ثوابت “المحرر” الامريكي … المحاصصة ثم المحاصصة فالمحاصصة

0
619

ورقة

 

كتب /  زكي رضا …

في مثل هذه الأيام من العام 2003 وصلت طلائع عصابات اليانكي الامريكي الى بغداد لتنهي فترة حكم أشرس نظام قمعي عرفه العراق طيلة تأريخه الحديث ، لتؤسس على أنقاضه نظاما سياسيا جديدا البسته لبوس الديموقراطية الموشاة بألوان الطوائف والقوميات والاعراق. ليبدأ العراق فترة حكم جديدة لا تقل سوءا عن سابقتها ، إن لم تكن أسوأ منها في مجالات الأمن والطاقة والفساد والنهب المنّظم لثروات الوطن وغيرها من المجالات. ففي ذلك العهد الأسود كانت جماهير شعبنا تعرف أن البعث المجرم هو من يسرق وينهب ويقتل. أمّا في عهدنا الأسود الجديد “الديموقراطي” فقد تعدد السرّاق والنهّابين والقتلة، فأصبح لدينا أحزاب بعث تمثل مثلما تطرح نفسها شرائح المجتمع العراقي والتي يجب أن تُمَثّل في أية حكومة مثلما صرّح العبادي أخيرا، علما أنّ جميع أحزاب البعث هذه تعمل تحت مظّلات أميريكية وإقليمية .

لقد رسم المحتل الامريكي ومعه دول أقليمية تضررت من نظام البعث الفاشي خارطة حكم جديدة بالعراق ، لها ثوابت وخطوط حمر من تلك التي لا يجوز على أي حزب من أحزاب البعث المجرمة الجديدة أن تصل اليها ناهيك عن تجاوزها. وأهم الخطوط الحمر هذه هي المحاصصة ثم المحاصصة فالمحاصصة. وهذا ما أكّدته الإدارة الأمريكية وفق وكالة “تسنيم التابعة للحرس الثوري الايراني” من خلال سفيرها ببغداد “ستيوارت جونز” الذي بيّن بخصوص الأزمة السياسية التي يعيشها العراق قائلا: “انه بدأ إتصالاته مع بعض قادة الكتل السیاسیة لإجبار نوابها على الأنسحاب من الأعتصام ، لحمایة خطوطها الحمراء فی العراق، ومن بینها الرئاسات الثلاث”.

وقد دعت هذه الأزمة وزير الدفاع الامريكي “أشتون كارتر” لزيارة العراق بشكل مفاجيء وبحث أوضاعه السياسية وخصوصا إعتصام البرلمانيين .

وكان مصدر سياسي عراقي قد صرح لصحيفة الشرق الأوسط إن “الولایات المتحدة الأمیرکیة أوصلت عن طریق جوزیف فوتیل ، قائد القیادة الوسطى الأمیرکیة، رسالة هامة ومختصرة إلى القیادات السیاسیة العراقیة، مفادها أنها ستتولى عن طریق قواتها المرابطة بالقرب من العراق حمایة خطوطها الحمراء فی العراق، ومن بینها الرئاسات الثلاث” . فماذا تريد واشنطن ونحن نمر بأخطر منعطف سياسي والذي يهدد بحرب طوائف وأعراق وأخرى بين الطوائف والأعراق نفسها؟ هل تريد تكريس أمر واقع جاءت من أجله للمنطقة وهو بناء نظام شرق أوسطي جديد يبدأ بتفتيت العراق، وهذ ما أشار اليه قائد القوات الامريكية الأسبق في العراق الجنرال المتقاعد “رايموند أوديرنو” عندما قال “ان العراق الموحد انتهى ويجب ان نعرف بان هذا البلد الان يتكون من ثلاث مناطق مختلفة يتقاسمها الكورد والشيعة والسنة”؟

إن الأحزاب البعثية التي تتحكم بالقرار السياسي العراقي تشعر اليوم بقلق كبير على مصير المحاصصة نتيجة التحرك الجماهيري الواسع والذي بدأته القوى المدنية العراقية قبل تسعة أشهر، والذي أصبح أكثر سعة بدخول التيار الصدري على خط التظاهرات لأسباب مختلفة منها ما هو واضح، وهو طرح الصدر نفسه ممثلا للجماهير المسحوقة واليائسة من تحسّن أحوالها بعد ثلاث عشرة سنة، ومنها ما هو غير معلن وهو الصراع داخل البيت الشيعي الذي لعب دورا كبيرا في خراب أوضاع البلد وهو يمثل الركن الأكثر قوّة في نهج المحاصصة المدمّر.

لو أهملنا إعتصام البرلمانيين وغالبيتهم بحساب بسيط وبعد عد نواب الكتل الاخرى هم من “حزب الدعوة ودولة القانون وإغلبهم فاسدون وغير مهنيون” وعدنا الى لقاء الغريمين اللدودين ” الصدر والمالكي” برعاية زعيم حزب الله “حسن نصر الله” وبعد سيل الأتهامات التي هي أقرب الى الشتائم بين الطرفين. سنرى أن “مقتدى الصدر” قد خطى خطوة في الحياة السياسية يصعب عليه التراجع عنها لأنها قد تكلفه حياته، وتبعد فيه بنفس الوقت الجماهير اليائسة والمعدمة التي صرح ويصّرح دوما من أنه خرج في سبيلها. “فالصدر” الذي بدأ مراهقا سياسيا وأتّهم بتهم مختلفة وهذا ما صرح به المالكي ويعرفه أبناء شعبنا كذلك، عليه اليوم أن يثبت نضوجه عن طريق إستمراره بالضغط على الحكومة والبرلمان ومؤسساتهما المدعومتين أمريكيا وإقليميا وبشكل سلمي لبناء نظام ديموقراطي مدني على أنقاض نظام المحاصصة، خصوصا بعد إتضّاح عدم جدية العبادي تحت ضغط حزبه وبقية القوى المتحاصصة من إجراء أية إصلاحات خارج نظام المحاصصة، وهو الذي صرّح اليوم قائلا “ان التغيير الوزراي ما هو إلا حلقة ضمن الاصلاحات الشاملة اضافة الى تغيير الهيئات المستقلة والوكالات لاختيار شخصيات من الكفاءات والخبرات بعيدا عن المحاصصة السياسية مع مراعاة تمثيل شرائح الشعب العراقي المختلفة” وهذا يعني “تمثيل شرائح الشعب العراقي المختلفة” العودة الى مثلث ” شيعة – سنّة – كورد”.

أنّ جماهير شعبنا هي صاحبة المصلحة الحقيقية ليس بإصلاح مؤسسة طائفية قومية كمؤسسة السلطة التي نخرها الفساد بل بتغيير جذري لشكل الحكم ورجالاته، ومن يريد لهذه الجماهير أن تحيا بآدمية مخلّفة سنوات المعاناة خلفها أن يعمل وهو مسّلح بهذه الملايين على تشكيل حكومة تكنوقراط من المستقلّين تأخذ على عاتقها قيادة البلد لفترة لا تزيد عن السنتين بعد حلّها للبرلمان. على أن تباشر بعد تسلم مهامها مباشرة بأنتخاب قضاة مدنيين ومن خبراء بالقانون مستعينة بخبرات الامم المتحدة والمؤسسات القانونية الدولية في كتابة دستور جديد للبلاد لا مكان فيه للنزعة الطائفية والقومية، على أن يطرح بعدها للإستفتاء العام دون تدخل المرجعيات الدينية فيه ولا حتّى مباركتها . كما عليها أن تسنّ قانونا جديدا للإنتخابات مستفيدة من الفشل الكبير للقوانين السابقة التي رسّخت المحاصصة الطائفية القومية، عبر مفوضيّة للإنتخابات تعمل بإمرة حيتان الفساد. على حكومة التكنوقراط المستقلة أن تباشر بإصلاح القضاء عن طريق إبعاد القضاة الفاسدين ، وتبدأ بمقاضاة جميع المسؤولين الذين نهبوا ثروات شعبنا.

على جماهير شعبنا وهي تخوض معركتها المصيرية ضد كل أشكال القتل والسرقة والنهب والخيانة الوطنية التي مارستها وتمارسها الأحزاب الطائفية والقومية ، أن تعي خطورة المرحلة التي يمر بها العراق. بلدنا في خطر فلنفشل الثوابت الأمريكية وثوابت الدول الإقليمية ودول الجوار.

اترك رد

Please enter your comment!
Please enter your name here