية وجوده في الوزارة ومصير البلاد ولكنه مؤشر عن بطأ الإجراءات ، وعند تشكيل الحكومة الحالية قالوا إن هناك عددا من الوزراء لا تنطبق عليهم شروط إشغال المناصب التي هم فيها   لأسباب متعددة وقد وعد رئيس مجلس الوزراء باستبدالهم فيما بعد لأنه أبقاهم لتوفير النصاب القانوني لتشكيل مجلس الوزراء ، ورغم إن أسماء الوزراء لا يعرفهم الجميع ولكن السياسيين يعرفونهم وهم (الوزراء ) يعرفون أنفسهم مما يعني إنهم من المستحيل لن يعملوا بكل طاقاتهم لكونهم على وشك الاستبدال ، ومن المسلمات في هذا الزمان إن ابسط إنسان عراقي يعرف الكثير من التفاصيل السياسية والسيادية رغم إنها لا توفر له رغيف الخبز ، وان بقاء الشعب على معرفة بخفايا الأمور من دون تغيير ينقذ الفقراء والمساكين وعموم الشعب من الحرمان ، ربما يولد حالة من اليأس واللامبالاة وجميع نتائجها ليست مفيدة لا في الوقت الحالي ولا مستقبلا ، مما يستدعي أن تنهض الأجهزة الحكومية بمهامها وتنشأ قوة في العمل والإنتاج كالقوة التي أنتجت في الحشد الشعبي والتي اختبرت في الدفاع عن العراق وتحقيق الانتصارات ، ولكي نحس جميعا بالتغيير الايجابي الذي سيحصل فلابد أن نضع مقاييس صحيحة للتقويم لا مجرد تقديرات وأحلام اليقظة ، فنحن بحاجة لقياس تقدمنا او تراجعنا  بمقاييس لا تقبل التأويل والتهويل كمقياس ريختر الذي لا غبار عليه منذ نشأ وحتى اليوم .