من ينجح في الامتحان .. أمريكا أم إيران ؟؟

0
250

كتب / د . كمال حسين العبيدي…

اعتادت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على افتعال الازمات في إي زمان ومكان تختاره من العالم ، لا برغبة من الرئيس المنتخب وإنما بدسائس اللوبي الصهيوني وتخطيط وإخراج المؤسسات ذات الاختصاص بكل موضوع وصراع ، وهذا ليس اتهاما على طريقة نظرية المؤامرة وإنما حقائق تم التوصل إليها من خلال تتبع الأحداث عبر التاريخ ، أما لماذا هذا الافتعال وإنفاق الأموال في الحروب والأزمات  فانه من باب الهيمنة والتفرد وبسط النفوذ لإشعار العالم بان أمريكا هي من تتسيد المواقف على المستوى الدولي ولتحقيق مزايا ومنافع منها ما يتعلق ببيع الأسلحة أو للاستفادة من تذبذبات أسعار النفط والذهب والدولار أو لشراء الضمائر مجانا أو بابخس الاثمان ، فأمريكا رغم ما تنشره من إحصاءات عن التكاليف الناهضة لحروبها إلا إنها تجني أضعاف المزايا اقتصاديا وفي الوقت نفسه تنعم بفرص مجانية لتجريب أسلحتها التقليدية وأسلحة الدمار الشامل أو للتخلص من مخزونات الأسلحة تحت غطاء الحروب والدفاع عن أمنها القومي وامن حلفائها الذين تقودهم ( كالخرفان ) أو الكذب بأنها تدافع عن حقوق الإنسان والشعوب ، ولعل أكثر الرؤساء قبحا ووضوحا في الإفصاح عن تلك النوايا والسياسات هو الرئيس الحالي ( ترامب ) الذي يجهر بعدوانيته ويوقع الأوامر من على شاشات التلفاز ويقوم بزيارات هدفها جمع المال دون حياء ، وقد باشر بسياساته العدوانية مع كوريا الشمالية والصين وفلسطين والعراق ثم حول اهتمامه نحو الجمهورية الإسلامية في إيران وهو يعلن عن تخليه عن اتفاق دولي وقعه سلفه اوباما وبمشاركة دول من الاتحاد الأوروبي ومباركة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي .

وفي الوقت الذي نجحت فيه سياساته في التهديد والوعيد والابتزاز مع اغلب الدول إلا انه اصطدم بعقبة كبيرة وهي الرفض الإيراني في الإذعان لطلباته غير المشروعة رغم انه اصدر قرارات دخلت حيز التنفيذ في الحصار الاقتصادي الذي يحاول تطويره لأشكال أخرى ولكنه غير متأكد بدرجة من الاطمئنان من ردود الأفعال ، ومن الناحية العسكرية فقد تحركت الفرقاطات والأساطيل لاختيار مواقع لضرب أهدافا إستراتيجية ، أي إنها إعلان فعلي لحالة الحرب على إيران بدون غطاء دولي أو قرار أممي ، وفي مقابل ذلك التزمت الجمهورية الإسلامية سياسة ضبط النفس واستخدام الدبلوماسية بالى درجات الانضباط لمقابلة التهور بالحكمة والجنون بالعقلانية ، ورغم إن الجانب الأمريكي اخذ يخفف من حدة تهديداته ووصل إلى حد تقديم تنازلات وعروض سخية للتفاوض دون شروط مسبقة إلا إن إيران لم ترفض الحوار أو تفرض شروطا تعجيزية ولكنها طالبت بحقها في إبطال جميع اثار القرارات الأمريكية التي اتخذت بحقها ومنها إلغاء الحصار والمضي قدما بالاتفاقية الدولية كواحد من مستلزمات المباشرة بالمفاوضات ، كما اتبعت إيران  ( مبدأ العين بالعين والسن بالسن والبادئ اظلم ) كأساس في القيام بالعمليات والمناوشات العسكرية ، والتي أثبتت من خلالها إن التفوق العسكري الإيراني هو حقيقة وليس ادعاءا ، ومنها على سبيل المثال إسقاط احدث طائرة تجسس أمريكية مسيرة تبلغ قيمتها المادية أكثر من 100 مليون دولار وقدرة القوات البحرية والضفادع البشرية في تحقيق أصعب المهمات والأهداف وامتلاكها لقاعدة معلومات عسكرية استخبارية عن انتشار ومكامن القوة الأمريكية .

ولعل الإدارة الأمريكية ومن خلال تحريك ذيولها قامت بجمع معلومات وفيرة عن إسرار وحجم ومديات القوة الإيرانية العسكرية وغير العسكرية ، وقد أدركت من خلالها مجموعة من الحقائق أبرزها إن الحصار الاقتصادي من الممكن أن  يضر اقتصاد إيران ويصيبها بنوع من العسرة المالية للعملات الأجنبية  ولكنه لا يجوع شعبها ولا يضطرها لاستخدام ( الطاقة التموينية ) لان الاقتصاد الإيراني متنوع والناتج المحلي الإجمالي يكفي لسد الاحتياجات الداخلية والتصدير ، كما إن التشدد الأمريكي لا يثنيها عن برامجها في مختلف المجالات لان القاعدة التي تستند عليها إيران في بناء برامجها النووية السلمية لا تعتمد على الخبرات المستوردة وإنما على إمكانياتها الذاتية ، كما وان المراهنة على الإعلام الخارجي في خلق رأي عام داخلي من شانه أن يخلق فجوة بين الدولة والشعب لا يمكن التعويل عليه لان الإيرانيين يزدادون تماسكا وقوة وحنكة يوما بعد يوم ( وان كانت هناك استثناءات بسيطة من السهولة السيطرة عليها)، وهناك عوامل أخرى كثيرة لا يمكن الإسهاب بها في هذه السطور ، لان الأمريكان الذين كانوا يراهنون على بعض حكام الخليج في الوقوف إلى جنبهم أصابهم البرود في تحالفهم مع السعودية لضرب انتفاضة الشعب في اليمن قد تفتت وشهدت انسحابات بعد إن أيقنوا إنهم غير مؤهلين للحروب غير معروفة الأهداف والمديات والنهايات وبعضهم يتخذ من تجربة العراق وليبيا دروسا مهمة بعد إن اكتشف الجميع إن ما حصل هو لمصلحة أمريكا وإسرائيل وليس لأجل الشعوب بشكل كامل .

وقد يظن من يظن إن بعض مما تقدم يسير إلى جانب إيران وكأنه مكتوب لإرضائها ، ونحن نستميح من يريد التحليل والاستنتاج عذرا سيما عندما يقولون إذا كانت إيران بهذه القوة فلماذا لا تبدأ هي بضرب أمريكا ومصالحها بدلا من انتظار ضربة قد تكون قاسية ، وبهذا الصدد نعتقد بان إيران واغلب الدول والشعوب يدركون إن أمريكا لم تحارب يوما على أراضيها وهي تسعى دائما للحروب بالإنابة بعيدا عن شعبها وحدودها ، مما يعني إن ما يسر أمريكا هو أن تحارب على الأراضي العربية ويعطى المسوغ لها وخصوصا في العراق وما حواليه وهو سيوقع الضرر بالعراقيين وجيران إيران وهي ما لا ترضاه إيران ، ونعتقد بأنه لو كانت الولايات المتحدة الأمريكية جارة أو على مقربة من إيران لتغير الأمر رأسا على عقب بالشكل الذي لا يسمح لأمريكا بالتمادي لأنها باتت تعرف إسرار القوة الإيرانية كما أسلفنا فإيران 2019 ليست كما كانت في 1980 ، لانها طورت واستحدثت أسلحة عالية الدقة والتأثير وليست مجرد ( مفرقعات ) كما حصل عندما سقطت الصواريخ العراقية في تل أبيب التي وصل بعضها بالفعل ولكن أصوات صفارات الإنذار كان أعلى من أصوات الصواريخ ، ويبقى السؤال مطروحا إذا كانت أمريكا بقوتها المعروفة للجميع وإيران بفرض انه لا يستهان بقوتها في مختلف المجالات ورغبتها في عدم إيقاع الأذى بالجيران والحلفاء فكيف سينتهي هذا الصراع ومن سينجح في الامتحان ، ولان هذا السؤال يحتاج إلى مزيد  من التحليل مع المحافظة قدر الإمكان على أسرار الحروب ( لأنه خارج اهتمامنا  ) فإننا سنحاول ان نتناول الإجابة عن ذلك في مقالة قادمة بإذن الله تعالى .