ستراتيجية ترامب في الإنسحاب من الإتفاقيات الدولية

0
120

كتب / ساهر عريبي…

تشهدالولايات المتحدة الأمريكية ومنذ جلوس الرئيس دونالد ترامب في المكتب البيضاوي في العام 2016 , تشهد موجة من الإنسحابات الأمريكية من الإتفاقيات الدولية التي هي طرف فيها, ومن والمؤسسات الدولية التي تتمتع بعضويتها, حتى بات واضحا بان هذه الإنسحابات تجري وفقا لإستراتيجية وضعتها الإدارة الأمريكية تقوم على الإنسحاب من تلك الإتفاقيات ومن ثم إعادة التفاوض وفقا لشروط جديدة تضعها إدارة ترامب بهدف تحقيق جملة من الإهداف .

الإنسحابات الأمريكية من المعاهدات الدولية

فقد استهل ترامب ولايته بالإنسحاب من من إتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ المعروفة ب(TPP) التي وقعتها بلاده مع 11 دولة من منطقة أسيا والمحيط الهادئ بإستثناء الصين. تبع ذلك إعلانه إنسحاب بلاده من اتفاقية باريس للمناخ والتي وقعتها معظم دول العالم. ومالبث ترامب أن فاجأ المراقبين بإعلان إنسحابه من الاتفاق النووي الذي وقعته بلاده في مايو 2015 ضمن مجموعة 5+1 مع ايران.وأخيرا توّج إنسحاباته بإعلانه اوائل هذا العام الإنسحاب من معاهدة الحد من الصواريخ النووية المتوسطة المبرمة مع موسكو منذ أيام الحرب الباردة .

واما على صعيد المؤسسات الدولية فكانت باكورتها الإنسحاب الأمريكي من منظمة التربية والعلوم والثقافة التابعة(اليونيسكو) للأمم المتحدة ومن ثم تبع ذلك إعلان الإنسحاب من مجلس حقوق الإنسان التابع لهيئة الأمم المتحدة. وبين كل ذلك أقدم ترامب في شهر أغسطس من العام الماضي على قطع المساعدات التي كان تقدمها بلاده لمكتب الأمم المتحدة لتشغيل الفلسطينيين (الأنروا). ومن المتوقع أن يوقع الرئيس الأمريكي أمرا تنفيذيا يقضي بالتفاوض بشأن اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية “نافتا”، وهي اتفاقية تشمل الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وينتقد ترامب الاتفاقية لكونها تحرم العمال الأمريكيين من وظائفهم.

هذه الموجة من الإنسحابات التي لم تشهد الإدارات الأمريكية المتعاقبة مثيلا لها منذ عقود أثارت تساؤلات حول الدوافع التي تقف خلفها وعما إذا كانت مجرد وفاءا للعهود التي قطعها ترامب للناخبين الأمريكيين أثناء الحملة الإنتخابية الرئاسية والتي تعهد خلالها بالإنسحاب من الإتفاقيات الدولية, ام أنها تندرج ضمن سياسة مدروسة لإدارة ترامب يعيد من خلالها التموضع الأمريكي في الإتفاقيات الدولية لتحقيق جملة من الأهداف التي تروم هذه الإدارة المثيرة للجدل تحقيقها.

وقبل الخوض في ذلك لابد من الإشارة الى أن هذه الإنسحابات الأمريكية أثارت موجة من الإعتراضات الدولية وخاصة من حلفاء أمريكا الغربيين إلا فيما يتعلق بالإنسحاب الأمريكي من معاهدة الحد من الصواريخ النووية والتي حظيت بتأييد الدول الأعضاء في حلف الناتو لإعتبارات تتعلق بالصراع الغربي مع روسيا في اوكرانيا في اعقاب فرض عقوبات غربية على روسيا تحت ذريعة تدخلها في شؤون تلك البلاد الداخلية.

الدوافع

واما عن الدوافع التي تقف وراء تلك الإنسحابات باستثناء السابق فهي لاتخلو من امرين أحدهما إقتصادي وآخر يتعلق بالوقوف الى جانب اسرائيل وحمايتها من أي خطر محتمل ليس آنيا فحسب بل على المدى البعيد. ففيما يتعلق بالإنسحابات الامريكية من إتفاقية باريس للمناخ وإتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ فمن الواضح أن الإدارة الأمريكية نهدف من وراء ذلك تحقيق مكاسب إقتصادية ولو على حساب هذا الكوكب الذي يهدد التغير المناخي مستقبله, اوعلى حساب مصالح دول اخرى وعلاقاتها مع امريكا كما هو عليه الحال مع اتفاقية التجارة. وبات واضحا أن تلك الإنسحابات تهدف أساسا الى إعادة التفاوض على تلك المعاهدات وعودة أمريكا إليها ولكن بالشروط التي يريدها ترامب.

فالاتفاقية التجارية وقعت من جانب 12 دولة في زمن الرئيس السابق باراك اوباما وتهدف للقضاء على الحواجز التجارية في بعض اقتصادات آسيا سريعة النمو وتمتد من كندا إلى فيتنام وتشمل نحو 40 في المئة من الاقتصاد العالمي, وكان الهدف المنصوص عليه في الاتفاقية هو تعزيز الروابط الاقتصادية ودعم النمو بما في ذلك خفض الرسوم الجمركية, كما شملت الاتقاقية تدابير تقضي بتعزيز العمل ومعايير البيئة وحقوق الملكية وبراءات الاختراع وتوفير الحمايات القانونية الأخرى, لكن ترامب يرى أن من شأن هذه الإتفاقية الإضرار بمصالح العمال الأمريكيين. فسياسات ترامب الاقتصادية تؤكد على تعزيز الصناعة المحلية وإعادة الشركات الأمريكية للإنتاج المحلي بدلًا من الإنتاج في الخارج، وفرض ضرائب مرتفعة على السلع والخدمات المستوردة وخاصة من الصين.

وبعد إعلان الإنسحاب كلف ترامب المستشار الاقتصادي لاري كودلو وممثل التجارة روبرت لايتهايزر ببحث كيفية التفاوض بهدف العودة الى المعاهدة التي تعتبر بحكم الميته بعد الإنسحاب الأمريكي منها لكنه لم يوضح شروطه التفاوضية الجديدة كما وان الدول الأعضاء في الإتفاقية رفضت التفاوض وكما افصح عن ذلك رئيس الوزراء الياباني.

وأما إتفاقية باريس للمناخ التي وقعتها 197 دولة عام 2015 بعد مفاوضات صعبة في باريس فتنص على احتواء معدل الاحتباس الحراري وجعل ارتفاع حرارة الارض لا يزيد عن درجتين مئويتين عما كانت عليه في فترة الثورة الصناعية. لكن ترامب أعلن انسحابه منها متذرعا بأن القيود المالية والاقتصادية التي تفرضها الإتفاقية على موقعيها لن تصب في صالح الولايات المتحدة، بل إنها تخدم مصالح الصين والهند بحسب قوله. وعلى ذات النهج اعلن ترامب لاحقا في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيسة الوزراء النرويجية إيرنا سولبيرغ، إن واشنطن يمكن ”نظريا“ أن تعود إلى اتفاقية باريس للمناخ, وهذا تعبير آخر عن العودة ولكن بشروط تفاوضية جديدة لكنه لم يحددها. ويلاحظ ان ان العامل الإقتصادي يقف خلف هذين الإنسحابين.

الإنسحاب من المؤسسات الدولية

وقبل الإنتقال الى إنسحابه الشهير من الإتفاق النووي مع ايران لابد من الإشارة الى إنسحابات ترامب من بعض الهيئات الدولية وفي مقدمتها من منظمة التربية والعلوم والثقافة التابعة(اليونيسكو) للأمم المتحدة والتي تشتهر ببرنامجها ”إرث العالم“ الذي تمّ وضعه بهدف حمایة المواقع الثقافیة والتقالید. واما السبب فهو انتقاداتها المتكررة لضم الاحتلال الإسرائيلي القدس الشرقیة، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة لإجراء ما وصفته ‘إصلاحات جذریة’ في هذه المنظمة كشرط للعودة لعضويتها. وينطبق ذات الأمر على مجلس حقوق الإنسان الذي انسحبت من عضويته على خلفية اتهام إدارة ترامب، لمجلس حقوق الإنسان بأنه ينتهج “الانحياز المعادي لإسرائيل وشن حملة ممنهجة ضدها“ وقد رهن ترامب العودة الى هاتين المنظمتين بتغيير سلوكهما حيال اسرائيل. وأما الإنسحاب من أونرا فقد حرم الكثير من الفلسطينيين المشردين من ادنى الحقوق التي كانت قد اعترفت بها المنظمة الأممية، وترك الباب مفتوحا امام استمرار إعتداءات الإحتلال الإسرائيلي وتضييق الخناق على الفلسطينيين. وهكذا يلاحظ ان الدفاع عن اسرائيل يقف وراء هذه الإنسحابات.

الإنسحاب من الإتفاق النووي مع ايران

وبالعودة الى الإنسحابات الأمريكية من المعاهدات الدولية فإن الإنسحاب من الإتفاق الذي أبرمته مجموعة 5+1 مع ايران حول برنامجها النووي يعتبر الأبرز من بين تلك الإنسحابات لأن تداعياته وضعت منطقة الشرق الأوسط على فوهة بركان بعد التصعيد العسكري الأمريكي ضد طهران. وقد سارت إدارة ترامب على ذات النهج في تعاطيها مع هذا الملف أي الإنسحاب ثم إعلان الرغبة بإعادة التفاوض وهو ماعبر عنه الرئيس الأمريكي مرات عدة منذ إعلان انسحابة قبل عام. وكما حصل مؤخرا عندما أكد ترامب على أنه يرغب في أن يتصل به الإيرانيون معلنا استعداده لعقد محادثات معهم.

لكن اللافت أن إدارة ترامب كانت هذه المرة واضحة في شروطها للتفاوض مع ايران وعلى العكس من إنسحاباتها من المعاهدات الأخرى, فقد أعلنت عن 12 شرطا تتمحور حول استسلام إيران للإدارة الأمريكية، عبر تقليص قدراتها العسكرية وخاصة صواريخها البالستية, والتصدي لسياساتها التي باتت تؤرق أمريكا وحلفائها في المنطقة وفي مقدمتهم اسرائيل والسعودية. ومما يميز هذا الملف ان كلا الدافعين يقفان خلفه ألا وهما حماية اسرائيل والمصالح الإقتصادية الأمريكية.

فلقد نجح ترامب في استنزاف دول الخليج وخاصة السعودية عبر العقود التي وقعها معها والبالغة 460 مليار دولار , وكانت احد محركاتها هو تعهد ترامب بالإنسحاب من الإتفاق النووي الذي طالما سعت السعودية والإمارات الى إجهاضه لكن جهودهما فشلت أمام إصرار إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك اوباما على إبرامه. واما فيما يتعلق بالهدف الثاني وهو تعزيز امن اسرائيل, فقد نجح ترامب في تحقيقه جزئيا عبر إقامة تحالف غير معلن بين معظم دول الخليج واسرائيل تحت شعار مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة فكان الإنسحاب خطوة في هذا الإتجاه. واما الشروط الأمريكية للتفاوض مع ايران فإنها تتمحور حول تعزيز امن اسرائيل على المدى البعيد.

وهكذا يبدو ان التعاطي مع هذا الملف هو الأكثر جدية حاليا من قبل إدارة ترامب التي ترغب في العودة الى الإتفاق النووي مع ايران ولكن بشروط جديدة, لكن الرفض الإيراني القاطع لتلك الشروط لم تتعاطى معه إدارة ترامب كما تعاطت مع ملف اتفاقية التجارة عندما رفضت اليابان شروط ترامب. إذ لجا ترامب الى استخدام سلاح العقوبات ضد ايران وخاصة فيما يتعلق بتصفير صادراتها النفطية وفرض حظر على صادراتها من المعادن وحظر المعاملات المصرفية. وقد ذهب ترامب بعيدا الى حد التلويح بالخيار العسكري الذي وصل التصعيد فيه الى مستويات غير مسبوقه وخاصة بعد تحرك حاملة الطائرات ابراهام لينكولن نحو منطقة الخليج وهبوط قاذفات بي 52 الى قاعدة العيديد في قطر.

وهكذا يبدو أن الملف الإيراني هو الأكثر استحواذا على اهتمام الإدارة الأمريكية التي القت بكامل ثقلها السياسي والعسكري والإقتصادي لحسم هذا الملف, الذي لا يتمحور حول برنامج ايران النووي , وإنما حول دور ايران المتنامي في المنطقة والذي أصبح خنجرا في خاصرة الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ أربعة عقود. وتعتقد إدارة ترامب بان هناك فرصة تاريخية لتحجيم الدور الإيراني بعد ان وصل العالم الإسلامي الى حالة من التردي تشبه تلك التي رافقت إنهيار الدولة العثمانية مطلع القرن الماضي, فكان ثمن هزيمتها هو تقسيم العالم الإسلامي وإقامة دولة اسرائيل أرض فلسطين.

الخيارات

ومع الأخذ بنظر الإعتبار نظرية الصراع الحضاري التي يتبناها صقور افدارة الأمريكية امثال مستشار الأمن القومي بولتن, فإن امريكا واسرائيل بصدد تسجيل نصر تاريخي على العالم الإسلامي الذي سقط معظمه في قبضتهما فيما بقيت ايران صامدة وترفض الخضوع لسياستهما. وفي ظل هذه الأوضاع فتبدو ان الخيارات تتأرجح بين الحسم العسكري او استمرار محاصرة ايران اقتصاديا وسياسيا, وبين استسلام ايران للشروط الأمريكية المذلّة.

ويفتح استبعاد ايران للخيار الأخير الأبواب واسعة أمام الخيارين الأوليين, لكن الصمود بوجه الحصار يبدو مكلفا لإيران بالرغم انها اعتادت عليه وإن كان هذه المرة يختلف عن الحصارات السابقة التي تعرضت لها ايران منذ أربعة عقود, ولايمكن التكهن بتداعياته التي تعول الإدارة الأمريكية عليها وخاصة انفجار الوضع الداخلي في البلاد.

واما الخيار العسكري فإنه ليس خيارا ايرانيا بل امريكيا صرفا ستسعى ايران لتجنبه عبر نزع الذرائع التي قد تتحجج بها إدارة ترامب لتبنيه. ولذا فإن خيار التفاوض الإيراني مع إدارة ترامب هو الخيار الأمثل في المرحلة الراهنة لإيران والذي ستلجأ اليه في محاولة لدرء خطر اكبر وإن كان عبر تقديم تنازلات مرّة, لكن نجاح هذا الخيار سيتوقف على مدى قبول إدارة ترامب لتلك التنازلات واما في حال رفضها فإن الإدارة الامركية ستعول على خيار الحصار الإقتصادي إما لحمل ايران على التنازل او عبر الرهان على تغير الأوضاع داخلها, وفي حال فشل هذين الخيارين فلا يبقى امريكا سوى اللجوء للخيار العسكري.

ويبقى الحديث هنا عن السقف الزمني! ففيما تراهن ايران للخروج من هذا المأزق ,على تغيير الإدارة الأمريكية الحالية سواء عبر الإنتخابات المقبلة او عبر إقالة ترامب , فإن إدارة ترامب ستسعى الى حسم هذا الملف قبيل الإنتخابات الرئاسية المقبلة في العام الجديد. وهذا ما يجعل الخيار العسكري خيار ترامب الأول لكنه مستبعد في الوقت الراهن إذ سيركنه على الرف حاليا ويظل يلوح به بإنتظار هفوة من ايران او حلفائها ضد المصالح الأمريكية وهو مستبعد إلا ان يكون مفتعلا, او بانتظار نجاح الحصار في تحقيق اهدافه أو في تقديم تنازلات ايرانية كبيره, لكن بقائه على الرف لن يطول أكثر من نهاية هذا العام!