دعوات سافرة لإحتلال العراق1!!!

0
65

كتب / محمد ضياء عيسى العقابي…

سيقول قائلهم: ولماذا علامات التعجب في عنوان المقال؟ ألم يدعُ غيرُهم، وبالتحديد الشيعة، الأمريكيين لإطاحة نظام حزب البعث العربي الإشتراكي؟

أقول: لو حذّرت المرجعية الدينية في النجف الأمريكيين بأنها ستُصدر فتوى للجهاد لمقاومتهم بالسلاح إذا ما إحتلوا العراق – لإمتنع الأمريكيون عن إحتلال العراق عام 2003 سواءً بـدافع “حكمتهم” هم أو بنصح حلفائهم البريطانيين الذين ذاقوا الأمرّين على يد الجماهير العراقية الثائرة التي ناشدتها المرجعية في ثورة العشرين بالنهوض ضد الاحتلال البريطاني للعراق، لدرجة أن [[القوات البريطانية إستعملت سلاحاً مستحدثاً، وكان ونستون تشرتشل وزير الحرب والطيران متحمساً للسلاح الكيميائي وإستخدم القوة الجوية حتى أنه قال: “أنا أقف بقوة الى جانب إستخدام الغاز السام ضد قبائل غير متحضرة لأشيع الإرهاب الحي”. “لقد كانت القوة الجوية عديمة الرحمة إذ ألقت (97) طناً من القنابل وأطلقت (200) ألف قذيفة. وقُدر عدد الضحايا من العراقيين بـ (9000) قتيلاً.”]] (1)

ولكن ولكن ولكن لو حذرت وهددت المرجعية الأمريكيين ومنعتهم من إطاحة نظام صدام الطغموي(2) لفقدت المرجعية مصداقيتها أمام الجماهير العراقية عموماً وبالأخص الشيعية بجميع مشاربها ولإنفضَّ الناس عنها ولتشتَّتَ الشيعةُ في العالم شرّ تشتت. لمــــاذا؟

لأن الشيعة في العراق بجميع قومياتهم وكذلك الكرد بجميع أديانهم ومذاهبهم وكذلك أصحاب الديانات والقوميات الأخرى كانوا يعانون أشد المعاناة من سياسة ممنهجة مبرمجة للتطهير الطائفي والتطهير العنصري. وقد إمتد ذلك النهج الإقصائي القمعي الى كافة المعارضين السياسيين له من كافة شرائح الشعب العراقي الأخرى. هذه هي الحقيقة المأساوية الدامغة.

وإذا أردنا الضحك وقلنا إن النظام الصدامي كان له مشروع “قومي وحدوي تحرري” (كما يعتقد الكثيرون من العرب خارج العراق لحد الآن) فمشروعه لم يكن يعدو الصيغة التالية: إنه أراد توحيد الأمة العربية بدءاً بالمجتمع العراقي بجعله، قسراً وبالحديد والنار، مجتمعاً ذا قومية واحدة وذا دين واحد وذا مذهب واحد وذا فكر واحد يقوده حزب واحد ويتحكم به قائد واحد أوحد!!.

وإذا أردنا الجد والضحك في آن فأقول إن الأمريكيين “تعاطفوا” مع مشروع صدام “القومي الوحدوي” فساعدوه في محاولة تحقيق نفس الصيغة “القومية الوحدوية” أعلاه على نطاق المنطقة بدءاً بـايران التي كشفت عن “فارسيتها ومجوسيتها وصفويتها وصهيونيتها وحقدها على فلسطين والأمة العربية” بعد إسقاط نظام الشاه وتأسيس النظام الإسلامي مما أزعج الأمريكيين والسعودية الوهابية وصدام فهاجموها.

ثم أتبعها صدام بأول خطوة “وحدوية عربية” فإحتل الكويت “إستجابة لرغبة جماهيرها الثائرة المنادية بإسمه”!!

ومن سنن الطبيعة البشرية أنه ما من شريف في هذه الدنيا يرضى أن تُمحى هويتُه الثانوية (خاصة الهوية المذهبية والهوية القومية) التي تلي هويتَه الأولى وهي الهوية الوطنية العراقية ويطأطأ رأسه صاغراً لحزب هو ليس بحزب بل هو ذراع من الأذرع الأمنية التي تخدم سيدهم الأوحد المجرم الأرعن صدام حسين الذي دمر المنطقة بأكملها وكل ما تعانيه الأمتان العربية والإسلامية اليوم من مآسٍ تمتد جذورها الى أفعال ذلك المجرم الأرعن وأتباعه النعاج المنتظمين في حزبه الأمني.

وللتوضيح وبإختصار أقول: إستسهل بعض “ثوار” ما يسمى “الربيع العربي” قضية الثورة إذ خُيّل إليهم، خاصة في سوريا وليبيا، أنهم إذا خرجوا في تظاهرة في الصباح فستأتيهم القوات الأمريكية لنجدتهم في المساء، بعد أن رأوا سرعة إنهيار النظام العراقي دون أن يفقهوا سبب إنهياره السلس حيث إستنكف عن الدفاع عنه الشعبُ العراقي لفرط الأهوال التي مرّ بها فلجأ زعيمه “المغوار” الى حوض تعفين (سبتك تانك) مهجور وطلب التفاوض مع الأمريكيين بعد إلقاء القبض عليه!!

(سوف أشير الى حزب البعث العربي الإشتراكي العراقي بالحزب الصدامي تمييزاً له عن حزب البعث العربي الإشتراكي السوري حيث لا يوجد وجه شبه بين الحزبين إلا في الإسم وحسب.)

ولكن المرجعية كانت أذكى منهم جميعاً بضمنهم الأمريكيون والبريطانيون. إذ قدرت المرجعية أن الحجة التي تذرّع بها الأمريكيون لإحتلال العراق وضرب النظام الصدامي هي ذاتُ “صلاحية” محدودة وبعدها ستخرج القوات الأمريكية صاغرة وإلا…..؛ إذ حسِبَ الأمريكيون حساباتهم فساقوا حجة سلاح الدمار الشامل لإحتلال الأراضي العراقية وهذا هو المهم بالنسبة اليهم كنقطة بداية إذ ظنوا أنه سيضمن لهم ديمومةَ بقاء قواتهم في العراق لتنفيذ مشروع المحافظين الجدد على خلفية الإفتراض الخاطئ القاتل الذي وقعت به الإدارة الأمريكية وهو أن صدام كان قد طحن عظام العراقيين قاطبة، أفراداً وجماعاتٍ، فأصبح الجسد العراقي جثة هامدة لا تقوى على الوقوف بوجه الأمريكيين إذا ما طال أمد بقائهم بعد إنتهاء مهمة البحث عن أسلحة الدمار الشامل سلباً أو إيجاباً، فلا من سائل ولا من مجيب ولا هم يحزنون!!.

وبالفعل، فما أن أعلن الأمريكيون إنتهاء مهمة التفتيش عن أسلحة دمار شامل حتى بادرتهم حكومة الرئيس نوري المالكي بطلب الخروج من العراق. وافق الأمريكيون وقدموا مسودة إتفاقية للتعاون كأصدقاء طلبوا فيها الإحتفاظ بـ (320) قاعدة وموقعاً عسكرياً حسب صحيفة “الإنديبندنت” البريطانية؛ ولم يحصلوا على شيء من هذا القبيل فإنسحبت جيوشهم وعَبَرَ آخر جندي أمريكي الحدودَ العراقية – الكويتية بإتجاه الكويت ليلة 16/12/2011.

وبتآمر الأمريكيين وتركيا الأردوغانية والسعوديين والقطريين والإماراتيين والطغمويين والإنفصاليين عاد الأمريكيون الى العراق من الشباك ممتطين داعش، عادوا على هيئة مستشارين ومدربين ضمن تحالف دولي. دحر العراقُ داعشاً بقواته المسلحة وحشده الشعبي وسلاحه الروسي (حسب الدكتور قصي السهيل) ولكن الصراع مع الأمريكيين مازال قائماً إذ يصر الأمريكيون على الإمساك بالقرار العراقي لتنفيذ مخطط المحافظين الجدد للهيمنة على العالم. ويصر العراقيون على سيادتهم وإستقلالهم وتضامنهم مع الشعوب العربية وخاصة الشعبين السوري والفلسطيني وإسقاط صفقة القرن ورفض أن يكون العراق منطلقاً لأذى الجار الإيراني الذي تحاربه أمريكا وإسرائيل والرجعية العربية لموقفه المشرف مع الشعب الفلسطيني والسوري والعراقي.

والصراع مازال قائماً وهو موضوع هذا المقال.

بقيت هناك عدة أمور لابد من توضيحها من أجل أن تكتمل صورة خلفية الأحداث وهي:

أولاً: إذا كانت المرجعية بهذه القوة الجماهيرية، فلماذا لم تصدر فتوى بالجهاد ضد حكم البعث الصدامي والإطاحة به وكفت العراق والعراقيين شر الاحتلال الأمريكي والضحايا؟

أقول: لو واجه العراقيون البعث الصدامي لأبادهم عن بكرة أبيهم دون تردد. وما كان من أحد سوى إيران وبعض أشراف العرب ليبكوهم.

إن مواجهة الإمبريالي الملتزم بالحدود الدنيا للتحضر وحقوق الإنسان أمام شعوب العالم لهي أهون بما لا يقاس من مواجهة العميل الشمولي المتخلف والمتوحش. بلغ النظام البعثي الطغموي على يد صدام حداً من الطغيان بحيث لم يعد قادراً على إطاحته سوى الله أو أمريكا. وأطاحت به أمريكا كنقطة بداية لتنفيذ مشروع المحافظين الجدد للهيمنة على العالم، لا لضرب نظام “يناضل من أجل الوحدة العربية ونصرة فلسطين” كما يظن كثير من القوميين العرب لحد اليوم لأنهم يغفلون الربط العضوي بين النضال ضد الإمبريالية والصهيونية وبين ديمقراطية الشعوب إذ ليس بإمكان الشعوب المقهورة أن تنتصر على عدو غاشم. هل يُعقل أن أُضحي بروحي لصيانة شرف وحقوق الغير وأنا شرفي مهدور؟!!

إن صدام بنظامه كان عميلاً مؤقتاً أدى مهامه ومضى عكس العميل الدائم الموثوق.

ثانياً: لم أتهم صدام بالرعونة إعتباطاً. إنه مجرم ذكي وحاذق وواضح مع نفسه يعرف ما يريد ولا يقف بوجهه رادع أخلاقي أو قيمي. مع هذا بقي جاهلاً محدود المعرفة بالسياسة الدولية وميكانيزمات العمل في الداخل الإمبريالي.

ظن صدام أنه يمتلك السمة الذهبية والسلعة الغالية اللتين يسيل لهما لعاب أمريكا الإمبريالية.

أما السمة فهي القسوة الشمولية ظناً من صدام الجاهل أن الأمريكيين يلتزمون الحاكم القوي. ليس الأمر كذلك في كل الأحوال فهناك الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني التي تراقب وتحترمها الحكومات الإمبريالية لحدود معينة وهذه المرونة هي التي أطالت بعمر الإمبريالية فلو كانت تكتيكاتها غبية بغباء الستالينية لزالت عن وجه الأرض منذ زمن بعيد بينما بقيت وزال أرقى نظام علمي إنساني وهو النظام الإشتراكي لغباء تكتيكاته الستالينية.

أما السلعة الغالية فهي إستعداد صدام في أي وقت لخوض حرب مع إيران التي أصبحت مصدر خطر على الدولة الصهيونية والمصالح الإمبريالية والرجعية العربية وعلى رأسها الوهابية ودولتها. ظن صدام أن هذا العامل كفيل بتحصينه ونظامه وجعلهما موضع رضى أمريكا وهو الطريق الى إستخلاف الشاه ككلب حراسة للمصالح الإمبريالية في الجنوب العربي أي الدول الخليجية التي أعلنتها أمريكا منذ أيام الرئيس جيمي كارتر “منطقة مصالح حيوية عظمى” لأمريكا.

أدى صدام خدمته على أحسن وجه فشن حرباً على إيران دمرت البلدين وإحتل الكويت وأرعب الخليجيين والسعودية وصاروا طيّعين بيد أمريكا. لذا فما عادت هناك حاجة لصدام فحرقوه في آخر لعبة وهي إحتلال العراق ليصبح الاحتلال نقطة البدء في تنفيذ مشروع المحافظين الجدد للإندفاع نحو شرق آسيا بهدف الهيمنة على العالم مستخدمين رعب السعودية ودول الخليج الذي ولُّده صدام فيهم وإقتنصته أمريكا لتسخيره ضد إيران وتصويرها كعدو أول للعرب وليس إسرائيل.

قال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية لهدى الحسيني مديرة مكتب صحيفة “الشرق الأوسط” في واشنطن رداً على سؤالها عن كنه ما فعلته أمريكا من قلب أحوال الشرق الأوسط بإحتلالها العراق: “كنا نريد عقد حلف نفطي عسكري مع العراقيين وكنا نأمل أن يسقط الأسد وياسر عرفات مباشرة ولكن هذا لم يتحقق.”

كل هذا تمهيدات لمحاولة تمرير صفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية وتمزيق الدول العربية وتمكين إسرائيل من التحكم بالمنطقة بقفاز سعودي مرحلي كي تتفرغ أمريكا لمتابعة جهدها الأكبر في شرق أسيا حيث التحدي الأكبر الذي يهدد النظام الرأسمالي المعلول بطبيعته الإمبريالية.