الفيسبوك والأدعية المخترعة

0
121

كتب / حسين فرحان …

لم يسلم تراثنا الإسلامي بأصالته وعراقته وعلو مضامينه من إضافات دخيلة مخترعة لاتمت إليه بصلة، فاستحسان بعض العبارات المنمقة والأعجاب بزخرفها وزبرجها وسهولة نشرها دعا الكثيرين إلى نشرها دون نظر في صحتها وسندها .

أدعية وابتهالات تملأ صفحات التواصل الاجتماعي ومواقع الأنترنت عموما لا يعرف من أملاها ومن كتبها يختلط فيها الغث والسمين والموضوع والأصيل مع دعوة لا تكاد تفارقها مثل ( أحلفك بالغالية إنشرها ) و ( أرسلها لعشرة ) و ( لاتغلق الفيس قبل أن تنشرها لأصدقائك ) .

لا بأس بالدعاء .. ولكن أليس من الأمانة أن يتم نشره من مضانه ومصادره ؟ أليس من حسن الصنيع أن يروى الدعاء كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وعن أهل البيت عليهم السلام ؟ وهل خلت الكتب من المأثور عنهم عليهم السلام حتى يلجأ البعض إلى أدعية هي من اختراعات المخترعين ؟

القرآن الكريم والأدعية التي وردت فيه .. وكتب مثل : إكسير الدعوات .. البلد الأمين .. الصحيفة السجادية .. الصحيفة الرضوية .. الصحيفة المهدية .. مفاتيح الجنان .. مهج الدعوات .. مصباح الكفعمي ..مصباح المتهجد ..مفتاح الجنات .. الباقيات الصالحات، وغيرها من الكتب القيمة التي تضم في طياتها أدعية وردت عن النبي وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام، ألا تكفي للأخذ منها باطمئنان لمتونها وأسانيدها ؟

القضية تستحق وقفة جادة من أجل أن لاتنتشر الأباطيل على حساب منهج أهل الحق والصدق، فالمعصوم عليه السلام حين يعلمنا دعاء معينا فذلك يعني عصمة نفس هذا الدعاء، إذ أن قول المعصوم فيه عصمة من الخلل والزلل والخطأ والاختراع .

” إنّ اعتقادنا الراسخ بوجوب العصمة في الأئمّة والأنبياء عليهم السلام وضرورتها لهم, لأنّهم يتحدّثون إلى الخلق عن الله سبحانه وتعالى، يدفعنا إلى القول بأنّ الأدعية التي وردت عن المعصوم عليه السلام والتي تضمنّت الاعتراف بالذنوب والخطايا، وتضمنّت الاستغفار وطلب التوبة والاستقالة منها، لا شكّ ولا ريب أنّها تعني معنىً غير الذي نفهمه ونعرفه من أنفسنا حين نغرق في الذّنوب والخطايا، وحين نطلب العفو والاستقالة منها. فالمعصوم عليه السلام ولشدّة كماله وانقطاعه إلى الله يرى أنَّه يجب أن تكون أوقاته مستغرقة ومتمحّضة دائماً وأبداً في خدمة الله وطاعة الله ” .

روي عن عبد الرحيم القصير، قال: “دخلت، على أبي عبد الله عليه السلام، فقلت: جعلت فداك، إنّي اخترعت دعاء، قال عليه السلام: دعني من اختراعك، إذا نزل بك أمر فافزع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قلت: كيف أصنع؟ قال: تغتسل وتصلّي ركعتين تستفتح بهما افتتاح الفريضة، وتشهد تشهّد الفريضة، فإذا فرغت من التشهّد وسلّمت، قلت: اللهمّ أنت السلام ومنك السلام وإليك يرجع السلام…”. فقد أمر الصادق عليه السلام بترك الدُّعاء المخترع، وعلّم صاحبَه دعاءً بعينه. وقد تكرَّر هذا الأمر في عددٍ آخر من المواقف يظهر فيها تشديدُ أهل البيت عليهم السلام على ضرورة الالتزام بالدعاء المأثور، كما في هذه الرواية: عن عبد الله بن سنان، قال: “قال أبو عبد الله عليه السلام: “ستصيبكم شبهةٌ فتبقون بلا علمٍ يُرى ولا إمام هدى، ولاينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق، قلت: كيف دعاء الغريق؟ قال: يقول: يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، فقلت: “يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلّب القلوب والأبصار ثبِّت قلبي على دينك”، قال: “إنّ الله عز وجل مقلّب القلوب والأبصار، ولكن قل كما أقول لك، يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك” .

مما تقدم نرى نهي الإمام عليه السلام عن الدعاء المخترع وما أكثر الأدعية المخترعة التي يتم تداولها دون تحقق لإنها جاهزة للنشر ولا تكلف صاحبها عناء البحث عن حقيقة صدورها .