كيف نجحت حُكومات مِصر والأردن والمغرب في تظليل شعوبها بـ  “صفقة القرن” والمُشاركة بُمؤتمرها في البحرين؟

0
229

كتب / عبد الباري عطوان…

نستغرِب الأنباء الصّادمة التي ورَدت على لسان مسؤول أمريكي نقلتها عنه وكالة “رويترز” العالميّة، وكشفت أن مِصر والأردن والمغرب أبلغت الحُكومة الأمريكيّة رغبتها في تلبية الدّعوة بحُضور مُؤتمر تصفية القضيّة الفِلسطينيّة الذي من المُقرّر أن يُعقَد في البحرين بعد أسبوعين، نقول نستغرِب، ولكن لم تُفاجئنا على أيّ حال، لأنّ هُناك من يرفُض قراءة المُتغيّرات التي تحدُث في المِنطقة، أو يستطيع فهمها حتّى لو قرأها.

الاستغراب منبعه أن حكومات الدول الثلاث تُكرّر دائمًا، بمُناسبة، أو غير مُناسبة، أنّها لن تقبل إلا ما يقبله الشعب الفِلسطيني، وسترفُض كُل ما يرفضه، فكيف تُقرّر المُشاركة في مُؤتمر يرفضه جميع الفِلسطينيين وفصائلهم، الأمر الذي يعكِس خُنوعًا كاملًا للإدارة الأمريكيّة، ومُوافقة ضمنيّة لصفقة القرن، فهل تعتقد هذه الحُكومات أنّ الشّعوب العربيّة على هذه الدّرجة من الغباء بحيثُ يسهُل خِداعها.

كنّا نعتقِد أنّ حكومات الدول الثّلاث لم تُبادر إلى إعلان مُوافقتها على حُضور مُؤتمر البحرين، أُسوةً بدولتين فقط رحّبتا بالحُضور، وهُما المملكة العربية السعوديّة ودولة والإمارات العربية المتحدة، لأنّها لا تُريد إضفاء أيّ شرعيّة عليه أوّلًا، ولأنّها تُعارض هذه “الصّفقة” التي ستُؤدّي إلى اقتطاع أجزاء من أراضيها، وتصُب في مصلحة الخطّة الإسرائيليُة بإقامة “إسرائيل الكُبرى”، وكم كُنّا مُخطئين في هذا الاعتِقاد للأسف.

***

لا نعرِف كيف تقبل دول عربيّة أن تنجر خلف خطّة يضع تفاصيلها شاب أغر مِثل جاريد كوشنر، كُل مُؤهّلاته أنًه صِهر الرئيس، ووالده المُدان في أكثر من جريمة صديق حميم لنِتنياهو، بمثل هذه الطّريقة المُهينة، وهي التي ظلّت لعُقود تتغنّى بالشرعيّة الدوليّة وقراراتها، فمن هو كوشنر هذا حتّى يطرح حُلولًا، ويعقِد مُؤتمرات لتصفية قضيّة تُعتبر من أقدس القضايا العادلة في التُاريخ، ويسوق حكومات عربيّة لحُضور مُؤتمراته بهذه الطّريقة المُهينة، ولا نُريد أن نقول أكثر من ذلك.

حتى مُجرّد مُناقشة “الصّفقة” وبُنودها، في عاصمة عربيّة أمر مُهين، ويكشِف عن أسباب حالة الانهيار التي تعيشها الأمّة العربيّة، في وقتٍ تبرُز فيه مشاريع دول أخرى، تستمد شرعيّتها بالتمسّك بالثّوابت الوطنيّة العربيّة، وعلى رأسها التصدّي لمشاريع تصفية القضيّة الفِلسطينيّة التي تدعمها الولايات المتحدة، ولخدمة استمرار تفوّق المشروع العُنصري الإسرائيليُ، وتكريس عُنْصريّته واحتلاله للأرض العربيّة ومُقدّساتها.

كيف يُمكن أن نُفسّر مواقف هذه الحُكومات العربيّة في الرّضوخ لهذا العداء الأمريكي السّافر للأمّتين العربيّة والإسلاميّة في الوقت الذي تبدأ فيه دول عُظمى مِثل الصين وروسيا بالتّكتّل من أجل إنهاء الهيمنة الأمريكيّة على مُقدّرات العالم سياسيًّا واقتصاديًّا، وتسعى لوضع نظام مالي واقتصادي عالمي جديد لمُواجهة العُملة الأمريكيُة “الدولار”، وتقويض كُل الحِصارات التي تعتمد عليه كأداة حاسمة لتدمير اقتصاديّات الدّول الأُخرى.

ربّما تُجادل بعض الحُكومات العربيّة وأنصارها بأنّ حُضور مُؤتمر البحرين يأتي من مُنطلق العِلم بالشّيء، ومُحاولة للتعرّف على الخُطط الأمريكيّة، لأنّ هذه المعرفة تبدو حتميّة لاتّخاذ المواقف النّاجعة لمُواجهتها، وهو الموقف المُتهاون نفسه الذي أوصل أمّتنا إلى هذا الهوان الذي تعيشه، وجعلها موضِع سُخرية كُل الشّعوب والأُمم الأُخرى، فهل يوجد طِفل فِلسطيني أو عربي واحد لا يعرِف ما هي صفقة القرن هذه وأهدافها؟

نُطمئِن هذه الحُكومات وغيرها، بأنّ الشعب الفِلسطيني وفصائله المُقاومة، لم يرفع راية الاستسلام، ولن يرفعها، وبات يمتلك الكثير من أسباب القوّة والرّدع، وباتت صواريخه، ورغم تواضع قُدراتها، تشكّل رُعبًا للأعداء، وتدفعهم لاستِجداء وقف إطلاق النّار، لأنّ الإرادة مُتوفّرة أوّلًا، ولأنّ هذا الشّعب بات يعتمد على نفسه، ولم يعد لديه ما يخسره.

نحمد الله أنّ هُناك مِحورًا مُقاومًا مَلأ فراغ الاستِسلام العربيُ، بات يُغيّر مُعادلات القوُة في المِنطقة لمصلحة القابضين على جمر الكرامة، محور يُقدّم تكنولوجيا صناعة الصُواريخ، والطّائرات المُسيّرة المُلغّمة، وبأقل القليل من المال، وهو المُحاصر المُجوّع، للمُرابطين في قِطاع غزّة والضفّة الغربيّة.

المارد الفِلسطيني الذي طوّر صواريخ قادرة على ضرب تل أبيب، بات يتصدُى وحده من بين مُعظم العرب، لصفقة القرن والغطرسة الأمريكيّة، يرفُض استقبال، أو حتّى الجُلوس مع كوشنر ورهطه، ويُقرّر مُحاكمة سفير المُستوطنين الأمريكي في القدس المُحتلّة الذي لم يجد من يردعه من العرب، ويرفُض رغم كُل الضّغوط والنّصائح اللُقاء مع الرئيس ترامب في وقتٍ يتنافس زُعماء عرب يدّعون السّيادة لتقبيل يديه وقدميه، هذا المارد بدأ “يتململ”، وباتت شرارة انتفاضته الكُبرى وشيكة، ونُحذّركم حتى لا تُصدَموا.

***

عندما تتمرّد وحَدات من رجال الأمن الفِلسطيني على التّنسيق الأمني، وتشتبك مع قوّات إسرائيليّة أطلقت النّار على مقرُها في نابلس، وتوقّعت منها الإذعان كالعادة، فهذا مُؤشّر، ورغم محدوديّته، على أنّ التّغيير قادم، وأنُ الشّعب الفِلسطيني الذي أفشل حِصار قوّات نابليون لعكا، وصمد ببطولة، وكان هذا الصّمود بداية انهيار الامبراطوريّة الفرنسيّة، سيُفشِل صفقة القرن، والمشروع الإسرائيلي الأمريكي في المِنطقة، المارد الفِلسطيني بدأ مسيرة الخُروج من “قمقم” أوسلو، وأُكذوبة مُبادرة السّلام العربيّة، ويستعيد قِواه بشكلٍ مُتسارعٍ مدعومًا بكُل الشّعوب العربيّة والإسلاميّة.

استهنتم بالشّعب اليمني ومُقاومته.. وتوقّعتم هزيمته واستسلامه في أسابيع معدودة،.. وها هو يقلب الموازين ويُحقّق المُعجزات.. والشُيء نفسه يُقال عن الشّعوب الجزائريّة والسودانيّة والسوريّة والعِراقيّة.. هذه الشّعوب أثبتت، وتُثبِت، أنّها ما زالت تُمسِك بزمام المُبادرة وقادرة على التّغيير وإحباط المشاريع الاستسلاميّة.

اذهبوا إلى مُؤتمر المنامة، وارصدوا مِئات المِليارات تنفيذًا لإملاءات ترامب وكوشنر، مثلَما ذهبتم إلى مُؤتمر التُطبيع في وارسو، ولن تعودوا إلا بالفَشَل والعار واللّعَنات.. والأيّام بيننا.