التظاهرات الليلية

0
182

 

محمد الشبوط

كتب /  محمد عبد الجبار الشبوط …

يفترض ان تتوقف التظاهرات الليلية خلال شهر رمضان. وهي التظاهرات التي شهدتها بعض مدن الوسط والجنوب ورافقها اقتحام مقرات ومكاتب بعض الاحزاب السياسية وإحراق صور الشهيدين الصدر الاول والثاني وغيرهما من الشهداء وإعلان «إغلاق» هذه المقرات باسم «الثورة الشعبية العراقية». وقد اثارت هذه الممارسات استياء وغضب جمهور الاحزاب المستهدفة التي اجتمع ممثلوها في اكثر من محافظة وأصدروا بيانات شديدة اللهجة أكدت على الرد على هذه التصرفات واعتبارها أعمالا خارجة عن القانون الامر الذي ينذر بدوره باحتمال وقوع مصادمات مسلحة بين الطرفين. وحذر المكتب الاعلامي لرئيس الوزراء من هذه الممارسات التي وصفها «بالتصرفات المتهورة والأعمال الاجرامية» وأكد ان الحكومة «ستقف بقوة وحزم لردع المتجاوزين على النظام العام وأرواح الأبرياء» وطالب قادة الكتل السياسية «برفض هذه الاعمال واستنكارها» كما طالب «المتظاهرين الوطنيين بإعلان البراءة من هذه الاعمال المتطرفة». وعلى اثر ذلك اصدر السيد مقتدى الصدر بيانا من 11 نقطة دعا فيه الى إيقاف هذه التظاهرات خلال شهر رمضان، ونهى فيه عن مهاجمة مقرات الاحزاب، وهدد بمعاقبة كل متظاهر يستعمل العنف ضد المقرات والممتلكات العامة والخاصة، ورفض الاعتداء على صور العلماء والشهداء. يفترض ان التظاهرات الشعبية سواء كانت كبيرة أو صغيرة فانها تأتي في سياق الحراك الشعبي الداعي الى الاصلاح ومكافحة الفساد. وهذا امر جرى التأكيد على مشروعيته كثيرا وعدم تعارضه مع الدستور. لكن لا يمكن ان يزعم احد ان التعدي على المكاتب وإحراق صور العلماء والشهداء يأتي في هذا السياق، بل حصل الاتفاق والإجماع على انه خارج السياق ولا يمت الى الحراك الاصلاحي بصلة. بل انه يحول هذا الحراك الى صراع بين المتظاهرين (الذين سوف ينظر اليهم بوصفهم جهة سياسية محددة) وبين عموم الحركات والاحزاب والفصائل المستهدفة. انه من نمط الصراع السياسي الذي شهده العراق في مطلع العهد الجمهوري بين حزب البعث والقوميين العرب والحزب الشيوعي. وكان من الشعارات الدموية التي رفعت في وقتها «ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة». ونحن هنا لا نريد ان ننكأ جراحات قديمة ولكن نحذر من النكوص الى مثل هذه الممارسات والتصرفات التي تعيد العراق الى ما قبل النظام الديمقراطي الحالي الذي يقوم على التداول السلمي للسلطة والتنافس على أصوات الناخبين والاحتكام الى صناديق الاقتراع. وهذه هي المبادئ التي يقوم عليها النظام السياسي الديمقراطي ويضمنها الدستور. وهي مبادئ صالحة للعمل السياسي برغم كل الملاحظات والعيوب الموجودة في النظام السياسي. ان الحراك الشعبي سواء أطلقنا عليه مصطلح الثورة الشعبية او الاصلاح يجب ان يبقى في اطار الدستور والقوانين العامة والا جرّ على نفسه تهمة مخالفة الدستور والخروج عن القوانين والسطو المسلح وغير ذلك مما لا يريده احد لنفسه. ليس من مفردات الاصلاح الغاء الاحزاب وإغلاق مقراتها بل العكس ان الاحزاب السياسية هي عماد العملية السياسية الديمقراطية. فلا ديمقراطية بلا احزاب سياسية. ومن يرفض وجود الاحزاب السياسية يعيدنا الى مقولة الحزب الواحد البعثية او مقولات القذافي الذي حرّم كتابُه الاخضر الاحزاب السياسية. المفروض ان الحراك الاصلاحي يستهدف الفساد والمفسدين وليس الاحزاب السياسية التي يقوم عليها النظام السياسي ولا فصائل المقاومة التي تحارب داعش في الفلوجة وغيرها. كما ان تحوّل الحراك الاصلاحي الى صراع سياسي بين مجموعة او جهة معينة وهذه الاحزاب في منطقة معينة (الوسط والجنوب في حالتنا) يخرجه من صفته الاصلاحية وقد يهدد بحرب داخلية اهلية في هذه المنطقة. وهذا اخر ما يفكر فيه اي عاقل يهمه الحفاظ على مصلحة البلد وأمن وسلام اهله.

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here