ألعراق و آلكرسي المكسور؟

0
569

قلم

 

كتب /  عزيز الخزرجي …

لو سأل أحد قادة المتظاهرين و آلمعتصمين عن برنامجهم الأصلاحيّ و التّغيير الذي يهدفونه لأحرجهُم .. و لمّا وجد عندهم جواباً منهجيّاُ صادقاً بسبب سطحية أفكارهم و ضعف رأيهم و فساد عقيدتهم .. التي لا توحي لهم سوى الأستيلاء على السّلطة بأي شكل من الأشكال و توجيهها و تحقيق المكاسب المالية من وراء ذلك, لأنّ فلسفة السياسة و العلم و الجّهاد و الدّين و العرض عند العراقيّ يختصر بآلحصول على الكرسيّ حتى لو كان مكسوراً و ملطخاً بدم الأبرياء!

أمّا تلك الجموع ألجماهيرية المنتفضة التي يحسد عليها حقاً .. فهي لإبتزاز الأطراف ألأخرى و هي أطراف محدّدة, فلا يستطيع مثلا أن يقول كلمة شجاعة .. ناهيكم عن الفعل؛ عندما يتعلق الأمر بفساد القيادة الكردية و مواقفها العدائية ألغير الوطنية و جرائمها ألمتكررة .. و آخرها ما يجري في طوز خورماتو .. لا أعتقد أن أمرا استهلك من الجهد و الوقت و الكلمات سوى اقناع العراقيين بأنّ بلدهم جزء من الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة و الأمر ليس مزحة تستحق الأستخفاف لأنّ هذا يفسر كل شيء بعده, و اسقاطه يجعل من يتجاهله كمن ظل طريقه في الظلام الدامس ..

إعتَقَدَ ناشطون في شبكة التواصل الأجتماعي و تويتر و غيرهما بأنّ العبادي بكى على (كرسيٍّ) مكسور بسبب دخول المتظاهرين مجلس النواب, و نسى الناشطون بأن ذلك (الكرسي) المكسور يساوي ترليون دولار و أكثر .. لأن قصة (الكرسي) تمتد لأعماق التأريخ الأسود الذي ورثناه من الحضارات الدموية السابقة!

إن أول درس يتعلمه العراقي و حتى العربي حين يدخل المدرسة هو آلـ(كرسيّ المكسور), و ربّما وردت على شكل قصيدة شعرية على ما أتذكر, و كأنّ (دائرة المعارف الأنكليزية) كان متقصداً و هائماً بآلكرسي, وهكذا و بدل أن يزرعوا في قلوبنا حب الأدب و الشعر و المحبة و العشق و نكران الذات في سبيل الأنسان؛ نراهم زرعوا في قلوبنا حبّ آلكرسي وإن عرضوه بشكلٍ بريئ في بدايته ليكبر و يصبح شيئ آخر و كما نعيشه الآن ..

لكني لم أكن أعتقد في يوم من الأيام بأنّ أهميّة و قيمة ذلك (الكرسي) المكسور يصل في العراق إلى المليارات .. بل إلى ترليون دولار و يستحق كلّ التضحيات و الدّموع بحسب إعتقاد السياسيين الذين تجردوا عن كل القيم البشرية ناهيك عن الأنسانية التي هي أرقى بكثير و كما فعل العبادي يوم أمس حين دخل البرلمان مهموماً .. و ربما ذرف دموعاً على ذلك الكرسي المكسور و لكن أنهار الدماء و ملايين الشهداء لم يذرف لها دمعة واحدة!؟

لذلك إن كان أحد قد تصور بأنّ ما جرى بالأمس من اقتحام للمنطقة الخضراء و مقر مجلس النواب قد جرى بعيدا عن مخطط أميركي سواء كان مباشرا او عبر حكومة العبادي الذي اعترف بموافقته على هذا الزحف فليراجع تركيب خيالاته .. لنتذكر أيضا بأنّ أميركا هي الوصية على العراق بموجب قرارات دولية و مواثيق ثنائية أبرمتها الحكومات العراقية العميلة الأربعة ألتي توالت حكم العراق بعد 2003م في إضفاء الشرعية عليها حين أقامت نظاما سياسيا تحاصصياً يوافق مصالحها و أهدافها في العراق, حيث دفعت جميع الأحزاب و التيارات الى التوافق للظفر بآلحصص و الأموال بشرط التوافق و التعاون و آلتراضي بكل ما يُملى عليهم, لأن الجميع بحاجة الى أميركا و في كل شئ خصوصا البقاء في الحكم لأجل المكاسب, مع قبول المشاكل التي ستقع لا محال بسبب تقاطع مصالح الحاكمين مع مصالح الشعب المنهوب ..

و حين ظهر السيد العبادي في الأعلام و في شبكات التواصل الأجتماعي مهموماً و هو ينظر للكرسي المكسور داخل البرلمان و أوراق مبعثرة حوله على الأرض بسبب المتظاهرين هي مصداق للحقيقة الكبرى التي عرضناها في أول هذا المقال والتي قرأناها مذ كنا أطفالاً في الأبتدائية .. و كأنه يريد أن يقول؛

[بأنّ كلّ شيئ مما جرى و يجري في العراق هو لأجل هذا (الكرسي المكسور) الذي يعادل مئات المليارات و ليس كما تصوّر ألأعلاميون بكونه كرسي تم شراءه ببضع دولارت لخدمة الشعب, فالجميع و بسبب الثقافة العراقية المنحطة و الدين الشكلي و الأحزاب العميلة لا يهدفون لشيئ من وراء السياسة سوى تسلق المناصب لأجل المال , و لا يهم حتى لو مات الشعب كلّه دون ذلك و تدمر العراق من أقصاه لأقصاه فداءاً للحاكمين .. المهم أن يكون كرسي الحكم و إن تكسر باقياً للأستمرار بآلنهب و الفساد حتى لو كان على أجساد الموتى و الجرحى و رائحة الدم التي إنتشرت في كل العراق!

لأن (الكرسي) هو الوحيد الذي يشفي غليل العراقي أيّاً كانت طائفته أو مذهبه أو عرقه أو قوميته و لونه, لأن فهمه و ثقافته و حضارته الحيوانية التي توارثها من حمورابي و نبوخذ نصر و أكد و سومر و صدام هي التي شرعت له التسلط بكل الوسائل الممكنة لأن الغاية تبرر الوسيلة, و إن التسلط على الناس حتى لو تحقق بآلعمالة للأجنبي و على بحار من الدم و الدموع و المآسي و الحقوق ؛ فأنها شرعية و جائزة و فيها كل الخير!

هذا بعد ما أصبح الدِّين أيضاً مجرد شعارات و طقوس موسمية روتينية تابعة لإرشادات المرجعيات التقليدية ألتي هي الأخرى لم تفارق (الكرسي المكسور) و لكن بشكل آخر .. لأنها هي الأخرى لا تُؤمن بآلنصوص إلا بمقدار ما يضمن لهم حفظ كرسي زعامة (المرجعية) ألتي تضمن جمع الأموال و الجاه و التقديس و تقبيل الأيدي للأسف و لا يهمهم ما جرى و يجري حتى لو إحترقت الدنيا كلها و ليس العراق فقط, لأن صاحب الزمان(عج) و كما يُشيعون للسُّذج هو المسؤول عن ما يجري و لسنا نحن و سيظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطا ًو عدلاً!!

و لهذا رأينا و نرى هؤلاء المراجع و معهم المسؤوليين؛ حين نُهبت أموال العراق التي وصلت خلال 13 سنة فقط إلى ترليون دولار بآلأضافة إلى الترليونات الأخرى قبل 2003م لم يهتموا لشيئ و لم يناقشوا شيئاً سوى تقسيم الكراسي و آلحصص لأنهم هم المستفيدين .. هذا مع علمهم بأنّ تأريخهم قد تعرض للزّوال و آخرتهم للفناء, لكنهم لم يهتموا لذلك, و لا لأي شيئ من هذا القبيل, سوى إصدار البيانات و الأعلانات الورقية و الهوائية ألتي يطبل لها مجموعة من المنافقين في شبكة الأعلام العراقي, و أخيراً اوقفوا حتى هذا .. و كأنهم يأسوا من التغيير, ليستمر الفساد و الدمار الشامل في العراق و كما توقعنا ذلك منذ 2003م بل قبله بكثير يوم كنّأ نحاضر و نكتب أيام المعارضة و آلهجرة التي ما زالت سائرة بنا إلى …

و رغم كل هذا الدمار الذي جرى و يجري على العراق و آلامة إلا أن الكل في نفس الوقت يسعى و يختلق ما أمكنه من الحيل لتحقيق و تكرار نفس الشيئ الذي فعله السياسيون من قبلهم؟

التغيير في العراق إما أن يكون حقيقيا بإرادة العراقيين الحرة و هذا الأمر مفقود و لا توفره (الهوسة) و (الفوضى) الجارية أو بقرار أميركي, و أميركا و وفقا لمصالحها و خططها قد تبقي على الوضع الحالي من أجل قطف المزيد من نتائج الخراب و التدمير ألذاتي الجاري الذي تسعى اليه أو قد تغيره خاصة بعد ان استنفذت الأطراف التي تسمي نفسها (إسلامية) كل ما لديها و وقعت بأعناقها و أجسادها في الفخ الأميركي تماماً و هي تصارع الموت بعد ما تحولت الى أكبر هدف للكراهية في العراق و العالم!

و هذا التغيير لن يخرج عن الحدود التي ترسمها أميركا و لديها إحتياطيّ كبير من المتعاونين و العملاء عسكريين و مدنيين .. حاكمين و محكومين .. كما أن زمام الجيش و القوات المسلحة في العراق لم يخرج من يدها قط منذ أن أقامت الجيش العراقي الجديد, كما أنّ ألوان مجموعات عملائها متعددة بحيث يمكن أن ترضي جميع الأذواق, و من السهل و اليسير مثلا أن تقدم بضاعة جديدة تسكت العراقيين عقدا آخر من الزمن كما فعلت في العقد السابق حين وظّفت (الأحزاب الأسلامية) و بجانبها (الوطنية)!

و هكذا إلى أن ينتهي كلّ شيئ في العراق ذاتياً و بأيدي العراقيين أنفسهم بسبب فقدانهم للقيادة المرجعية المخلصة الحقيقية و عمق الجهل المنتشر بشكل فضيع بين الجميع خصوصا السُّذج منهم, و الخلاص يكمن في ملاحقة الفاسدين و أسرهم ثم محاكمتهم لأرجاع ترليون دولار و إجراء إنتخابات عادلة جديدة بآلتنسيق مع المفوضية العليا و آلحشد الشعبي الذي هو بيضة القبان في التغيير الجديد لأقامة العدل الذي أساسه المساواة في الحقوق و الرّواتب بين المسؤول و الرّاعي و بين الرئيس و المرؤوس و لا حول و لا قوة إلا بآلله العلي العظيم.

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here