ماذا وراء تخلّي العبادي عن مسؤولياته الحزبية؟

0
212

كتب / ساهر عريبي…

أعلن رئيس الوزراء العراقي السابق وزعيم تحالف النصر حيدر العبادي , تخلّيه عن كافة مواقعه داخل حزب الدعوة الإسلامية وخاصة رئاسته للمكتب السياسي وبما يشبه الإستقالة , في خطوة شكّلت مفاجئة للمراقبين بعد ان راجت في شهر أبريل/ نيسان الماضي أنباء عن قرب إعلان تحالف جديد يضمه مع أمين عام الحزب نوري المالكي وذلك استباقا للمؤتمر العام للحزب الذي طال انتظاره ومن المقرر عقده في الشهر المقبل. لكن هذا الإعلان أطلق رصاصة الرحمة على مثل هذا التحالف وفتح الباب واسعا أمام تكهنات حول الدوافع والأسباب التي تقف وراء هذا الإعلان, بين مدع ان العبادي يهيؤ نفسه لتولي رئاسة الوزراء وبين مرجع ذلك لأسباب داخلية في الحزب إضافة الى أسباب أخرى.

وقبل الخوض في تلك التكهنات لابد من الإشارة الى ان الحزب يشهد إنقساما حقيقيا ومنذ تولّي حيدر العبادي لمنصب رئيس الوزراء في العام 2014 خلفا للأمين العام للحزب نوري المالكي, الذي اعتبر أنصار الأخير أن العبادي طعن زعيمهم بالظهر بقبوله للمنصب بالرغم من فوز إئتلاف دولة القانون الذي يتزعمه المالكي بالإنتخابات حينها. ولم يكتف المالكي وأنصاره بتحميل العبادي حينها مسؤولية الإقصاء , بل إنهم صبوا جام غضبهم على قياديين في الحزب إعتبروهم قادوا مؤامرة ضد المالكي وفي مقدمتهم علي العلاق ووليد الحلي وعبدالحليم الزهيري.

ومنذ ذلك الحين شهد الحزب انشطارا أدى الى شلل عمله وعدم إنعقاد مؤتمره العام مع بقاء المالكي أمينا عاما شكليا للحزب. وقد إنعكس هذا الإنقسام على قواعد الحزب والمكاتب المنتشرة في المحافظات الجنوبية وفي الخارج التي إنشطرت بين مؤيد للعبادي وآخر للمالكي, مما دفع بالأخير الى تأسيس تنظيم جديد تحت مسمى حركة البشائر بزعامة صهره كورقة إحتياطية في حال إزاحته من الحزب, إذ شعر المالكي بأن نهايته قد اقتربت بعد ان لجأ الحزب الى المرجع السيستاني حفظه الله لحسم مسألة بقاءه في منصبه حيث لم ير المرجع صلاحا في بقاءه. وقد تعمق الإنقسام بشكل جلي في الإنتخابات الأخيرة التي فشل فيها الحزب في الدخول بقائمة موحدة, مما أدى لخسارته للإنتخابات وسلوك قائمتي العبادي والمالكي مسارين منفصلين, إذ إنضوى الأول تحت راية تحالف الإصلاح الذي تقوده سائرون فيما دخل الثاني تحت راية تحالف البناء الذي تقوده الفتح. بقي الحزب معلقا الآمال على تولي احد الغريمين للمنصب الأهم في الدولة وهو مايفسر عدم أداء العبادي والمالكي لليمين الدستورية تحت قبة البرلمان وحتى اليوم.

إلا ان قيادة الحزب الحريصة على بقائه موحّدا واستمرار هيمنته على السلطة, سرعان ما أصيبت بإحباط شديد وصدمة كبيرة إذ ظهرت بوادر في الأفق تشير الى ان العبادي لن يبقى في منصبه, كما وأن نصيب مرشحي الجناح الآخر وفي مقدمتهم المالكي وطارق نجم لم يكن بالأوفر حظا. لكن القيادة سرعان ماستفاقت من الصدمة وبدأت بلملمة جراحها وإعادة الإعتبار لنفسها عبر بذل جهود لإعادة الغريمين الى بيت الطاعة ودون توجيه اللوم لأي منهما خوفا على إنشقاق أحدهما عن الحزب. لكن تلك الجهود باءت بالفشل بعد ان أعلن ثلاثة من قادة الحزب يتقدمهم رجل الدعوة القوي وعرّاب تشكيل الحكومات السابقة الشيخ عبدالحليم الزهيري, عن فشل جهود توحيد الجناحين ملقيا باللائمة على حيدر العبادي! فكان هذا الإعلان القشة التي قصمت ظهر البعير! إذ اعتبر هذا الإعلان حينها إصطفافا بجانب المالكي!

خسر الحزب لصالح عادل عبدالمهدي منصب رئيس الوزراء الذي إحتفظ به لأربع دورات متتالية ومنذ العام 2005 عندما تولى أمينه العام السابق إبراهيم الجعفري المنصب, قبل أن يخسره لصالح المالكي وليعلن إنشقاقه من الحزب.وقد أعقب ذلك إنحسار نفوذ الحزب في الحكومة الجديدة وخاصة بعد أن أصبحت لكل من تحالفي الفتح وسائرون اليد الطولى في تشكيلها. لم يعد لكل من العبادي او المالكي تأثير سياسي يعوّل عليه, إلا ان العبادي كان الأضعف!

لقد حقق العبادي نجاحات كبيرة خلال توليه لرئاسة الوزراء وأولها تحرير العراق والحفاظ على وحدته والقضاء على الإرهاب وإنخفاض منسوب الفساد, وحسن إدارته للملف الإقتصادي بالرغم من إنخفاض أسعار النفط, وبالرغم من إستلامه خزينة الدولة من سلفه المالكي خالية ليس فيها سوى 3 مليارات دولار هي كل ما تبقى من موازنة العراق الأكبر عبر التاريخ والبالغة 147 مليار دولار ! إلا أنها لم تتبخر فحسب, بل إن ثلث العراق تبخّر معها, مصحوبا بآلاف القتلى مع ارتكاب جرائم ضد الإنسان قل نظيرها في التاريخ.

إلا ان العبادي لم يستثمر تلك النجاحات إذ لم يكن أداءه السياسي ناجحا بقدر نجاح أداءه الحكومي! فقد ارتكب العبادي أخطاءا قاتلة أودت بكافة حظوظه للإحتفاظ بمنصبه ولربما بمستقبله السياسي. واول تلك الأخطاء هي تشكيله تحالف من عدة قوى سياسية سرعان مانقلبت عليه بمجرد ظهور نتائج الإنتخابات , وفي مقدمتها حركة عطاء التي يتزعمها فالح الفياض وحزب الفضيلة وكتلة مستقلون. لم يكن العبادي بحاجة الى هذه الجماعات التي اعتادت على التحالف مع القوي, للدخول في الإنتخابات وكان عليه أن يشكل قائمة لوحده من أكاديميين وسياسيين مستقلين أوفياء لكتلته, ومن ثم إقامة تحالف مع كتل أخرى, لكن ماحصل هو العكس إذ سرعان مانفرط عقد كتلته مما ادى الى ضعف ثقله السياسي في الساحة.

ولم يكن حال المالكي بالأفضل إلا ان ما يميّز المالكي ويضفي عليه القوة هو دخوله بقائمة منفردة صغيرة لكنها متماسكة بالإضافة الى نفوذه العميق في الدولة والولاء الذي يحظى به بين عدد كبير من الأعوان الذين زرعهم في مفاصل الدولة العراقية طوال سنوات حكمه ممابات يعرف بالدولة العميقة فضلا عن إمكانياته المالية الضخمة و عدم إصطدامه بايران أو بفصائل الحشد, مما مكنه من البقاء طرفا فاعلا ومؤثرا في الساحة على العكس من العبادي الذي سرعان مابدا أنه لا يمتلك أيا من مقومات للقوة.

أما خطأ العبادي الآخر فهو تصريحاته التي أعلن فيها التزامه بالعقوبات الأمريكية ضد ايران! إذ استغل غريمه هذه صريحات قبيل الإنتخابات لشن حملة إعلامية تسقيطية ضده, ليس حرصا على ايران وإنما لتصفية حسابات معه والقضاء على مستقبله السياسي. لم تكن تصريحات العبادي تلك حكيمة, إذ كان بإمكانه الشكوى من ان مثل هذه العقوبات ستؤثر سلبا على العراق وانه سيبذل جهوده لتجنيب العراق تداعياتها, إلا انه لم يفعل, ولم ينفع العبادي تراجعه عن تلك التصريحات لاحقا, بل كانت آثارها عكسية إذ أظهرته بمظهر الضعيف المتقلب الذي يخضع لأبسط الضغوطات.

وارتكب العبادي خطأ قاتلا ثالثا قاتلا عندما لم يقدم استقالته من حزب الدعوة بعد تشكيل التحالفات, إذ كانت هناك أرضية مهيئة بين عدد كبير من القوى لإعادة ترشيحه لرئاسة الوزراء فيما لو تخلى عن الحزب, لكنه لم يفعل! وبذلك ضيّع فرصة تاريخية قد لا تتكرر أبدا. لكل ذلك فيبدو جليا أن الدعوة حسمت أمرها لصالح جناح المالكي وليس بالضرورة إحتفاظ الأخير بمنصب الأمين العام خلال المؤتمر المقبل, بعد ان بات واضحا ان العبادي لم يعد له وزن سياسي ولا حزبي, وهو مايفسر إعلانه التخلي عن مسؤولياته الحزبية! يضاف الى ذلك ان العبادي الذي لم يؤد القسم داخل قبة البرلمان إذ كان ولحد الأمس القريب يمني النفس بالعودة لرئاسة الحكومة معوّلا على استقالة رئيس الحكومة الحالية أو فشله في إدارتها, أيقن اليوم هو وحزبه بان فرصه باتت شبه معدومة!

فجاءت هذه الإستقالة التي لا يمكن وضعها في خانة الإستعداد لتولي منصب رئاسة الوزراء لأن زمان اليوم ليس كزمان الأمس وعلى مختلف الصعد. وممّا عمّق من جراحات العبادي هي تصريحاته الأخيرة التي فتح عبرها النار على قيادات الحشد الشعبي متهما إياها بالفساد على حساب دماء وتضحيات أبناء الحشد الأبطال, وهي التصريحات التي أغلقت بوجهه أي إمكانية لعودته لمنصبه خاصة وان النيران ارتدت عليه عندما وجّهت إتهامات لشقيقيه بسوء الإستفادة من منصبه لتحقيق مكاسب إقتصادية. لقد وصل العبادي الى نهاية المطاف وليس بعيدا أن يقدم استقالته من مجلس النواب أيضا ويتقاسم إرثه تحالفي الإصلاح والبناء.

لقد أثبتت هذه التطورات حقيقة ان قيادة الحزب الحالية تضع تماسك الحزب ووحدته في المقام الأول وليس الأفراد فتجربة العقود الماضية أثبتت أن الحزب لم يتأثر بالإنشقاقات ومنذ زمن المرحوم عز الدين سليم مرورا بتنظيم العراق وتنظيم الداخل والجعفري , إذ مايزال يمسك بدفة الحزب الشيخ الزهيري الذي اطاح بالجعفري وجاء بالمالكي واخيرا بالعبادي. وفي الختام لابد من الإشارة الى ان رسالة العبادي الأخيرة التي تضمنت دعوته لإعادة هيكلة الحزب ومراجعة مسيرته, كشفت بانه يائس من إصلاح هذا الحزب العريق! وبأنه لا يعول على تحقق ذلك إذ لو كان هناك بصيص من الأمل لكان من الأولى بقائه في منصبه المهم بدلا من التفريط به.

فهذا الحزب لم يبق من دعوته سوى الإسم, فمنذ توليه للسلطة لم يعد همه الدعوة للإسلام كما كانت تتغنى أدبياته طوال عقود, إذ كان الهدف من تأسيسه هو إشاعة القيم السماوية لكنه إنغمس في المصالح الدنيا وبشكل غير متوقع إذ لم تكن في سيرته في الحكم ذرة من نزاهة بعض الأحزاب غير الدينية كالحزب الشيوعي, الذي كان يتمنى المالكي إستنساخ رائد فهمي الأمين العام للحزب الشيوعي عندما كان وزيرا في حكومته. واما الأنكى من ذلك فإنه أصبح أحد أسباب إنتشار الكفر والإرتداد والفساد. فقد أحدثت سيرته في الحكم صدمة لدى العراقيين الذين ظلت صورة الدعاة القدمى ناصعة في أذهانهم وهم الذين اعتلوا اعواد المشانق رافضين الإنتماء لحزب البعث, او لأنهم لم ينالوا من الرموز الدينية , او لأنهم رفضوا مغريات نظام البعث.

تلك السيرة ردّة فعل أدت الى نفور قطاع كبير من الشباب العراقي من الدين ومن الحركات الدينية وباعتراف المالكي , لكنه لم يبحث في أسباب ذلك ولم يحمل حزبه المسؤولية لأنه فشل في تقديم نموذج في الحكم يتناسب مع تاريخه واهداف تأسيسه ولا مع الآمال التي كان يعلقها العراقيون على الدعاة. وبعد هذا الإنحدار لم يعد هناك متسع من الوقت لتدارك الأمر وإصلاح حزب إنغمس في دنيا هارون, ولا حل اليوم أمام قيادة الحزب الحالية للتكفير عن جريمتها بحق الإسلام ومذهب أهل البيت والقائد المؤسس الشهيد محمد باقر الصدر الذي تنكرت لسيرته, لم يعد أماها من حل للخروج من هذا المأزق الا بحل الحزب ودخول العمل السياسي بحزب لا يحمل إسم الدعوة ولا الإسلام ففي ذلك وبال عليهما, وعليها ان تقتدي بحزب العدالة والتنمية التركي الذي أسسه الراحل نجم الدين أربكان ورفض ان يصفه بالإسلامي بل سماه تارة بحزب السعادة وأخرى بالرفاه ومرة بالعدالة, معلّلا ذلك بالقول ”لا أريد أن فشلنا ان يحسب ذلك على الإسلام“!