ليلة القدر .. بتوقيت بغداد !

0
364

طه-جزاع

كتب /  د . طه جزاع…

اذا كان العرب قد ” صُدموا ” في ليالي شهر رمضان بمشاهدة العراقيين وهم يمارسون حياتهم الطبيعية في بغداد ، ويتصرفون في المواقف الانسانية مثل بقية البشر ، فأن ” الصدمة ” الحقيقية الكبرى ، كانت تنتظر العراقيين أنفسهم هذه المرة في أواخر أيام الشهر المبارك الذي أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ، وفي الليلة التي هي خير من ألف شهر ، ليلة القدر ، التي هي ليلة سلام حتى مطلع الفجر ، اذ سهر أهل بغداد تلك الليلة وهم يحاولون اخراج ما يمكن اخراجه من الجثث المتفحمة التي بقيت تلتهمها النيران …. حتى مطلع الفجر!

في تلك الليلة العصيبة ، حدث مالم يكن في الحسبان ، ومالا يخطر على بال الشياطين المصفدة بالأغلال ، فشياطين الأرهاب الأسود والموت والدمار كانت تجوب الظلام بعد منتصف الليل ، لتفتك بما يقرب من 500 انسان بريء بين شهيد وجريح ومفقود ، شباب بعمر الزهور ، أطفال بعمر الفرح ، نساء وفتيات بعمر الأمل ، ورجال اصطحبوا أطفالهم وزوجاتهم لشراء ملابس ومستلزمات عيد الفطر ، فالليلة ليلة القدر، وسلام هي حتى مطلع الفجر!

بدأت المأساة البشرية ، وجريمة الأبادة الانسانية ، والكارثة الكبرى ، والمصيبة العظمى ، والفاجعة المهولة ، والمذبحة ، والجحيم ، والمحرقة – سمها ماشئت – ليلة 27 – 28 من ليالي رمضان قبيل فجر الاحد الثالث من تموز 2016 حين كان الناس يتبضعون في محلات منطقة الكرادة \ داخل ، وسط بغداد ، وبالتحديد عند مجمعين تسويقيين متجاورين يحمل الأول اسم ” الليث ” والثاني ” هادي سنتر ” وما يتفرع عنهما وما يجاورهما وما يقابلهما من محال ودكاكين اِشهرها محل معروف ببيع المرطبات والشرابت اسمه ” جبار أبو الشربت ” فضلا عن ” بسطيات ” الباعة المتجولين على الأرصفة المزدحمة بالمتبضعين في هذا الحي البغدادي العريق الذي يقصد أسواقه سكنة بغداد من مختلف المناطق لجودة بضاعتها وتنوعها وأسعارها المناسبة،فضلا عن الأجواء الكرادية التي يشعر فيها المواطن بالطمأنينة والراحة والاستئناس في منطقة تكثر فيها المطاعم والمقاهي الشعبية ، وتتمتع نسبيا بأجواء صيفية ألطف من مناطق بغداد الأخرى لقربها من نهر دجلة ولكثرة نخيلها وأشجارها واخضرارها ، فبعد منتصف ليلة السبت \ الاحد بساعة تقريبا انفجرت أمام هذه الأسواق عجلة مفخخة من نوع ” هونداي ستاركس ” رصاصية اللون موديل 2008 -كما تقول التقارير الرسمية – وتحمل 250 كغم من المواد شديدة الانفجار ” نترات الالمنيوم المخلوطة مع برادة الألمنيوم مع كرات معدنية لغرض التشظية وايقاع اكبر الخسائر ” وان كان البعض وبسبب شدة اندلاع النيران وكثرة الحروق ، يؤكد ان العجلة كانت مفخخة بمادة ” السيفور ” شديدة الأنفجار أو مادة ” النابالم ” الحارقة ، وعلى أثر الانفجار اندلعت النيران لتسد منفذ المجمعات الرئيس ، وسرعان ما انتشرت ألسنة اللهب والدخان في منطقة التسوق مع انقطاع التيار الكهربائي وحلول الظلام الدامس في طوابق المجمع وممراته وسلالمه ، ومع عدم توفر مخارج طواريء في هذه الأبنية ولأفتقادها لشروط السلامة والأمان ، وتأخر وصول عجلات الاطفاء والاسعاف ، استشهد مئات المواطنين الابرياء خنقا وحرقا زيادة عن الذين استشهدوا مباشرة نتيجة التفجير الارهابي ، وبحسب احصائية غير نهائية أعلنتها وزيرة الصحة العراقية قبل ستة أيام فأن عدد الشهداء وصل الى 292 ” 115 تم تسليمهم الى ذويهم و 177 معالمهم غير واضحة ” !

لقد مزق الانفجار الكثير من الأجساد ، وألتهمت النيران أجساد أخرى ، والى حد نشر هذا المقال اليوم الأحد 10 تموز فأن هناك العشرات من العوائل التي لاتعرف مصير ابنائها ، وأغلب الظن انهم من بين شهداء الجثث المتفحمة التي تحتاج الى مدة طويلة لمعرفة عائديتها بعد اجراءات معقدة لفحص الحامض النووي ، أو ان اشلائهم مازالت متناثرة بين الأنقاض ، أو انها ذابت وانصهرت ، أو انها تبخرت في الفضاء ، وهناك الكثير من القصص المأساوية عن أسر فقدت 5 أو 7 من أفرادها ، وعن شاب فقد زوجته وأطفاله الثلاثة ، وعن عوائل أقامت مجلس العزاء لأنها كانت محظوظة أكثر من غيرها لعثورها على ذراع لأبنها الشاب بعلامة ندبة أو وشم ، أو خاتم في أصبعه!

الفاجعة في حجمها وبشاعتها أعادت الى أذهان العراقيين ذكرى جريمة ملجأ العامرية الذي قصف أيام حرب الكويت ” في 13 شباط \ فبراير 1991 ” واستشهد فيه خنقا وحرقا أكثر من 400 فرد من الأسر التي كانت تحتمي فيه أيام القصف الوحشي لبغداد من قبل طائرات التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة الأميركية بمشاركة عدد من الدول العربية ، ومما زاد جريمة الكرادة فضاعة انها جاءت قبل حلول عيد الفطر بثلاثة أيام ، وتركت ذهولا كبيرا بين العراقيين الذين احجم غالبيتهم عن الاحتفال بالعيد ، وخيمت على نفوسهم ظلال الخوف والفزع والحزن واليأس والألم ، وتوافدوا على مسرح الجريمة باعداد هائلة وأوقدوا الشموع ، ونثروا الورود ، وبكوا ونشجوا وسكبوا العبرات على أحبة أبرياء ، وعلى وطن يراد له ان يحترق ويتفحم ويتبخر وتتناثر اشلاؤه بين الأنقاض !

ومهما قيل من أقاويل ، ومهما تعددت الكتابات والتغريدات والتدوينات في مواقع التواصل الاجتماعي ، والتي ذهبت الى روايات وتحليلات وتفسيرات متنوعة لهذه الجريمة الكبرى بحق الانسانية والانسان ، ألا ان تلك الليلة ستبقى ماثلة في ذاكرة العراقيين وأرواحهم وضمائرهم وتاريخهم المأساوي المعاصر .

انها ليلة من ليالي العراق الاستثنائية ، ليلة القدر بتوقيت بغداد التي التهمت فيها النيران الأجساد الطرية ، وفُتحت فيها أبواب السماء ، لتستقبل أرواح الشهداء …. حتى مطلع الفجر !

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here