في معرض الدفاع عن “الأصنام”.. دور الرموز في مسار الشعوب

0
246

كتب / د. علي السعدي …
المفارقات في حياة الشعوب والأمم ،من الكثرة مايحتاج تبيانه الى تأمّل معمق لفرز كل حالة والتدقيق في حيثياتها ،فمن البداهات ،إن الفردية وتعدد الآراء وتشعبها في أيما شعب أو أمّة ،إنما يقود الى نوع من الإضطراب والتشتت ،خاصة حينما ترتفع الفردية درجة الإعتقاد بالصوابية المطلقة .
في الوقت عينه ،ظهور شخصية قائدة تتبعها الجموع بثقة وإيمان بماتفعل وتقول ،سيقود الى سلب التفكير الحرّ لدى الأفراد ، ومن ثم الى نوع من العبودية ،وهو مايخلق مايسمى حكم (العوائل)أو الأقلية المختارة (الأوليغاركية) أو النخبة .
لكن ليس هناك من شعب ثار وانتصر ،إلا مع قيادة فردية تستطيع أن توحد توجهاته وتخلق منه قوة فاعلة، غاندي الهند ،وهوشي منة فيتنام ،ومانديلا جنوب افريقيا ، وقبلها لينكولن أمريكا ،ونابيلون فرنسا ، وبطرس الأكبر روسيا ،وماو الصين – والقائمة تطول .
غاندي قاد الآلاف من شعبه بمسيرة سلمية وكانوا يتعرضون للرصاص ويسقطون قتلى بالعشرات دون تردد ،في سبيل كلمة قالها منادياً بالحرية ،والفيتكونغ قاتلوا بقيادة هوشي منه وبظروف شبه مستحيلة ،أكبر قوتين عظميين (فرنسا ثم أمريكا ) ونصف الفيتناميين المتعاونين معهم ،لكنهم انتصروا ، فيما سار خلف نابيلون 750 ألف من الفرنسيين لم يعد منهم سوى مايقرب من سبعين ألف ، وتسبب لينكولن بمجازر وحرب أهلية مروعة في سبيل إعلان حرية جزء من شعبه وانهاء العبودية .
كل من هؤلاء ،وجد فيه شعبه مايستحق أن يتبعه ،منهم من قادهم الى الإنتصار ،ومنهم من تسبب بالكوارث ، لكنهم في كل حال كانوا بالنسبة لمن اتبعهم ،رموزاً ،صنعوا لها أصناماً وإن سميت (نصب تذكارية أو تماثيل فنية) رغم إن الأصنام المعبودة في الحضارات القديمة ،هي أيضاً نصب تذكارية بقوالب فنية .
في العراق ،يشير تاريخه الموغل في القدم ،إنهم شعب فردي بامتياز ،يعشق الحرية معتز بنفسه درجة الهوس ، وفي وصفهم إنهم أهل شقاق ونفاق ،يشير في جوهره إنهم متمردون لايخضعون لحاكم ،وهو ما أشار إليه الدراسون(*) بأن سبب تمسكهم بالحرية ،هو ما أجبر الحكام على وضع أول قوانين في التاريخ كانت تتيح لهم محاسبة حكامهم والثورة عليهم ، في أزمنة كانت شعوب أخرى لاتعرف سوى العبودية وتأليه حكّامها .
تلك الخصوصيات المتداخلة والمتشابكة بقوة ،تجعل الكثير ممن يحاولون الإقتراب من تفسير مايجري ،يقعون في الإرتباك والتشوش ،فتارة يصفون العراقيين ب(القطيع) لأن بعضهم أختاروا من يتبعوه ، وأخرى بأنه شعب فوضوي لايمتلك وعياً ،بل لم يتوان البعض من وصفهم ب(الرعاع) وكل هؤلاء (المحليين) يبدون كثمل يسير على جليد .
الأمر ببساطة ، إنهم شعب شهد الكثير من المحن والمآس ،له مقدساته ورموزه كأي شعب آخر ،وسواء كانت هذه الرموز جيدة أو لا ،فهي بنظرهم جديرة بالإقتداء الى أن يروا العكس ،وهذه نقطة عرفتها الشعوب كذلك ،فالثورة الفرنسية الكبرى مثلا، سارت الجموع فيها وراء روبسبير ودانتون وميرابو وخطبه النارية ، لكن الثورة غيرت قيادتها حينما رأت ضرورة ذلك .
معظم الشعوب أقامت أصنامها وعبدتها عبر الآف السنين ،لكن تلك الأصنام لم تمنع تلك الشعوب من صنع حضارتها ،أليست سومر وبابل وآشور وأثينا وروما كانت تعبد أصنامها ؟ ومع ذلك أنشأت حضارة أثرت على مسار الحضارات برمتها .
الخلاصة :الشعوب الحرّة ،لا تكمن حريتها في أن يتخذ كل فرد منها قراره المخالف لغيره وحسب ، بل حريتها في أن تصنع رموزها ولو كانوا أصناماً ، على أن لاتكون مدعاة للكراهية ، فالكراهية هي العدو الأكثر شراسة وخطراً على الحرية.
(*): البيئة الجغرافية كان لها الأكثر الأكبر في نشوء مجتمع سومري شديد الاعتداد بنفسه يميل الى احترام الخير والصدق ويمجد العدل والحرية والاستقامة ومن ثم يمقت كل مايمسّ حريته أو قيمه ، لذا كان من الطبيعي ان يكون السومريون أول من وضع التشريعات التي تحفظ للحرية حقّ ممارستها وللانسان امتلاك حقوقه) نوح كريمر – السومريون – أحوالهم ،عاداتهم – تقاليدهم – ص105

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here