ماذا أنتجت الجولات الخارجية للرئاسات الثلاث ؟!

0
123

كتب / د. كمال حسين العبيدي…

حين كان السيد هوشيار زيباري وزيرا للخارجية ، اتبع تقليدا يتضمن عقد لقاءات دورية مع رؤوساء الصحف والمواقع الالكترونية المحلية ، وليس الغرض من تلك اللقاءات تحويلها الى مؤتمرات صحفية  وإنما لاطلاع المدعوين بآخر المستجدات في الوضع السياسي العربي والإقليمي والدولي ، ولان تلك اللقاءات كانت ودية أكثر من كونها رسمية باعتبار إن الصحافة بعد عام 2003 ليست حكومية وهي مسيسة او مستقلة فقد كانت الفرص متاحة لطرح مختلف الأسئلة وهي غير ملزمة بالنشر وإنما هدفها هو التعريف بمواقف العراق من مختلف الأحداث ومن خلال الوزير المعني باشأن الخارجي ، وقد كان زيباري لا يمانع من طرح أي سؤال ويقوم بالإجابة عليه من دون حرج او عتاب ليس لأنه (سبورت ) بل ليعرف حقيقة ما يدور في الشارع لأنه بعيدا تمام البعد عنه ، وقد استمر هذا التقليد لأشهر عديدة ولكنه انقطع بعد تعرض مبنى وزارة الخارجية للتفجير الإرهابي المعروف للجميع ، قد وجدنا من خلال تلك اللقاءات إن الخارجية العراقية تواجه مشكلة غاية في التعقيد رغم طول فترة استيزار زيباري بالخارجية وعلاقاته الواسعة مع مختلف دول العالم ، وفحوى هذه المشكلة إن خطاب الخارجية لم يكن موحدا لان ( الوزير ) كان يتفاجأ بقيام سياسيين عراقيين بعقد اتفاقات ومشتركات او تقاطعات رغم إن وزارة الخارجية ليس لها علم بأغلب التفاوضات والزيارات التي كانت تجري وكأن للعراق أكثر من وزير خارجية ، وفي إحدى المرات علق احد الزملاء على تذمر الوزير مازحا ربما إن السبب يقع عليك لأنك قليل الحضور إلى جلسات مجلس الوزراء كونك كثير الأسفار ، كما علق آخرا قائلا له إن هناك من يعتقد انك تهتم بالعلاقات الخارجية لإقليم كردستان ة ولهذا يشغل الآخرون الفراغ الذي تتركه عن الشؤون الخارجية للعراق ، ولم ينزعج من تل التعليقات ولكنه كان يرد مبتسما وهو يردد إن تلك الأدوار   تترك انطباعا للآخرين بان الموقف الوطني ليس موحدا دائما في كل المواضيع ، فهو لم  يمانع أن يتشارك معه الجميع على أن يتم الاتفاق على وحدة الموقف لأغلب المواضيع .

وما ذكرني بتلك اللقاءات ليس  تمجيدا بالسيد زيباري الذي نكن له الاحترام كما إنها ليست وجبات الغداء الفاخرة التي كانت تقدم أثناء تلك اللقاءات  والتي كانت  تصاحبها جولات للنقاشات على مائدة الطعام ، ولكن الأمر الواضح للعيان حاليا من حيث كثرة الزيارات التي تقوم بها الرئاسات الثلاث ( رئيس الجمهورية ، رئيس مجلس النواب ، رئيس مجلس الوزراء ) إلى الدول العربية والإقليمية والدولية ، واغلب تلك الزيارات بدون مقدمات حيث نسمع من وسائل الإعلام بمغادرة او وصول وعودة وفود من هذه الرئاسات وبشكل مكوكي وهي تركز على دول بعينها او تمتد لدول أخرى في كل البقاع ، ومعظم هذه الزيارات قصيرة الاجل ومفاجأة والبعض منها مكررة كأن يقوم رئيس الجمهورية بزيارة الأردن وبعده بمدة يذهب رئيس الوزراء ثم يذهب رئيس مجلس النواب ، ويتكرر الأمر نفسه في زيارة الكويت وتركيا وإيران وغيرها من الدول التي تشملها الزيارات ، ولقصر فتراتها فغالبا ما نسمع تعليقات من البعض تتضمن تساؤلات فحواها إذا كانت هذه الزيارات قصيرة ولمدة يوم او يومين فلماذا لا يتم انجازها بوسائل الاتصال والتواصل الحديثة بدلا من تحمل عناء السفر بتكاليف باهضة  ومردودها الواضح هو العناق ، وفي أحيان  كثيرة يتم توجيه الدعوات لرد الزيارات فتلبى الدعوة ويبدأ الإحراج لان مراسيم الاستقبال غالبا ما تتم في المنطقة الخضراء وليس في مطار بغداد الدولي أما لدواعي أمنية او لاختصار الوقت وتبسيط الإجراءات ، وكشعب لا يحق لنا التدخل في شؤون الزيارات الرئاسية لأنها لأغراض سيادية وهي من الخيارات المتاحة لتحقيق مصالح العراق في مجال تقديم الدعم المادي او المعنوي او لدرأ الخطر ، باعتبار إن بلدنا يسعى لبناء علاقات متوازنة مع مختلف دول المعمورة لكي لا نكون بعزلة كما عاشها النظام البائد الذي شهد ضعف التزاور الرئاسي مع البلدان بسبب الحظر الاممي وأمور تتعلق بسياسات النظام في علاقاته مع الغير .

وإذا كان المواطن لا يحق له التدخل في شؤون تلك الزيارات ، فمن حقه أن يعرف عن أسباب وجدوى تلك الزيارات ونتائجها وما جناه البلد منها وما تم التوصل إليه من اتفاقات ، فتلك الزيارات ليست فردية فغالبا ما تكون هناك وفود ترافق الزائرين من المسؤولين او السياسيين ومن المؤكد إنها حققت العديد من النتائج و الأغراض التي خططت لأجلها ولكن اغلبها تخلو من التغطيات الإعلامية والتحقيقات والرسائل الصحفية عن تفاصيل تلك الزيارات عدا ما يعلنه رئيس الوزراء أحيانا في المؤتمرات الصحفية الأسبوعية ، ومرة سألنا وزير الخارجية (الأسبق ) عن أسباب خلو الوفود الرسمية من مرافقة الصحفيين او ضعف التغطيات الإعلامية لوفودنا ، فأجاب إن السبب هو إلغاء منصب الملحق الصحفي لان كان من يرشح لشغل الموقع وزارة الإعلام ، وبعد تحول الإعلام إلى حر وإلغاء الوزارة فقد ولدت خشية من أن  يعبر الصحفي الموفد عن وجهة نظر الجهة التي يمثلها والتي قد تتقاطع مع التوجهات الحكومية ، وعند سؤاله عن أسباب عدم الاستعانة بنقابة الصحفيين لترشيح مرافقين في تلك الزيارات أجاب  بان هناك أكثر من نقابة وجمعية للصحفيين والاختيار من واحدة سيعدونه تحيزا ربما يخل بالشفافية ، والشيء الذي يشغل المواطن يتعلق بالتداخل بين بعض الزيارات بشكل ربما يتعارض مع اهتمامات واختصاصات الرئاسات التي نص عليه الدستور وبعضها تنتهي بمذكرات تفاهم او بيانات وليس اتفاقات واجبة التطبيق حسب المواعيد والتوقيتات ، وفي كل الأحوال فان من دواعي الفرح والسرور أن تكون لبلدنا علاقات ايجابية وفاعلة مع جميع دول العالم على وفق مبادئ التوازن والمقابلة بالمثل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وهي من واجبات وزارة الخارجية أولا ، والمواطن لا يحسد أحدا على تلك الزيارات حتى وان تم حشره مع الوفد ولكنه يتطلع لكي يتلمس نتائج تلك الزيارات في المجالات السياسية والاقتصادية لتحقيق المنافع للطرفين وليس التعامل مع العراق على أساس تحقيق المصالح وكأنه ( حاشاه كبقرة حلوب ) ، فالمواطن يتابع و يحصي كم دولة أعفت العراقيين من الفيزا عند زيارتها من قبل العراقيين وكم دولة فتحت أسواقها للمنتجات العراقية وكم دولة حققت التوازن في ميزان المدفوعات من خلال السلع والخدمات عدا صادرات النفط والغاز ، وعلى فرض إن تلك الزيارات الكثيرة لم تأتي أفلها في أن تعطي الدول للعراق مثلما يأخذون منه (لاسمح الله )، فان الشعب سوف لا يمانع أن تسافر تلك الرئاسات الثلاث والوفود التي ترافقها لحل المشكلات العالقة ، كأن يتم السفر إلى أية دولة لحل مشكلة تعيين وزيرا للتربية بعد مرور قرابة العام الأول على تشكيل الحكومة ، او السفر لحل مشكلة البطالة او المراضة او الفقر او غيرها من عشرات او مئات المشاكل التي لا تزال في مرحلة الأمنيات والانتظار لإيجاد الحلول والمعالجات   .