جمهورية العراق — الكردية

0
105

كتب / د. علي السعدي…

بعد أيام من سقوط نظام صدام، وعند دخوله الى بغداد بعد سنوات من الغياب عنها ، عبّرأحد قادة الأكراد البارزين عن ذلك بقوله “هذه هي بغداد، أكبر مدينة كردية” وقد استبشر سامعوه خيراَ باعتبار أن كلامه جاء دليلاً على مقدار تمسك الرجل بعراقيته وببغداد عاصمة له، وما كادت تمرّ بضعة أشهر آخرى، حتى أطلق القائد ذاته مقولة “كل من لا يتكلم الكردية فهو خائن ” ولم يوضح عندها، إن كان يقصد الأكراد وحسب، أم العراقيين جميعاً.

لكن وبعد التوقيع على وثيقة ما سمي بقانون إدارة الدولة المؤقت في العراق ، والذي جاء مستجيباَ لطموحات ومطالب ذلك القائد بأجزاء مهمة، صار بالإمكان النظر الى المغزى الحقيقي الكامن وراء تلك التصريحات ، كيف ؟

لا شك أن النزوع البشري نحو التفاضل على الآخر وطلب التمايز عنه أو الغلبة عليه، هو مكون فطري أساسي للجماعات كما للأفراد، لذا تجهد الشعوب والجماعات في البحث عن شتى السبل إرضاء لذلك النزوع وتأكيداً له ، تارة بمقولات تضفي عليها معتقدات دينية، وطوراً بعراقة ثقافية أوبسالة حربية أو ما شابه ، فالعرب اختصهم الله بنزول القرآن بلغتهم ” إنا أنزلناه قرآناً عربياً ” وبنبي كريم أرسل مبشراُ ونذيراً للناس أجمعين وبه ختم الأنبياء، والأتراك أحفاد الفاتحين العظام وخلفاء بني عثمان الذين حكموا أكثر من قرون خمسة كانت كلمتهم فيها هي السائدة، أما الأكراد فهم من الجنس الآري النبيل المؤيدين من أعظم الأمم – أمريكا – المكلفة بوعد إلهي بإعادة هندسة العالم والمتحالفة بدورها مع اليهود أول من عقد عهداً مع الله ( حسب قولهم )… وقس على ذلك.

وباجتماع هذه الاعتبارات التي تجد دائماً أساليب متعددة للتعبير عن نفسها والظهور في عالم السياسة وفن إدارتها، لعب كل من الأطراف المختصة بالشأن العراقي ما توافر لديه من أوراق، بعضهم بحساب متوازن ووضوح رؤية ، وبعضهم بارتباك وتعثر، وكما هو المتوقع، فقد خرج “ملوك الطوائف” العرب من هذه المعركة وهم الأقرب الى الخسارة ، فوطنهم صار مهدداُ فعلياُ بخطر الانقسام ، ولغتهم أصبح لها شريك رسمي ، أما عروبة العراق فقد اكتفوا منها بداية ، بذكر أن الشعب العربي في العراق هو جزء من الأمة العربية ، كما سلخت أقضية ونواح عديدة من محافظات الموصل وديالى وكركوك بعد أن هجر منها مئات الألوف من سكانها العرب ، لتضم لاحقاً الى الإقليم الكردي ، وانحسرت العربية أو اختفت بالكامل من مناطق شاسعة في الشمال “العراقي” كي تستكمل مقومات الدولة الكردية الخالصة .

وعلى هذا يبدو الأكراد وكأنهم الطرف الوحيد الذي خرج رابحاُ ، لقد أجادوا اللعبة فعقدوا تحالفات وأرسلوا إشارات ومبادرات مختلفة واستثمروا كل ما يمكن توفيره – واقعاُ أو افتراضا ـ بحدوده القصوى ، ليفوزوا من ثم بالجائزة الكبرى ويتركوا للآخرين جوائز الترضية ، لكن على ماذا بنى كل طرف حساباته؟ وكيف جاءت النتائج على ماهي عليه؟ والى أين سيؤدي كل ذلك في خاتمة المطاف؟

لنبدأ اولاُ من قراءة المفردات التي جرى اعتمادها للتعبير عن واقع العراق، فهو متعدد القوميات تارة وثنائي القومية أخيراً ، أطرافه الرئيسية ثلاثة: الكرد – السنة – الشيعة ، ولما كانت المفردة مفتاحاً للتقييم ، فإن اعتمادها على هذه الصورة يحمل قدراً من المفارقة ، ففي حين يحظى الطرف الكردي بتعبير قومي صرف ، يجزأ العرب الى طرفين مذهبيين غيبت تسميتهم القومية ، وهذا ما يناسب جميع أصحاب الغايات ، ذلك لأن الحقائق تشير أن العراق مكوّن من قومية كبرى هي العربية، حيث يشكل المنتسبون اليها ما يقرب من 80 % من مجموع السكان ، فيما تتوزع ال 20 % الباقية ثلاث قوميات أكبرها الأكراد ثم التركمان والكلدو آشوريون، ومن الطبيعي والحالة هذه أن أكثرية بهذا الحجم هي التي تمنح للبلد المعني هويته ولغته وتوجهاته السياسية والثقافية ، مع الضمان التام لحقوق الأقليات القومية الأخرى باعتبارهم مواطنين كاملي الإنتماء ومتساوين أمام القانون وفي الدستور.

إن بديهيات العمل السياسي تتطلب حداً أدنى من الموضوعية ، وفي العراق كانت الموضوعية تقتضي اعتماد أحد المعايير التالية :

1- المعيار القومي وهذا لا يسمح بإقرار قانون كالذي جرى التوقيع عليه لعدم التكافؤ العددي .

2- المعيار المذهبي ، وعندها فلا داعي لمنح الأكراد امتيازات حصرية كالتي حصلوا عليها ـ لغة رسمية وجيش خاص وبرلمان وحكومة إقليمية وسواها

3- المعيار الوطني الذي يحفظ حقوق الجميع ويساوي بين الجميع وهو الأسلم والأكثر قوة وديمومة .

لكن الأمور جرى توليفها بانتقائية تستجيب لحاجة معينة يتم التأسيس عليها لاحقاً كنموذج صالح للتطبيق في أماكن أخرى من المنطقة ، سوريا – تركيا – إيران ، بالنسبة للأكراد مثلاُ ، وعليه فقد رسمت “السيناريوهات” بحيث يحصل أكراد العراق على اعتراف رسمي بكيانيتهم وبأن اتحادهم مع العراق هو اتحاد طوعي قابل للانفصال ، الذي إن حدث فسيتم عندها بشكل قانوني وتحت حماية دولية ، لكن الى أن يحين الوقت الذي تستكمل بقية الأجزاء الكردستانية الحصول على وضع مشابه لما هو قائم في العراق ، فإن العباءة العراقية ملائمة تماماُ للتغطية المرحلية ، أما إذا تعذر إقامة كردستان الكبرى لأي سبب، فالخطة البديلة هي حكم العراق بأكمله ، ولم لا ؟ فقد آن الآوان لانبعاث الكرد كأمة ، حاكمة في العراق ومؤثرة في الجوار.

لقد تولى حكم العراق بويهيون وصفويون وسلاجقة ومماليك وأتراك ، وكلهم عمل على طبع العراق بميسمه الخاص، وليست بعيدة تلك العهود التي كانت إجادة اللغة التركية ، هي جواز المرور الوحيد للسلطة والجاه والنفوذ والوظيفة ، ثم إذا كان “صدام” قد نجح في “تكرتة” العراق وحزب البعث طوال أكثر من ثلاثة عقود ، وقد تم له ذلك بمساعدة أمريكا ورعايتها قبل أن تنقلب عليه لخطأ في الحساب وتعارض في المصالح ، فلم لا يعيد التاريخ نفسه بصيغة أفضل ، مع تغيّر الأدوات وتلافي الثغرات السابقة ؟ فتحلّ كردية اليوم محل تركية الأمس، والبعث الكردي بديلاً للبعث العربي ؟

كما يتم ربط العجلة العراقية بالمصالح الامريكية بشكل محكم وثابت، أما مسألة الصلح مع إسرائيل ، فهي تحصيل حاصل بعد أن توثقت الروابط “الأخوية” بعودة آلاف من اليهود الأكراد من إسرائيل وتمركزهم في محافظات الشمال الكردية إضافة الى بغداد والموصل وكركوك وغيرها، مع قيامهم بنشاط مكثف على مختلف الصعد دفعاً لقيام الدولة العتيدة ، كما يجري الإيحاء الى أكثر من نظام عربي بأن سيطرة الأكراد على العراق، هو الشكل الأمثل لإستمرار حكم “السنة ” وبالتالي منع الشيعة من الإستيلاء على العراق مع ما يستتبع ذلك من أخطار تطال النظام العربي برمته0

هذا هو مضمون التوجه والرؤية الكردية التي حققت بعض نجاحاتها استناداً الى خلق “دفرسوار” في الجسد العربي أدت اليه مجموعة من الأخطاء السياسية الاستراتيجية التي ارتكبها أكثر من طرف على الساحة العراقية ، يأتي الشيعة العرب في المقدمة منها ، فقد كانت الفرصة سانحة امامهم لإجراء مصالحة شاملة مع السنة العرب وترسيخ أسس خطاب وطني جامع ومتماسك ، خاصة مع توفر أكثر من مشترك بينهما ، منها عدم الاستعداد للتفريط بوحدة العراق ، والشعور الموحد بالهوية الوطنية ، والأصول العشائرية والاجتماعية المتقاربة وغيرها من العوامل التي كانت تفرض على الشيعة عدم الانجرار وراء مغريات الخطاب المذهبي باعتباره تمييزاً لأكثرية لها حقوق مطلقة ، وتغييب العروبة في التوجه والسلوك ، الأمر الذي أثار حفيظة السنة وجعلهم يبحثون عن مكافئ مذهبي مع الأكراد لإقامة التوازن ، وعليه حصل ذلك الخرق الذي جرى العمل على توسيعه من قبل جهات عدة ، انطلاقاُ من حقيقة الصعوبة الكامنة في زعزعة الجسد العراقي إذا كان هيكله العربي سليماً .

لقد واجه العراق ثلاث مشكلات داخلية رئيسية إضافة الى الأخطار الخارجية ، برز ذلك بالطموح الشيعي للاستئثار بالسلطة تحت شعار الأغلبية ، والخوف السني من الإزاحة والتهميش ، والجموح الكردي نحو الانفصال أو الهيمنة ـ بالرغم من الادعاء بعكس ذلك – ، لكن التطورات اللاحقة محلياً وإقليمياً ، كشفت جملة من الحقائق سيكون لها انعكاساتها على مواقف الأطراف العراقية ، فالشيعة وصلوا الى قناعات مفادها : أن الأكثرية يجب أن تكون سياسية لا مذهبية ، وهذا يتطلب تراجع الطروحات المذهبية والانفتاح الكامل على بقية المكونات العراقية ، وبالتالي سلوك الطريق الوحيد الممكن والصائب في ظرف كهذا ، وهوما سينعكس بدوره على مواقف العرب السنة الذين سيجدون أن الأمور بدأت تأخذ منحاها الوطني الطبيعي ، وهوما سيبرز دورهم كمساهم فعال في إدارة دفة الدولة و قيام التحالفات السياسية وضبط إيقاعاتها المتنافرة ورأب الصدع في مفهوم الهوية الوطنية ثم إعادة صياغتها على اسس جديدة وغيرها من مهام سينخرطون في إنجازها بفاعلية.

أما الأكراد ، فأن النشوة الأولى التي أدت الى مظاهر فرح تخللها إحراق العلم العراقي ، سرعان ما سيخف منسوبها بشكل ما لتتراجع ربما الى حدود المطالب المعقولة ، ذلك لأن تهديدهم المبطن بالانفصال عن العراق ليس واقعياً في المدى المنظور ولا يستطيعون الإقدام عليه ، وحلم دخول التاريخ للقادة الكرد ، أمامه عقبات ومنزلقات صعبة، فما حدث في سوريا وإيران من جسّ نبض للتماثل مع أكراد العراق وكيف جرى التعامل معه ، كان مؤشراً بليغاً أن المسألة العراقية لا يمكن استغلالها وتمددها الى الجوار، والمظلة الأمريكية ليست غير قابلة للاختراق أو حتى الانكشاف ، وعليه فلأشيء يمنع أن يكون الأكراد ربما وقعوا مرة أخرى ضحية للمتغير في الأولويات الأمريكية أو الدولية التي لم يحسبوا حسابها جيداً ، وإن بدت الأمور بالنسبة اليهم سائرة في الظاهر الى ما يطمحون .

ان اللحظة التاريخية اليوم تمثل منعطفاً حاداً بالغ الدقة والحرج ، وأي خلل أو ارتباك في قراءتها وفهم أبعادها ، ستكون له انعكاسات مستقبلية لا تقل ضرراً عن الماضي القريب ، أما محاولة النفاذ من التعارضات أو حتى استثمارها لمصلحة فئوية خاصة ، فهي أيضاً لعبة خطرة وليست محسومة نتائجها سلفاً .

الخلاصة مما تقدم ، ان اللعبة مازالت في بدايتها ، والميدان العراقي مفتوح على مصراعيه لترمح فيه مختلف الخيول وكلها تريد تثبيت فوزها أو نيل نصيبها من الفوز كي لا تخرج خاسرة ، وإذا كان القانون والدستور المصوت عليه ، قد نظم شروط اللعب وحدد المساحات المفترضة ، فمن نافل القول: إن النصوص قد لا تعني شيئاَ إذا لم تتطابق والنية في تجسيدها واقعاً وممارسة ، أما بخصوص ماورد أعلاه بالنسبة للأكراد ، فيمكن إستخراجه من حيثيات ومضامين سيل التصريحات والمقولات والدعوات التي بدأت القوى الكردية طرحها بشكل صريح ، وأهمها حق تقرير المصير واختيار نوع العلاقة مع العرب التي يبدو أنها أنها تطمح أن تكون أكثر من مجرد ” فيدرالية ” إذا سار كل شيء على ما يرام ، لكن يجب الإنتباه الى إتجاه الرياح التي ربما جرت “بما لا تشتهي السفن”