امة المطرب.. لا امة المفكر

0
401

كتب /د. ياس خضير البياتي…

لست ضد الطرب والمطربين، ولست ضد الغناء، فالعالم بدون الموسيقى الراقية صحراء جرداء لا حياة فيها ولاجمال، لكنني ضد ظاهرة ان يتحول الطرب الهزيل في امة تعيش عصر الجيل الرابع من العصر الرقمي، الى ظاهرة اجتماعية تنهش بالأمة فتكا في قيمها الاجتماعية المتبقية، وتفسد ما تبقى من قيم الحياة ومباهجها الرصينة، وتجعل خريطة البشر تسير بالمقلوب، فيتسيد جهلة القوم جبهة الحياة أهمية وحضورا، وينزل رجال العلم والثقافة الى قاع المجتمع، لننهي آخر ما تبقى لهم من طموحات وفكر ورؤى. حتى ليشعر المرء ان واقعنا العربي تحول إلى حفلة تنكرية تم فيها تبادل الأدوار وتخفى العيوب بمساحيق التجميل، وشد الوجوه وتنفيخ الشفاه، حتى تغيرت دلالات النحو في لغته، فالفاعل منفعل، والمبتدأ خبر، والجار مجرور، والمفعول لأجله مفعول به. والمسألة في نهاية الأمر كما يقول أحد الكتاب، ليست في ما يعرض على السطح فقد يخفي الرخام سخاما كما يقال في الأمثال، لهذا علينا كما يقول مثل فرنسي أن نكشط الفسيفساء كي يتضح لنا الطين وما يعشش تحته، وأن نختبر الطلاء كي يتضح الجوهر!

واقعنا اليوم يتسيد فيه (الصبيان) حضورا لافتا بأغنية مقلدة ليصبح حديث الدول والاعلام والمجتمعات، وتفتح له أبواب الشهرة على مصرعيها ويدخل موسوعة (غينيس) في الثراء والقصور بينما باحث عربي له عشرات الكتب والبحوث، واديب كبير، يعيشان حياة الكفاف والفقر، لا يجدان لهما أحيانا تكلفة مراسم الدفن في قبور بلدان العرب المترامية من المحيط الى الخليج، وأفضل ما يحصلوا عليه المفكر العربي اليوم في هذه الدنيا بعد موته الا على كلمة عابرة لها معنى عميق (مسكين)! اعرف ان الكثير سيعترض لما أقول: انظر لما يحدث في الغرب، هي نفس الظاهرة تتلون فيها حياتهم، لا بأس في الغرب تبقى الممارسات ضمن أفعالها ولا تتحول الى ظاهرة عميقة، فالغناء يبقى في النوادي والمسارح، ولايأخذ أكبر مما يجب، بحيث يتحول الغناء اليوم الى وظيفة كبرى، وبقرة حلوب تدر ذهبا كما يقال، وتكون حلم كل شاب على حساب وظائف المستقبل. أعملوا استفتاء بين شباب العرب، وخيروهم بين وظائف الهندسة والطب والذكاء الاصطناعي والرياضيات والغناء والرياضة، وستجدون كم تعيش هذه الأمة أزمة عميقة في الفكر، ونايات شجية لا تكف عن الأنين. وهذا الواقع يذكرني بما تحدث عنه أندرسون الذي قال إن الامبراطور الذي تنافس الناس في وصف ثيابه الطاووسية عارٍ تماما!

لقد اخترعنا فقها عربيا لا يقبل به منطق العصر، ولا حتى فقه الجاهلية، وهو فقه (تسطيح الحياة)، واستبدال قوانين التطور بقوانين التخلف، والرياضيات بالغناء، والذكاء الاصطناعي بكرة القدم، والأديب والباحث بالصبي المغني، والانتصارات العلمية الكبيرة بالانتصارات الصغيرة للمطربين الشباب الذي تساءل يوما اديبنا الطيب الصالح (من أين أتى هؤلاء؟). بل كدنا نغلف حياتنا بمساحيق التجميل لكي نؤسس فقها غريبا نغطي فيه عيوب الامة، وقباحة الواقع المزرى، وتفاهة ما يجري من تلميع لصور المجتمع ونماذجه البشرية. فمــــن لم يبصــــــر في حياته من الماء سوى بركة آسنة يتعذّر عليه أن يتخيل محيطا!

صحيح ان ما يجري اليوم، هو انعكاس لمشكلة أكبر، وقضية أعمق، لكنها هي جزء من (صناعتنا الوطنية) التي تشارك بتهديم ما تبقى من قيم هذه الامة وتطلعاتها، واحلام الشباب الغارق بالفقر والاضطهاد السياسي والمجتمعي، واستغلال لطموحاتهم الصغيرة التي كانوا يحلمون بها، ويقارنوها بالآخر، فالفضائيات اليوم تبيع (لحما مستوردا) وكأنه( وطنيا مذبوح على الطريقة الاسلامية )من اجل الحصول على ملايين الدولارات ،وتستنزف طاقات الشباب بأحلام وردية لشباب عاطل يريد الظفر بحياة رغيدة ومبهرة بأسهل الطرق ،فأغنية واحدة قد تجعل منه نجما عربيا فوق العادة ،وتفتح له مطارات العرب، ويتجمهر الناس بإلاف لاستقباله كفاتح كبير ،بل تمهد له الفرصة للجلوس مع الرؤساء والوزراء ،حتى تتخيل ان ما يحدث زلزال كبير في الدول ! . وهناك وسائل التواصل الاجتماعي التي اشعلت نيران الاعجاب والنجومية الزائفة، مثلما ساهمت في تعميق المعارك بين جمهور البلدان العربية، وعمقت الخلاف بين الأقليات والمذاهب، كما حدث مع الجمهور الكردي والجمهور العربي في العراق!

أن شركات البهرجة وصناعة النجوم المزيفة لا تصنع مشاهد افتراضية حقيقية، بل تنظم صراعا للديكة فيه قتال باللحم الحي غير أن منظم النزال لا يفقد ريشا ولا لحما وهو مستمتع والعالم المتفرّج يشجّع هذا الديك أو ذاك حسب اصطفافه. أمّا الديكة فهي لا تدري أن دمها يدرّ أرباحا على المستفيدين.

هل كانت الكاتبة أحلام مستغانمي على حق عندما قالت: لم يحزنني أن مطرباً بكلمتين، أو بالأحرى بأغنية من حرفين، حقق مجداً ومكاسب، لا يحققها أي كاتب عربي نذر عمره للكلمات، بقدر ما أحزنني أنني جئت المشرق في الزمن الخطأ.

اليس من المخجل على هذه الامة ان تضع مفكريها وادباءها ومخترعيها وباحثيها في آخر مقاعد القاعة، بينما يجلس فروخ ولدو لتوهم على بلاتوهات (عرب ايدن) في المقاعد الامامية محاطين بالمسؤولين، وبهالة الحمايات وكاميرات الاعلام المنافقة!

اليس من المخجل ان يتصدر اليوم هؤلاء الصبية المشهد العربي، ويتنقلون بطائرات خاصة، ونخبنا الثقافية والعلمية لا تجد من لا يعطيها خبزا ودواء لكي تعيش فقط، هل نذكر من مات على فراش الموت ولم يجد من الحكومات من تنقذه من المرض، ومن مات ولم يجد من يسير وراءه حتى ولو من باب الحسنات!

اليس عيبا ان نرى هذه النخب مشردة في بقاع العالم تبحث لها عن الخبز والأمان والحرية، وماتبقى منهم في اوطانهم يصارعون موت العوز والاضطهاد والتهديد والموت. فهل من الانصاف ان تجتث النخب لأنها تؤمن بفكر يتعارض مع الآخر، فتقطع مورد معيشتهم، او يهددون بالنفي الاجباري تحت سلاح التهديد بالموت، رغم ان يعيشون في بلد (الديمقراطية الجديدة)!

فماذا حل بهذه الامة التي كانت في الخمسينات والستينات، تتباهى بنخبها، فكان العراقي يُنسبُ الى بلد حمورابي والجواهري والبياتي وجواد سليم وناظم الغزالي، والمصري ينسب الى بلد عبد الناصر ونجيب محفوظ وطه حسين وام كلثوم، والجزائري الى بن بله والمليون شهيد. اما اليوم فقد حلت كارثة عصرية على هذه الامة، فقد اختفت كل الأسماء الكبيرة، وحلت معها أسماء طرب الفروخ. فأنا كعراقي اليوم انتسب الى بلد الصبية (دموع) لا الى بلد الحضارات وبغداد والشعراء، وهي مصيبة أقسى من كل احزان الامة ودموعها لأن حياتنا أصبحت مبتدأ بلا خبر!

وما أقسى (دموعي) التي تنهمر بفقدانها للأمل العربي الذي كنا نحلم به أيام الشباب

اجيال ورا اجيال — ح تعيش على حلمنا

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here