سيادة العراق …وتصريحات غير مسؤولة لترامب

0
186

كتب / عبد الخالق الفلاح…
اختلفت التفسيرات التي تُحاول تعريف مفهوم الاستبداد الذي يعني الانفراد والتسلط ، وداء ابتليت به الكثيرة من الشعوب في بعض مراحل التاريخ ولازالت تأن من شدتها ومن تحديات صعبة مرت عليها وهو أسوأ أنواع السياسة، وأكثرها فتكا بالإنسان ، و يؤدي إلى التراجع في كافة مرافق الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية …الخ، وإلى تعطيل الطاقات وهدرها، وإلى سيادة النفاق والرياء بين مختلف فئات تلك المجتمعات ، كل حسب مجالات اشتغاله أو ميادين مقاربته، سواء من حيث الأفكار والمعتقدات أو من حيث الممارسات والسلوكيات. غير أن الطبيعة التي يَتولَّد عنها أو يُولِّدها في مكان وزمان تبلوره، تَظَلُّ واحدة. وغالبًا ما تكون متَّسِمة بالاستعباد والاغتصاب والاستحواذ والاستئثار دون وجه حق تارة كما تفعل الولايات المتحدة الامريكية في منطقة الشرق الاوسط ؛ حيث نجدها تَتَّسم بالنّهب والتسلط والطغيان تارة أخرى والتي نشاهدها في العلاقة مع المملكة العربية السعودية ودول اخرى في المنطقة التي تتسلط على رقاب شعوبها بالقوة وحد السيف من اجل تحكيم وجودها في السلطة .

كيفما كانت الأوضاع التي يظهر الاستبداد فيها، فإنها غالبا ما تَتَّصِف بالمأساوية. تظل رغبته في النزوع إلى الاستعباد والتسلط والاستلاب، وفي رغبة ممزوجة بميول طغيانية لا تتغير أو تتبدل، بل تزداد أُلْفَة نظرًا لتوفر المستبد على آليات وأدوات لدعم مختلف عاداته السيئة، ومحاولة فرضها على الآخرين لمجرد اعتقاده بأن كل سلوك يصدر عنه، يعتبر من وجهة نظره قيمة سياسية لوجوده.

ان التصريحات الاخيرة للرئيس الامريكي دونالد ترامب : النص : إن “احتفاظ الولايات المتحدة بوجود عسكري في العراق أمر مهم حتى يمكنها مراقبة إيران، لأنها تمثل مشكلة حقيقية ” والذي جوبه برد من قبل السيد عادل عبد المهدي في مؤتمره الصحفي الاسبوعي إنه “لا توجد قواعد عسكرية اميركية في العراق، بل هناك مدربون في اطار التحالف الدولي”، مبينا “نرفض استخدام العراق من قبل اية دولة ضد دولة اخرى، حيث سنبلغ الجانب الامريكي بوجهة نظرنا”، داعيا “الاصدقاء الأمريكان”، الى “سحب هذه التصريحات والتراجع عنها”: مثل هذه التصريحات تدل على الجهل ومحاولة لخلط الأوراق في المنطقة وفي بقاء القوات الامريكية في العراق من هذا النوع من الكلام تعني استفزازاً وحيث تطبقها خطوة بخطوة سوف تكون لها عواقب وردود افعال قوية شعبية ولا يجب الرضوخ لها ولا تقبل السكوت عنها فإن العراق كدولة ذات سيادة واستقلال وتاريخ وحضارة تفتقر لها بلدان عديدة “حتى الولايات المتحدة الامريكية من بينها” وقيادته الحالية مسؤولة مباشرة امام هذا التحدي العلني الوقح والمقززلكل وطني شريف للمحافظة على ارض وسماء الوطن وشعبه سيدافع عن نفسه واذا كان يريد من خلالها إرسال رسائل مبطنة لتحقيق أشياء غير مفهومة المعاني ، فارض العراق ليست ضيعة لاحد ولن تنفع في هذه المرحلة مثل هذه الامور والقيادة السياسية للبلد يجب ان يكون لها موقف واضح وصريح هذه المرة لان مثل التصريحات لا يرتضي لها المواطن الحريص على بلده ووطنه لأن الترميز بات سهل الفك، ومما لاشك فيه ان زيارة الرئيس ترامب إلى القاعدة العسكرية في العراق “عين الأسد” في رأس السنة الميلادية كانت لها مدلولات كبيرة،والتي قال عنها ” لديه قاعدة مثالية الموقع يستطيع ، من خلالها مشاهدة اجزاء كثيرة في الشرق الاوسط المضطرب .وانّه سيستمر في المراقبة ليرى فيما اذا كانت هناك مشكلة ، أو فيما اذا كان احد يتطلع الى صناعة اسلحة نووية ، فسوف يعرف ذلك قبل أن يفعلها ذلك الشخص” وتحمل في طياتها رسائل تهديد كثيرة، وخاصة إلى المحور الذي أرغمه على الانسحاب من سورية والنجاحات التي حققها الجيش العربي السوري مع الدول المقاومة والمتحالفة معه كانت ملهمة لإخراج قواته مهزومة من هذا البلد وتعاني مشاكل في ميزانيتها السنوية من عجز ، “ولان الحرب اصبحت مكلفة حيث ان وزارة الدفاع الامريكية قد خصصت 69 مليار دولار لنفقاتها العسكرية في افغانستان والعراق وسوريا من ميزانيتها لعام 2019 والتي بلغت 716 مليار دولار بزيادة 16 مليار عن ميزانية 2018 .وفي حالة انسحابها من العراق بعد خروجها من سوريا وافغانسان، فانها ستوفر هذا المبلغ ، الذي هو اكبر من ميزانية وزارة الدفاع الروسية لعام 2019 بما يقارب 19 مليار دولار”. وممّا لاشكّ فيه ان توفير مثل هذا المبلغ الكبير سيمكّن الولايات المتحدة من خوض سباق تسلح مريح ، وحيث تعتقد انها ستكون مكلفا بدرجة كبيرة لروسيا وهي تعرف حقاً ان الشعوب لا تتخلى عن حريتها واستقلالها حتى تحت وطأة المخادعة والتضليل ولن تمر عليها و يكون لها ردا غير محدود على اي تصرف اذا ما اصرت في بقاء قواتها وهذا حق طبيعي نصت عليه القوانين الدولية ومواثيق الامم المتحدة .

والقلق لا يأتي من تواجد اعداد من القوات الامريكية الموجودة وشرعنة اغتصاب البلدان و بقائها على الارض العراقية و ادخال الجمهورية الاسلامية الايرانية في المعادلة والتي لا تغفل قوتها في تطوير امكانياتها العسكرية واخرها وضعتْ رؤوساً حربيةً مُوجَّهةً بدقة فوقَ أكثرِ صواريخِها تطوراً وأطولِها وذاتِ قدرةٍ على الوصول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة والقواعدِ العسكريةِ الأميركية في الخليج الفارسي. ويبلغُ مدى الصاروخ ألفي كيلومترٍ، ويُستخدَمُ فيه الوَقودُ السائل، وهو صاروخ “ارض-ارض” بطولِ ثلاثةَ عَشَرَ متراً، وقطرِ مترٍ ونصفِ المتر. وهذا النموذجُ من الرؤوس الحربية كانَ قد تمَّ تزويدُ الصاروخ “عماد” في الأعوام السابقة، كما تمَّ تزويدُ العديد من الصواريخ به مثلِ “قدر” و”قيام ” وهي تعلم فشلها و بكل صراحة في حال جرى أي تصعيد مقبل نحوها ستكون القواعد العسكرية الامريكية التي تقام على الاراضي العراقية سهلة وفي مرمى هذه الصواريخ ولا تعني التطور العسكري الايراني جزء من الشروع بتعبئة لحرب انما لاجل الدفاع عن مصالحها . هذه المواقف والتحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة في داخل الأراضي العراقية ، تمثل إنتهاكاً صريحاً للسيادة العراقية، وتحدياً صارخاً للإرادة السياسية الحُرة الهادفة لتحييد العراق عن أي صراع أقليمي وتجنيب الدولة خوض حرب بالوكالة عن إرادة ومصالح من لا يريد بالعراق والمنطقة خيراً وقد تكون اشارة لمحاولة تغيير في رسم خرائط النفوذ في المنطقة من قبل امريكا، ورسالة حول استذكار انّ القوى الكبرى لم تقرر تسليم المنطقة لقوى اقليمية بسهولة وخاصة تجاه ايران التي تقود المقاومة بكل شجاعة والتي حملت شعار ” هيهات من الذلة ونفضل ان نموت واقفين على أن نحيا راكعين ” واشارة لتركيا كونها غيرت سياستها نوعياً حول هذا الملف و ليست مطلقة اليد في سوريا بعد الانسحاب الامريكي منها ، والحقيقة لا يعني إلأ من اجل الوقوف لحماية إسرائيل وهو جزء من الأمن القومي الأمريكي كما تعتقد ، فالولايات المتحدة الامريكية متواجدة في سوريا والعراق، ليس لمواجهة داعش والقاعدة والمجموعات الارهابية الاخرى التي صنعتها وتعيش نهايتها ، بل للحفاظ على أمن إسرائيل، وهذا لا يمكن تحقيقه كما تعتقد إلا من خلال عدم الاستقرار في منطقتنا، و ما كانت تريده الولايات المتحدة الأمريكية وانشئته في سوريا وفي العراق وباتت ملامحه مكشوفة وتظهر بالتدريج .إلا ان سياسة ترامب الانعزالية في الداخل الامريكي وعدم التأييد في الخارج سوف لن تجعل امريكا هي الاقوى كما كان يدعي في خطابات الترشيح للانتخابات و لاينبغي للولايات المتحدة من تبديد قوتها في مناطق لا تشكّل تحدّيا حقيقيا لأمنها ووجودها كما هو واضح وللشعوب كلمة .