قراءة في مشروع(قانون جرائم المعلوماتية):المعلوماتية ليست جريمة!

0
110

كتب/ د.محمد فلحي

المعلومات في حياة الإنسان المعاصر تكاد تكون بأهمية الغذاء والهواء،

وقد شهد  العالم في العقود  الثلاثة الأخيرة  قفزات هائلة في مجال تقنيات الاتصال والمعلومات  الإلكترونية تجسدت ملامحها في البث الفضائي التلفزيوني والإذاعي عبر الاقمار الاصطناعية، وإنشاء شبكة الانترنت وشبكات الهاتف النقال، وهو ما جعل  الكرة الأرضية تبدو كأنها تطفو في طوفان المعلومات، وترتكز ثورة المعلومات  على ثلاثة مكونات هي:

1- التقنيات والأجهزة والمعدات وفي مقدمتها الحاسوب الذي أصبح مندمجاً ضمن شبكة المعلومات العالمية(الانترنت).

2-البرامج والتطبيقات التي تتضمن ذكاءاً اصطناعياً  فائقاً، وهي تشبه الروح في جسد الحاسوب وشبكاته.

3-الرسالة أو المحتوى الإلكتروني الذي يتضمن وسائط متعددة وتفاعلية. في ظل هذه البيئة المعلوماتية الإلكترونية الجديدة لم تعد صفة المرسل أو المستقبل دقيقة، فقد اصبح المرسل مستقبلاً، وأصبح المستقبل مرسلاً، ويمكن أن نجمعهما في آن معاً في إسم واحد هو(المستخدم )،ومن أبرز صفاته عدم الاحتراف، في ما يسمى(صحافة المواطن) وبالأخص في مواقع التواصل الاجتماعي.

ان ثورة  المعلومات أصبحت تشكل حياة البشرية وهي نعمة غير مسبوقة لا يمكن الاستغناء عنها وما زالت  قفزاتها  متواصلة  نحو المستقبل، بطريقة  تفوق  اقصى ما  يتخيله الانسان، ولا شك أن البيئة الإلكترونية المعلوماتية تقتضي وجود أطر إدارية وقانونية ومؤسساتية جديدة تستطيع استيعابها وتوجيهها لخدمة الإنسان وتقليل مخاطرها ونتائجها السلبية مثل الإدمان الإلكتروني أو انتهاك الخصوصية أو الحقوق الفكرية والعلمية وغيرها من القضايا التي أصبحت من سمات الفضاء الإلكتروني المفتوح بدون قيود .

العراق مثل أغلب بلدان العالم  النامية، لم يكن يمتلك الارضية المهيأة لانتشار تقنيات المعلومات الإكترونية واستخدامها، وما زال القانون العراقي يفتقر الى التشريعات التي تنظم البيئة المعلوماتية، ومن هنا جاء طرح مشروع (قانون جرائم المعلوماتية ) الذي قدم بصيغته الأولى منذ عام 2011 وتمت قراءته الأولى في الدورة البرلمانية الرابعة الحالية، في بداية العام  الحالي،حيث تم ترحيله من دورتين برلمانيتن سابقتين، وتأجل تشريعه وإقراره بسبب وجود الكثير من وجهات النظر المتقاطعة حول مضامينه وفقراته ونتائجه المتوقعة وانعكاساته على الحياة الاجتماعية والحريات الفردية، وهو حصيلة جهد مشترك لست لجان برلمانية هي لجنة  الأمن والدفاع ولجنة التعليم العالي واللجنة القانونية ولجنه الثقافة والإعلام والسياحة ولجنه حقوق الانسان والأسرة والمرأة والطفل ولجنة الخدمات والإعمار .

تنص المادة 2 من القانون المقترح:”يهدف هذا القانون الى توفير الحماية القانونية للاستخدام المشروع للحاسوب وشبكة المعلومات ومعاقبة مرتكبي الافعال التي  تشكل اعتداء على حقوق مستخدميها من الاشخاص الطبيعية أو المعنوية ومنع اساءة استخدامه في ارتكاب جرائم الحاسوب”.

هناك جملة ملاحظات يمكن عرضها على الجهات المعنية لعلها  تكون مفيدة قبل إقرار القانون المتوقع خلال الأيام المقبلة، وفي مقدمتها تسمية القانون التي ينبغي ان تكون:(قانون تنظيم نشر وبث واستخدام المعلومات الإلكترونية)حيث يفترض أن لا يقتصر القانون على الجرائم والعقوبات، فالمجتمع العراقي يحتاج الى تنظيم البيئة الالكترونية بكاملها، وتحديد الحقوق والواجبات والعقوبات،ويخشى الكثيرون ان يتعارض هذا القانون مع مضمون المادة 38 من الدستور العراقي التي تكفل حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، وتضمن حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر،وهو ما يدعو إلى التأني في تشريع القانون،وينبغي أن يخضع لحوار وطني عميق،لأنه يمس حياة العراقيين جميعاً،ويرتبط مع مستقبلهم وقدرتهم على استيعاب تكنولوجيا المعلومات وطريقة توظيفها للمنفعة العامة.

هناك قسوة واضحة في أغلب العقوبات المقترحة،فلو طبقت فقرات هذا القانون على مستخدمي البيئة الالكترونية المعلوماتية الواسعة فان غالبية  الشعب العراقي سوف تكون في موضع الاتهام وفي مقدمتهم الطبقة السياسية الحاكمة، وقد لا تكفي السجون لاستيعاب كل من تشملهم العقوبات القاسية في هذا القانون، وهناك نظرة ضيقة في إطار القانون لأنه يقتصر على ما يسميه(جرائم  الحاسوب) في حين أن البيئة الالكترونية المعلوماتية أوسع من ذلك  بكثير.

لم ترد إشارة الى أجهزة الهاتف النقال وشبكاتها وشركاتها  ولم يغط  القانون البث الإذاعي المسموع والقنوات التلفزيونية، الأرضية والفضائية، على الرغم من التداخل الذي أصبح من سمات تكنولوجيا المعلومات،والاندماج بين أجهزة الحاسوب والهواتف والشاشات  التلفزيونية الذكية، وأن المعلومات الإلكترونية سواء كانت نصوص أم أصوات أم صور أم فيديوات أصبحت تنساب وتتحرك وتنتقل ويتم  تبادلها بسهولة بين هذه الاجهزة الذكية.

تضمّن الفصل الثاني من مشروع القانون المقترح أحكاما

عقابية قاسية قد لا يوجد لها مثيل في تشريعات الدول الأخرى، فقد تكررت عقوبة(السجن  المؤبد) في المواد 3 و4 و5 و6 وتشمل عدداً كبيراً من الجرائم التي لا تقتضي في أغلبها هذا النوع  من العقوبة القصوى، ومثال على ذلك الفقرة ثالثا من  المادة 6:” نشر أو إذاعة وقائع كاذبة أو مضللة بقصد  إضعاف الثقة بالنظام  المالي الالكتروني أو الأوراق  التجارية والمالية الالكترونية  وما في حكمها أو الإضرار بالاقتصاد الوطني والثقة المالية للدولة”.

المادتان 7-8 تنصان على عقوبة (السجن المؤقت)مع غرامات مالية وذلك دون تحديد مدة(السجن المؤقت)،أما المواد من 9 الى23 فتتضمن عقوبة الحبس أو السجن لمدد متفاوتة تتراوح مابين عام  واحد الى عشرة أعوام، إلى جانب غرامات مالية كبيرة ،أما الجرائم  التي تشملها  هذه العقوبات فهي متعددة ومتنوعة،ومثال على ذلك الفقرة ثانيا من  المادة 18 التي جاء فيها:(يعاقب بالحبس مدة لا تزيد  على 3 سنوات وبغرامة لا تقل عن مليوني دينار ولا تزيد  عن 3 ملايين دينار كل من استخدم  أجهزة الحاسوب وشبكة المعلومات وانتحل  صفة او إسماً ليس له بقصد التضليل والغش)، هذه الفقرة قد تشمل كل من يستخدم إسماً مستعاراً على شبكات التواصل  الاجتماعي، وهم كثيرون، وبخاصة من النساء اللواتي لا يردن اظهار شخصيتهن أو أسمهن الحقيقي لأسباب اجتماعية معروفة،وقد  تستغل هذه الفقرة بطريقة واسعة في معاقبة الكثير من الابرياء وهناك  فقرات مشابهة كثيرة تكون فيها العقوبة شديدة، ولا تتناسب مع حجم الجريمة المفترضة.

وقد ذهب محرر مشروع القانون نحو قمة القسوة عندما أشار إلى تطبيق العقوبة الأشد،في حالة وجود قوانين أخرى  تغطي الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون،وهو ما يجعله سيفاً مسلطاً على رقاب الناس في ظل بيئة إلكترونية معلوماتية عالمية مفتوحة،وإن من أبرز مكاسبها الحرية الواسعة وتداول المعلومات بدون رقابة صارمة أو قيود كثيرة.