المحاصصة… المرض المُزمن في العراق

0
119

كتب / أ.د. محسن القزويني…
الكُل يلعن المحاصصة …ويلعن من صدَّرها للعراق…ومن أقرها ونفذها واستمر عليها، لكن عندما يحين الحين ويُفتح ملف الموازنة وملف الوزراء وملف تعيينات الوكلاء والسفراء والمدراء العامين واعضاء الهيئات المستقلة واللجان المتخصصة يسيل لعاب الكتل السياسية فتنسى خُطبها العصماء فتُطالب بحصتها تحت مسمى الإستحقاق الإنتخابي ، إذ اصبحت المحاصصة واقعاً متجذراً ، ومرضاً مزمناً لايتعافى منه العراق إلا بمعجزة او شبه معجزة كأن يتحول النظام السياسي من برلماني الى رئاسي ، او تتغيّر النفوس فتصبح طاهرة كالملائكة، او ياتي الله بقومٍ يُحبهم ويُحبونه إذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين … لايخافون في الله لومة لائم .
فالنوايا الطيبة التي كان يحملها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بإلغاء المُحاصصة والتي على أساسها وافق على ترشّحه لهذا المنصب تحطّمت مع اول لائحة حكومية قدّمها للبرلمان العراقي فيها اسماء كابينته الوزارية .
وأُذّكرُ بما كتبهُ في 23-5-2018 على صفحته في الفيس بوك يوم كان إسمه متداولاً في الاوساط الاعلامية ، كتب تحت عنوان (رئاسة الوزراء أشكركم فالشروط غير متوفرة) مُعلناً رفضه المشاركة في المنافسة على منصب رئاسة الوزراء .
بعد ذلك منحته الكتل السياسية العهود والمواثيق بعدم العودة الى المحاصصة فحصلت الموافقة .
لكن ماذا حدث بعد ذلك ؟
مع أول تصويت على الحكومة ، عادت حُمّى المُحاصصة لتحذف أسماء وتُثبّت أسماء ،ولا زال العراق حتى يومنا هذا يُعاني من هذه الحُمى حيث لم تكتمل الكابينة الوزارية .
وقد صحت توقعات عادل عبد المهدي بأنه لايستطيع أن يُقاوم ما تُريده الكتل ، والتي كانت سبباً لتردده في الموافقه على إستلام منصب رئاسة الوزراء .
والمُشكلة كما هو واضح تتعدى الكابينة الوزارية الى لجان مجلس النواب التي لازالت بلا رؤساء وهذا ما يُفسّر لنا ضعف إداء المجلس ، فمُنذ قيامه لم يستطع ان يسن قانوناً واحداً ، علماً بأن هُناك مجموعة قوانين الحد الاقصى على صدورها هو عام 2019 مثل قانون الإدارة المحلية .
وبسبب المحاصصة لم يستطع البرلمان بدوراته المتعددة من تشريع قوانين مهمة كقانون النفط والغاز وقانون المحكمة الدستورية وقانون المجلس الاتحادي ، وحتى القوانين التي تم سنها في الدورات السابقة كقانون الانتخابات إصطبغ بَعضها بصبغة المحاصصة .
لقد دفع العراق ثمناً غالياً من ماله ودمه بسبب المحاصصة ، فأصبح ضمن الدول العشرة الاكثر فساداً في العالم نتيجة المحاصصة التي عطّلت مهمّة مراقبة البرلمان على عمل الحكومة ، وعدم مُحاسبة المُقصرين ، فجاءت بأشخاص غير كفوئين ومنحتهم مناصب رئيسية في الدولة .
ويوم ترشح عادل عبد المهدي انتعش الشارع العراقي الذي كان ملتهباً بحرارة اشهر الصيف الطويلة . فتوقفت المظاهرات والاحتجاجات التي عمّت العراق على أمل تحقق الإصلاحات التي وعد بها عادل عبد المهدي ، ولكسب ثقة الجمهور قام بخطوتين ذكيتين :
الاولى عندما أخرج مكتبه من المنطقة الخضراء والذي عبّر من خلاله بأنه سيعمل خارج اللعبة السياسية المُتعارفة في المنطقة الخضراء .
والخطوة الذكية الثانية التي قام بها السيد عبد المهدي ؛ هي فتحهُ للبوابة الإلكترونية للترشح لوزراء حكومته حيث بلغ عدد المرشحين (15184) توزعوا على جميع المحافظات وعلى جميع الوزارات ، وتم اختيار افضل (601) مُرشحاً لمقابلتهم وهي سابقة حميدة تُسجل لرئيس الوزراء . وبهاتين الخطوتين كسب السيد عادل عبد المهدي ليس فقط الشارع العراقي بل النُخبة المُثقفة والواعية من ابناء الشعب العراقي من اساتذة الجامعات واهل الاختصاص والوجوه الاجتماعية والثقافية من الادباء والشعراء .
لكن ماذا حدث بعد ذلك ؟.
خابت ظنون عادل عبد المهدي ببعض الكتل السياسية التي وجدها كالجدران الصمّاء تصدُّ كل نسمة للإصلاح في هذا البلد العريق ، فاضطر لتجاوز الفترة القانونية التي حددها الدستور خلال شهر في تقديم كامل وزرائه الى مجلس البرلمان ، واليوم يمر اكثر من خمسة اشهر على ادائه القسم ، وهُناك ثلاث وزارات شاغرة ، واربع وزراء عليهم شكوك بعض الكتل السياسية . يحدث كل ذلك والصيف على الابواب يطرق طبول حرب الاحتجاجات التي ستكون هذه المرة اقسى واقوى من ذي قبل .
فإذا كانت البصرة قد شهدت تلك الاحتجاجات التي بسببها خسر حيدر العبادي الدورة الثانية ، فإن شرارة اللهب ستنتقل في الصيف القادم الى بقية المحافظات اذا لم تلبِ الحكومة الحاجات الاساسية للشعب العراقي من الماء والكهرباء وبقية الخدمات الاساسية .

فليس امام الكتل السياسية الحاكمة في العراق إلا التنازل عن بعض مصالحها وتضع يدها بيد رئيس الوزراء الذي لازال داعياً للإصلاح ومصمماً على التغيير ، ولتكن الدورة التشريعية القادمة مُنطلقاً للتغيير وإكمال نواقص الحكومة والمجلس في آن واحد بانتخاب رؤساء اللجان وملأ الوزارات الشاغرة تمهيداً لتنفيذ البرنامج الحكومي الذي سيضع العراق على السكة ليؤدي دوره الوطني والاقليمي في المنطقة العربية .