في مستشفى اليرموك .. انقاذ ميت

0
399

 

ورقة وقلم

كتب /  سعد محسن خليل …

مرة اخرى تخفق الاجهزة المختصة في مكافحة الحرائق في انقاذ اطفال خدج من حريق نشب في احدى صالات الولادة في مستشفى اليرموك .. ومثلما تفحمت جثث مواطنين ابرياء في حادثة حريق الكرادة تفحمت جثث اطفال خدج  رهنوا مصيرهم  بيد الدولة  لكن الدولة اخفقت في حمايتهم  فخنقت انفاسهم وهم في المهد  في حريق  غير مبرر  يثير الكثير من التساؤلات  والالغاز .. ورغم التبريرات التي  اعلنتها وزارة الصحة عن اسباب الحريق  الا ان هذه التبريرات  غير موفقة  فيما ادعت  الوزارة من ان الحادث جاء نتيجة تماس كهربائي  وكان الاجدر بها ان تقول ان الحريق  جاء نتيجة اهمال في عمليات صيانة الاجهزة الكهربائية وان الوزارة تتحمل مسؤولية ما حصل من ماساة  ورغم بشاعة الحادث يبقى الفاعل مجهول الهوية والمفعول به  اطفال خدج تفحمت اجسادهم وهم في المهد واصبحت  رمادا تذروه رياح التغيير التي حدثت في العراق بعد عام 2003 التغيير الذي لم يجنِ منه العراقيون غير مزيدا من  القتلى والجرحى  ضحايا مجرشة الموت  التي مازالت وبنجاح ساحق تحصد مزيدا من ارواح الابرياء .. رياح التغيير التي حدثت في العراق لاتحمل معها الا صفير عاصفة هوجاء تسيّرها ايادي خفية تعمل بامتياز تحت قيادة شبح الموت  .. رياح  التغيير رياح ساخنة تحمل معها  انين اطفال ابرياء  تمزيقا  وتقتيلا وتنكيلا وتجريحا ..

رياح اكلت حرارتها الاخضر واليابس ولم ينجُ  منها الا  ملك الموت  الذي وجد متعة  في حصد  الارواح  .. مأساة كتب  في صفحاتها  ان تستمر وان يستمر معها  جريان نهر الدم  ليجرف المزيد من الارواح .. ومثلما انتهت ماساة الكرادة  انتهت مأساة مستشفى  اليرموك باحتراق وتفحم اطفال خدج  هم في كل الاحوال اطفال عراقييون  تجري في  اجسادهم دماء   ليست مختلفة عن  دماء اي طفل يولد في دول  الاستكبار .. دماء خالية من فايروسات  داء الحقد والكراهية  دماء  استمدت  نقاوتها من نقاوة وعذوبة ماء  دجلة والفرات  وهي في كل الاحوال  دماء  غير مقبولة  من قبل دول الاستكبار  العالمي ومؤشر عليها بعلامة ” اكس ” كونها لاتحمل علامات الجودة  وممنوعة من الصرف والتداول كونها ملوثة  بتراب ارض العراق ومعجونة  بطيبة شعبها  .. الشعب الذي تلقى اعنف ضربة طيران  من قبل دول التحالف الدولي عام 1990  الضربة الجوية التي جاءت كرد فعل على اتهامات  ارتكاب  نظام صدام حسين جرائم  بحق اطفال  كويتيين خدج روج الاعلام الغربي لمقتلهم  بيد جنود عراقيين خلال الغزو العراقي للكويت .. ورغم عمق المأساة التي حصلت ان صحت الرواية   فان الحدث المفجع لم يمر مرور الكرام بل كان  رد دول التحالف عنيفا  خلال تنفيذ الطائرات الامريكية ضرباتها الجوية  وكان  الحادث الاكثر عنفا  مقتل اكثر من 400  طفل وشيخ وامرأة  في ملجأ كانوا يحتمون به في منطقة  العامرية .. وايا كانت نتائج الحرب  الا ان العراقي  لم ينحنِ وبقي صامدا يداوي جراحه بتراب العراق  صابرا حتى فاق صبره صبر ايوب  .. كانت مأساة احتراق الاطفال الخدج  في مستشفى اليرموك مأساة ادمعت عيون العراقيين الشرفاء  ومن بينهم  اطباء  كانوا موجودين  في المستشفى وقت وقوع الحريق التزموا بقانون التضحية   وبقوا صامدين لاكمال  اجراء عملية  قيصرية لامرأة  على وشك الولادة رغم قوة الصدمة التي احدثها الحريق .. هذا الفريق الطبي المكون من ثلاث طبيبات وطبيب تخدير  لم  يهزهم حادث الحريق  رغم قربه من صالة العمليات  وواصلوا عملهم  الانساني  بكل همة  ورفضوا مغادرة صالة العمليات وقاموا باكمال العملية على ضوء جهاز الهاتف النقال ” الموبايل ” بعد  انقطاع التيار الكهربائي  لانقاذ  مريضة لايعرفونها  ولايعرفون انتمائها الطائفي .. كان هذا الفريق يواصل عمله  في صالة العمليات القريبة من موقع الحريق غير مبالي  بخطر الموت حرقا  وواصل عمله بكل همة وشجاعة  لانهاء العملية الجراحية  لتلك المرأة  حيث تكللت العملية  بولادة طفل   .. وما ان انتهت العملية بنجاح  توسع  حجم الحريق واصبح اكثر رعبا وبات يهدد حياتهم  وفي محاولة من الفريق الطبي الانسحاب من صالة العمليات  الا انهم فوجئوا بان  ابواب الصالة باتت مغلقة  وكادت حرارة النيران  ان تلسع اجسادهم  لولا  شجاعة زوج احدى الطبيبات  الذي كان بالانتظار خارج الصالة  حيث قام بكسر شباك الصالة  الزجاجي  والدخول الى صالة العمليات على ضوء مصباح الموبايل  ومن ثم  المساهمة في اخراج الفريق الطبي الى خارج صالة العمليات  وانقاذهم بعملية بطولية  وهم في حالة اعياء  حيث تم نقلهم الى  قسم الطواريء لاسعافهم ..

الا ان الخبر المؤلم ان الطفل المولود قد فُقِد ولم يُعثر على اثر له  .. لربما يكون قد التحق مع  اقرانه الاطفال الخدج الى  مذبح الموت الازلي  .. هذه القصة  التي نقل فصولها احد  الاطباء الذي كان موجودا اثناء الحادث  ليست ضربا من الخيال  ولا اعلانا  مبوبا الغرض منه تحقيق  ربح مادي او تمجيد لشخص بقدر ما هي انعكاس لحجم ماساة  حقيقة  عاشها فريق طبي هو في كل المقاييس مفخرة لكل العراقيين  .. عملية تعكس  اصالة الانسان العراقي  وقدرته على تحدي المستحيل ..

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here