حزب الفيس الدم قراطي!

0
103

كتب/ د. محمد فلحي …

ماذا يخطر في بالك؟!.. لا بد أن إبليس أو أحد أحفاده اخترع هذا السؤال ووضعه على برنامج ال”فيس بوك” في شبكة الإنترنيت.. سؤال خطير،قمة في الإغراء والإثارة والاستفزاز!..سؤال يستدرجك للتفكير في لحظة كسل، ويدفعك للقول في لحظة صمت، ويجبرك على إظهار قوتك الخفية في لحظة ضعف..سؤال يفتح أبوب مخيلتك للشياطين لكي تعبث بعقلك،وينتهك حرمة خصوصيتك،ويفضح أسرارك أمام أشخاص أغلبهم غرباء،رغم وصفهم بالاصدقاء المفترضين!
فيس بوك وفق الترجمة الحرفيةهو(كتاب الوجه) لكن الأصح هو(قناع الوجه)..ذلك القناع الخادع الذي ترتديه في حفلة تنكرية مفتوحة أمام ناظريك،ومهما حاولت اخفاء ملامحك الحقيقية فإنك تبدو عارياً أمام الآخرين..وبخاصة الذين يريدون التجسس عليك،ويرغبون في اختراق حدودك المحرمة!
الكلمات والصور وأشياء أخرى التي تنشرها وتشاركها مع أصدقائك “الفيسبوكيين” تكشف مكنونات عقلك ورغباتك ونزواتك وأحلامك..هناك من يختبئ خلف صورة مصطنعة،أو إسم مستعار،فيعود الشيخ إلى صباه،وتطلُّ العجوز من وراء حجاب،وكأنها غادة حسناء،وينتحل شاب صفة فتاة،ويتقمص دور المعجبة أمام كهل في لحظة مراهقة ثانية، وربما ثالثة!
التواصل الاجتماعي(الافتراضي) خدعة لذيذة،مثل السينما، لكن الممثل في الفيس بوك هو الجمهور نفسه،والمسرح هو الحياة، ومن خلال تلك الصورالتي تبدو أقرب إلى الواقع،تجد الجميع يبحرون في مرآة نرجسيتهم،ويقدمون أنفسهم للآخرين عبر ملامح وهمية، ليست بعيدة عن الخيال والسحر والحلم!
ليل الفيسبوكيين طويل، يشبه ليل العشاق المغرمين،سهر وحرمان وعذاب،وتباعد وتداني،وبريق الشاشة يمثل نوعاً من الإدمان، دونه الدخان والكحول والكوكايين وحبوب الهلوسة والكبسلة.. مساطيل الفيس بوك في حفلة صاخبة،حتى يطل الصباح، وتسكت شهرزاد عن الكلام المباح!
في ربيع العرب كان الفيس بوك من بين الأسلحة القاتلة،وقد سقط جبابرة عتاة واندحرت جيوش مدججة أمام “لعب العيال والهزار” الذي لم يفهمه الطغاة،فيصرخ أحدهم بغباء(فهمتكم!) ويقول آخر مندهشاً(من أنتم؟!) ويتسائل ثالث مستسلماً”عايزين أيه”؟!..لقد فقد(الأخ الأكبر) سلطة الحرف،وخسر القلم شفرته الجارحة،أمام هيمنة لغة الصورة التي لا ترحم..أصوات حقيقية ومباشرة وصور ملونة ومتحركة، بعضها مصطنع،وأكثرها خادع،لكنها مثل الفيروسات تخترق جميع المضادات السياسية،والرقابة الأمنية،وتشعل الحرائق في قلب العاصفة.
بعض السياسيين فهم اللعبة،ودخل متأخراً،فأعلن انتمائه لحزب الفيس بوك،وهو اكبر حزب عالمي للكذب العلني، في الوقت الحاضر،وراح تجّار الكلام يطلّون على أصدقائهم المزيفين بشعارات ولافتات واعدة،ومن يُصدّق هؤلاء يجب أن يراجع أقرب طبيب للعظام ليفحص امعائه ويعطيه دواء للعيون!
حزب الفيس بوك يعلن صراحة أهدافه، بلا خجل،فهو يسوّق الوهم ويعتمد الخداع،لكن بعض السياسيين في أحزاب الواقع المر،يزعمون الدفاع عن الفضيلة والحقيقة،لكنهم يمارسون الكذب والدجل،بلا قناع للوجه،حتى يخجل منهم مسيلمة وسجاح!
برنامج الفيس بوك ماركة مسجلة لعصر النفاق السياسي والضحك على الجمهور،سوف يتسابق الناس للانتماء إليه،بعد أن فشلت القبيلة والطائفة والحزب في معالجة أمراض المجتمع، ولسوف يجد الجيل المقبل نفسه يسبح في طوفان الوهم الإلكتروني، وهو يردد بحسرة ويطق أصبع ويغني “لا خبر لاچفيّة لا حامض حلو لا شربت”!