الجديد والمتجدد في الانتخابات العراقية

0
303

كتب / د. علي السعدي …
“الانتخابات في العراق ” طالما كانت مرفوضة من قوى محلية واقليمية ،تتفاوت في نظرتها لما يمكن أن تنتجه عملية كهذه ،في بلد محوري ارتبط بأذهان العرب بأنه “درة التاج ” ، وقلق الحاكمين ، منه تصدر الثورات واليه تعود (فتناً وقلاقل) ،فشعبه استوطنته روح التمرد منذ أزمنة سحيقة ،وبقيت تفعل فعلها في كل عصوره .

لم يسلط على بلد وشعب من التحريض واظهار العداوة الممزوجة بكراهية وخشية ،كما سلط على العراق ،منذ أن بدأت أسفار التوراة ،تجعل من ذلك التحريض شأناً مقدساً ،الى آخر ارهابي وفتوى ،مرورا بكل الخطب التي جعلت من العراق (شيطان العصور)وصولاً الى هجمة منظّمة ومرّكزة متعددة المستويات ،جعلت من العراقي مخلوق هجين يحمل كل آثام الدنيا وموبقاتها .
“إن استولوا على السلطة ، فلن نتركهم يهنأوا بها ” قالها أحد السياسيين على فضائية اتخذت من محاربة “الديمقراطية ” في العراق ،منهجاً وخطاباً ثابتاً ،وكان لتلك المقولة مخالب وانياب واصوات صرخت ليل نهار :اقتلوهم ،وان لم تستطيعوا جسدياً ،فاقتلوهم معنوياً .
وهكذا زجّ الخطاب الكاره للعراقيين ،بكل مفرداته ومستوياته وامكاناته ،من اجل (أم معارك) الانتصار فيها يتلخص بشيطنة كل مايحصل في العراق : شعبه متخلف همجي منافق متقلب ازدواجي – حكومته فاسدة فاشلة – كل من عمل بالسياسية بعد 2003 ،غارق بالفشل والفساد ، نتائج الانتخابات معدّة مسبقاً ولافائدة من المشاركة فيها ،الانتخابات استمرار للفساد .
الأكاذيب يمكن أن تصبح مقدسة إذا جرى ضخها وادامة زخمها ،وبالتالي تتحول الى (حقائق )ومقياس عام للذوق والفهم والثقافة والوطنية ،وهكذا كان ،فقد صدقّ العراقي في نفسه إنه فعلاً كما يقال عنه ،لذا كان ينبغي اللجوء الى الخلاص الفردي ،بالمساهمة في ايقاد المزيد من “النار” في جسد العراق ،فاستخدم عراقيون ،لمهاجمة العراق ،لاعطاء مصداق وزخم أكبر (شهد شاهد من اهله) .
أربع سنوات منذ انتخابات 2014 وماقبلها ،حتى الانتخابات الأخيرة ،لم تنقطع للحظة محاولات اسقاط الديمقراطية ،ومن جبهات متعددة المستويات ، اعلام ،خطاب ديني وسياسي ،صراخ هستيري ، وكلها تصب في خلاصة :الديمقراطية كذبة ،والعراق لايحكم الا بالدكتاتورية ،والدكتاتورية معروفة المصدر :البعث عودوا اليه واعيدوا الحكم الى (أهله) .
أطمأن أصحاب الحملة بأن الديمقراطية طريق الفاسدين للوصول ،وبعد أن قاومت بعناد السقوط تحت سنابك الإرهاب ،ستسقط بنزع الشرعية عنها :مشاركة معدومة أو متدنية كحدّ أدنى .
لكن لم ينتبه المراهنون على المقاطعة الى تفصيل محوري كما لم ينتبه إليه المراهنون على الارهاب : تمرد الشعب العراقي وثورته.
المؤشرات تكاد تجزم إن الجرة لن تسلم هذه المرة ،وان الانتخابات فاشلة لامحالة ،لذا اصيبوا بالدهشة ان المشاركة وصلت الى مستويات مقبولة ومعترف بها حتى ضمن المعايير الدولية ،وشنت الحملات مجدداً بالتشكيك بما اعلن .
كيف يمكن تفسير نجاح عملية الاقتراع رغم ماشابها من ثغرات ومخالفات ؟ ولماذا ارتفعت نسبة التصويت في فترة مابعد الظهيرة؟
لقد اظهرت الانتخابات الأخيرة جملة من المؤشرات يمكن اجمالها بالاتي :
1- قوتان رئيستان مشاركتان ،لديهما كتلة ناخبة ثابتة تقريباً وملتزمة بنسبة عالية وهما : التيار الصدر ،وتحالف الحشد الشعبي ، واحدة منها (الصدريون) يمتلكون مراساً انتخابياً وماكنة اعلامية استراتيجية بدأ ت تهيئتها وزجها في العمل منذ الاعتصامات وقيادة المظاهرات المطلبية المتواصلة ، وبالتالي قدمت خلاصة :الإصلاح ممكن ووسائله متوفرة (نحن) .
2- أما تحالف الفتح ،فرغم ضعف ماكنته الاعلامية ،الا ان سلاح ( الحشد الشعبي ) وما انجزه ضد داعش ، والهجمات الاعلامية والسياسية المركزة عليه أكثر من غيره ومحاولات شيطنته بأية وسيلة ، خلقت لدى جمهور واسع ،تعاطفاً معه ،فجاءت بنتائج عكسية في انه استطاع اختراق مدن مهمة من تلك التي تحررت من داعش (الموصل – تكريت – ديالى ) حيث سجل فيها حضوراً انتخابيا يمكن التأسيس عليه .
الصدريون باتوا مطمئنين الى كتلتهم الناخبة التي يمكن زجها في كلّ (معاركه) القادمة بما فيها تظاهرات (الاصلاح) فيما تحالف الفتح يحتاج الى الكثير من الجهد لترتيب كتلة أخرى ،فوهج الانتصارات سينحسر ،وان لم يثبت (الفتح) اداء عالياً وتأطير كتلته الناخبة ، فليس مستبعدا أن يصيبه ما أصاب المالكي.

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here