قمم الانحدار

0
234

كتب / د. كمال الهلباوى…

دعت المملكة العربية السعودية إلى ثلاث قمم فى أواخر شهر رمضان المبارك 1440هـ، ونهاية شهر مايو 2019 ، لاستعراض ما تمر به المنطقة من ظروف استثنائية وتحديات خطيرة، نتيجة الهجمات الأخيرة على الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وما لذلك من تداعيات وتهديد مباشر للأمن والسلم في المنطقة، ولحرية الملاحة والتجارة العالمية واستقرار أسواق البترول، نتيجة لسعي بعض الدول لزعزعة أمن واستقرار المنطقة، ودعم الإرهاب، والتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. أقول: هكذا كانت الدعوة.

وفى نهاية القمتين الخليجية والعربية، جاءت البيانات الختامية متطابقة، وإن كان بيان القمة الخليجية قد جاء فى تسع بنود، وبيان القمة العربية قد جاء فى عشرة بنود ، مع سطرين إشارة باهته ونمطية إلى قضية فلسطين!..

أقول: جاءت البنود كلها فى البيانين، تحذر من إيران وميليشيا الحوثى ومن ذلك :

إدانة الأعمال التي قامت بها الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران من العبور بالطائرات المسيرة على محطتين لضخ النفط داخل المملكة العربية السعودية، وما قامت به من أعمال تخريبية طالت السفن التجارية في المياه الإقليمية لدولة الإمارات العربية المتحدة.

التأكيد على أن علاقات التعاون مع الدول العربية والجمهورية الإسلامية الإيرانية يجب أن تقوم على مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادتها.

التأكيد على تضامن وتكاتف الدول العربية بعضها مع بعض في وجه التدخلات الإيرانية في شؤونها الداخلية.

إدانة استمرار عمليات إطلاق الصواريخ البالستية إيرانية الصنع على المملكة العربية السعودية من الأراضي اليمنية من قبل ميليشيات الحوثي التابعة لإيران.

إدانة استمرار الدعم الإيراني المتواصل لميليشيات الحوثي المناهضة للحكومة الشرعية في اليمن.

استنكار وإدانة التدخلات الإيرانية المستمرة في الشؤون الداخلية لمملكة البحرين، ومساندة الإرهاب وتدريب الإرهابيين وتهريب الأسلحة والمتفجرات وإثارة النعرات الطائفية لزعزعة الأمن والنظام والاستقرار.

إدانة استمرار احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث المحتلة.

وفى نهاية البيان الختامى للقمة العربية،جاءت العبارة المقتضبة عن القضية الفلسطينية تلك التى شغلت العالم العربى والاسلامى بل والعالم كله منذ سنة 1948 ، بل منذ قرار التقسيم بل منذ المؤتمر الصهيونى الأول فى بازل منذ أكثر من مائة سنة ثم الحروب العديدة، والاحتلال الذى طال دولا عربية مجاورة. جاءت الاشارة عن قضية فلسطين هكذا فى آخر البيان حيث نقرأ:(وبخصوص القضية الفلسطينية؛ قضية العرب المركزية، أكدت القمة تمسكها بقرارات القمة العربية 29 بالظهران “قمة القدس” وكذا قرارات القمة العربية الثلاثين في تونس). أقول: أين قرارات القمم التى كان يهتم بها العالم.ماتت مع الزمن.

كانت قمم مكة فى آخر شهر رمضان المبارك الماضى ، محاولة يائسة للبحث عن دعم خليجى وعربى واسلامى، ليس للخروج من الفساد والصراع والحروب والتخلف والهيمنة ، بل لمزيد من الانغماس فيه رغم أن (مكة) هى مهبط الوحى ومبعث الرسالة، ومنطلق تكوين الأمة الواحدة(إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)، التى هى خير أمة أخرجت للناس .

لم تكن القمم فى أواخر شهر رمضان ، لمراجعة النفس والمواقف، وتصحيح الأخطاء، والاقلاع عن أخطاء الماضى وتجنب طريق الفشل والانهيار، وبداية طريق النهضة الحقيقية التى ينتظرها الخليج والعرب والمسلمون بل والعالم المتردى الظالم، العالم الترامبى الذى يسير فى طريق انحدار القيم الانسانية.

لو كانت القمم فى شهر رمضان المبارك، إستلهاما لوحدة الأمة، وإنهاء للصراعات والحروب والاحتلال، فى اليمن والعراق وسوريا وليبيا وفلسطين، وتهيئة لحل الصراع والانقسام فى السودان والجزائر قبل أن يستفحل هنا أو هناك لكان خيراً كبيراً. ولو كانت القمم سعيا للخروج من الاستبداد – أينما وجد – فى الأمة، أو سعيا لتحسين التعليم والصحة، أو ترشيدا للحكم، أو تفعيلا لدور الشعوب مع الحكام رغم أن بعضهم من أسباب الاستبداد والتخلف لكان ذلك خيرا، أو لو كانت القمم لدراسة مستقبل المقدسات فى فلسطين أو مكة أو المدينة واسترجاع ما ضاع منها أو دراسة استراتيجيات أو خطط مطلوبة لهذه القضايا لكان خيرا كبيرا، ولو كانت فقط لدراسة رفع الحصار عن قطر المشاركة فى الاجتماعات، والبدء فى مرحلة تفاهم وتعاون وتكامل جديد، لكان خيرا كثيرا. ولكنها للأسف الشديد كانت لتكريس الانقسام فى الأمة وإثارة الفتن المذهبية ، ومحاولة تجميع قوى الأمة العربية إلى مواجهة وصراع مع الجمهورية الاسلامية فى ايران واستمرار الصراع الناتج عن الشقاق بين الأشقاء.

أقولها بوضوح إن الحوثيين يدافعون عن عدوان علي وطنهم اليمن من الجيران. وكان ينبغى على تلك القمم السعى فى الصلح والتوافق بين أبناء الشعب اليمنى الواحد.( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا  فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ  فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا  إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

لم نسمع عن عاصفة حزم قامت بها ايران فى اليمن، ولكن الدول العربية (السعودية والامارات)، التى أطلقت عاصفة الحزم هى التى تعانى الآن من ويلاتها بعد أن مزقت الشعب اليمنى بدلا من السعى لتنميته وتحسين الأوضاع فيه. لماذا يسعى بعض العرب ومن الحكام خصوصا للصراع مع الجمهورية الاسلامية ؟ وهى الجارة التى إضطرت ترامب أن يقول عنها بعد كثير من التهديد بالحرب، إن ايران أمامها فرصة لكى تصبح دولة عظيمة مع القيادة نفسها ، وأن المطلوب الأمريكى هو السعى لتغيير السلوك وليس النظام.

يأتى ذلك بعد الحصار الظالم والتهديد الجائر لدولة هى عضو مهم جدا فى منظمة المؤتمر الاسلامى من بين 57 عضوا.

ويظهر التناقض الواضح فى بيانات القمم الثلاث بين ما جاء فى بيان القمة الخليجية والعربية وما جاء فى بيان القمة الاسلامية الذى جاء فى 102 مادة ما بين : تأكيد وترحيب ودعوة وإدانة وإشادة، دون إتهام الجمهورية الاسلامية أو إدانتها صراحة.فلماذا هذا التناقض، ولماذا تجميع الخليج أو العرب للمواجهة مع ايران خدمة للصهيونية والهيمنة الأمريكية؟! . لماذا لا يتعلم العرب والخليج من ايران فى تقدمها العلمى والتقنى والنووى ودعمها للمقاومة، والحفاظ على كرامتها وعزتها أمام دول الهيمنة؟! ولماذا يقبل العرب والخليج البرنامج النووى فى دول عديدة ومنها كيان اسرائيل المحتل لبلادنا، ولا يقبل بتقدم  ايران وحقها فى البحث والتقدم فى هذا المجال؟!..

كان البيان الختامى للقمة الاسلامية أشملها وأحسنها، لأنه جاء متوازنا فى أغلب الفقرات، وايجابيا إذ طرح معظم قضايا الأمة أو ذكرنا بها ، ربما لأن تركيا كانت الرئيسة خلال الدورة السابقة من (2016- 2018) أو ربما لأنه دعا إلى زيادة حجم المساعدات الطبية والانسانية والاقتصادية والاجتماعية لتنمية بعض المناطق أو ربما لأنه دعا إلى إرسال مبعوثين لبعض مناطق التوتر وإضطهاد المسلمين فى آسيا، أو ربما لأنه دعا إلى مواجهة الارهاب بكل صوره وأشكاله أو ربما لأنه دعا إلى تنمية بعض المناطق فى افريقيا أو مواجهة الاسلاموفوبيا مع مواجهة التطرف والغلو، أو ربما لأنه لم يقتصر على الدول الخليجية أو العربية وبما بينها من تناقضات . كل ذلك جائز ، ويبق العمل نحو تحسين العمل فى كل هذه القضايا ، ولو تضامنت هذه الدول (57دولة ) وتكاملت فيما بينها لا تستطيع قوة فى العالم أن تستغلها أو تستهزء بها، ولما بقى الاحتلال الصهيونى فى فلسطين وما جاورها من بلاد العرب.

قضايا الأمة التى ذكرنا بها البيان الختامى للقمة الاسلامية عديدة، والقضية المركزية فيها هى فلسطين والمقدسات ، والقائمة طويلة وتشمل مناطق أو بلدان عدة فى كل من أوروبا وآسيا وأفريقيا خصوصا مثل اليونان وقبرص والبوسنة والهرسك وكوسوفو وأرمينيا وأذربيجيان وكشمير ومورو والروهينجيا وميانمار وجمهورية القمر وغينيا وكوت ديفوار وتشاد ونيجيريا والنيجر والكاميرون فضلا عن سوريا والعراق وليبيا والصومال والسودان واليمن والجزائر. قضايا عديدة وربما لم يسمع عنها كثير منا، وتحتاج إلى إصلاح وتنمية والخروج من الصراع، وشجاعة نحتاجها، للتوقف عن الدمار والحرب والبدء فى مسيرة النهضة والتقدم، كما فعلت دول قبلنا إكتوت بنار الحربين العالميتين الأولى والثانية أو بنار حروب إقليمية أو داخلية هنا أو هناك.هل تتوقف عاصفة الحزم اليوم وتبدأ مراحل البناء بالحوار المثمر البناء. يا رب.

وللحديث صلة . وبالله التوفيق فى القول والعمل