الفشل

0
337

محمد الشبوط

 

كتب / محمد عبد الجبار الشبوط …

يتحدث البعض عن فشل تجربة الحكم بعد سقوط النظام الدكتاتوري الصدامي؛ ويعزو البعض هذا الفشل الى الشيعة الذين «حكموا» البلاد منذ ذلك الحين. والفشل عند هؤلاء يعني ان حكم ما بعد الطاغية لم يحقق شيئا. البعض قدم اعتذارا للشعب العراقي لانه اسهم في اسقاط الطاغية من دون ان ينجح في اقامة نظام حكم ناجح، وايضاً يجري إلقاء اللوم على الحكام الشيعة في هذا الفشل.

لا يمكن التباهي كثيرا بتجربة ما بعد الحكم الدكتاتوري لان ظروفا كثيرة حالت دون تحقيق الكثير من الإنجازات. فضلا عن ان التجربة عانت من عيوب التأسيس الكثيرة والممارسات الخاطئة فضلا عن المحاصصة التي تكاد تدمر البلاد وتسلب سعادة العباد.

في الوقت نفسه لا يمكن الزعم ان التجربة كانت فشلا مطلقا. فبرغم النواقص الكثيرة أمكن تحقيق العديد من الانجازات والخطوات الإيجابية. لكن العين التي تصر فقط على رؤية السلبيات تأبى ان ترى الإيجابيات. وبالتالي فانها تقيم الواقع بعين واحدة. وهذا تقييم غير موضوعي ومنحاز.

اما القول بان الفشل يعزى الى الحكام الشيعة فانه أوهن من الزعم الاول. فالشيعة لم يكونوا وحدهم الحكام بل شاركهم في الحكم كل فئات ومكونات المجتمع العراقي. فان كان الكلام عن فشل فهو فشل الجميع واما اذا كان الكلام عن نجاح فهو انجاز للجميع.

ويغفل دعاة الفشل عن حقيقة ان كل التجارب البشرية التغييرية الكبرى مرت بظروف مماثلة. لا احد يزعم اليوم ان الثورة الانكليزية كانت فشلا.

أعدمت هذه الثورة الملك تشارلز الاول في 30 كانون الثاني من عام 1649 وإعلنت الجمهورية التي حكمها أوليفر كرومويل. الا ان الأزمة السياسية التى تلت وفاة كرومويل في عام 1658 ادت إلى استعادة النظام الملكى ودعوة تشارلز الثاني للعودة إلى بريطانيا من جديد.

ومازالت الملكية قائمة حتى الان في بريطانيا. لا احد يتحدث اليوم عن فشل الثورة الانكليزية رغم انتكاستها وعودة الملكية. بل ان المؤرخين يتحدثون عن دور هذه الثورة في استثارة الثورة الفرنسية وإرساء اسس النظام الديمقراطي في بريطانيا وأوروبا.

في 14 تموز من عام 1789 قامت الثورة الفرنسية التي اقترن اسمها بحقوق الانسان والحريات. ثم اعلنت الجمهورية الفرنسية الأولى بشكل رسمى في 21 ايلول 1792،بعد خلع لويس السادس عشر وإعدامه، وكانت أول جمهورية في أوروبا واستمرت ما يقارب 12 سنة حتى قيام الإمبراطورية الأولى في عام 1804 حين اعلن القنصل الأول نابليون بونابرت (1799-1804) نفسه في عام 1804 إمبراطورا. ثم تناوب الحكم الجمهوري والحكم الملكي على فرنسا بقيام الجمهورية الثانية ثم الثالثة فالرابعة واخيرا الجمهورية الخامسة الباقية الى يومنا هذا. وايضاً لا نجد من يتحدث عن فشل الثورة الفرنسية على الرغم مما شهدته من احداث مأساوية وتقلبات دموية.

هذه هي طبيعة التحولات التاريخية التي تحصل في المجتمعات. انها تسير بخط بياني متعرج صعودا وهبوطا حتى تستقر على حالة ما بعد فترة زمنية. وليس من الصحيح الحكم عليها خلال فترة زمنية وجيزة.

ينطبق هذا الكلام على التحولات التاريخية الكبرى التي يشهدها مجتمعنا منذ سقوط النظام الدكتاتوري. وليس من الصحيح اطلاق حكم نهائي عليها قبل ان تكتمل دورتها.

ربما يوجد هدف وراء الاصرار على ترديد صفة الفشل على تجربتنا التاريخية. ربما كان الهدف من ذلك زرع روحية اليأس والإحباط في النفوس. مهما تكن الاسباب فان دعوى الفشل غير صحيحة وتشوبها إمارات الشك في نواياها.

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here